عون الله تعالى وحفظه ونصره وتأييده

الشيخ محمد بن مسعود العميري الهذلي

عن أبي العَبَّاس عَبْدِاللهِ بنِ عَبْاسٍ رَضي اللهُ عنهما قال: كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يوْمًا، فقال: "يا غُلامُ، إنِّي أُعَلِّمُكَ كلِماتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظك، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجاهَك، إذا سأَلْتَ فاسْأَلِ اللهَ، وإذا اسْتَعنْتَ فاسْتَعِنْ باللهِ، واعْلَمْ أنَّ الأُمَّة لَو اجْتَمَعَتْ على أَنْ يَنْفَعُـوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إلا بِشَيْءٍ قدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، ولو اجْتَمَعُوا على أن يَضُرَّوكَ بِشيءٍ لَمْ يَضُروكَ إلا بِشَيء قد كَتَبهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ"؛ رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيحٌ.

وفي رواية غير الترمذي [رواية الإمام أحمد]: "احْفَظِ الله تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إلى اللهِ في الرَّخاء يَعْرِفْكَ فـي الشِّدةِ، واعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، ومَا أَصابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، واعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مع الصَّبْرِ، وأنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وأنَّ معَ الْعُسْرِ يُسْرًا".


ترجمة الراوي:
هو عبدالله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عمِّ النبي صلى الله عليه وسلم، وُلد قبل الهجرة بثلاث سنين بمكة، وحنَّكه النبي صلى الله عليه وسلم بريقه، ولُقِّب بترجمان القرآن، وكان يُسمَّى البحر لغزارة علمه، وصحَّ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم دعا له بقوله: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)، كف بصره آخر عمره، وتُوفي بالطائف سنة 68هـ، وهو ابن إحدى وسبعين سنة، وصلَّى عليه محمد بن الحنفية، وقال: مات والله اليوم خير هذه الأمة.

درجة الحديث:
رواية الترمذي صححها الألباني في صحيح الجامع / 7834، ورواية أحمد صحيحة ؛ انظر رياض الصالحين بتحقيق الألباني / 63.

أهمية الحديث:
قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله في كتابه "جامع العلوم والحكم": وهذا الحديث يتضمن وصايا عظيمة وقواعد كلية من أهم أمور الدين.

مفردات الحديث:
يا غُلام: بضم الميم، لأنه نكرة مقصودة بالنداء، وهو الصبي حين يفطم إلى تسع سنين، وسنه إذ ذاك كانت نحو عشر سنين.

احفظ الله: اعرف حدوده وقف عندها.

يحفظك: يصُنْك ويحمِك في نفسك وأهلك ودينك ودنياك.

تُجاهك: أمامك، أي تجده معك بالحفظ والتأييد، والنصرة والمعونة حيثما كنت.

رُفعت الأقلامُ: تركت الكتابة بها، والمراد أنه قد قدر كل شيء في علم الله تعالى وانتهى.

جفَّت الصحف: المراد بالصحف ما كتب فيه مقادير المخلوقات كاللوح المحفوظ، وجفافها: انتهاء الأمر واستقراره، فلا تبديل فيها ولا تغيير.

ما يستفاد من الحديث:
1- إذا كانت الدابة قوية، ويعلم راكبها أو صاحبها أنها تُطيق أكثر من واحد، له أن يردف وراءه واحدًا أو أكثر حسب طاقتها، وإذا كان يعلم أنها لا تطيق لم يجز له ذلك.

2- يحسن للمعلم أن يلفت انتباه المتعلم، ويذكر له أنه يريد أن يعلمه، قبل أن يـبدأ بإعطاء المعلومات إليه، ليكون أوقع في نفسه، ويشتد شوقه للعلم ويقبل عليه برغبة.


3- من كان على حق ودعا إليه، أو أمر بالمعروف، أو نهى عن المنكر، فإنه لا يضره كيد الظالمين ولا مكر أعداء الله المبطلين.

4- على المسلم أن يقومَ بواجبه من فعل الطاعات، وترك المنكرات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، دون أن يصغي لما يقوله ضعفاء الإيمان واليقين، لأن ما قُدِّر له لا بد أن يصيبه.

5- أن الجزاء قد يكون من جنس العمل، وهذه قاعدة شرعية جاءت نصوص كثيرة تدل عليها:
قال تعالى: ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾ [محمد: 7]. وقال تعالى: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾ [البقرة: 152]. وقال تعالى: ﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ [البقرة: 40]. وقال صلى الله عليه وسلم: (من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة)؛ رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: (من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة)؛ رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: (احفظ الله يحفظك).

وقال صلى الله عليه وسلم: (والشاة إن رحمتها رحمك الله)؛ رواه أحمد. وقال صلى الله عليه وسلم: (إنما يرحم الله من عباده الرحماء)؛ متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم: (من وصل صفًّا وصله الله)؛ رواه أبو داود. وقال صلى الله عليه وسلم: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)؛ رواه أبو داود. وقال صلى الله عليه وسلم: (من كان له وجهان في الدنيا، كان له لسانان من نار يوم القيامة)؛ رواه أبو داود.

6- من حافظ على أوامر الله حفظه الله في الدنيا والآخرة، ومن لم يحفظ الله لم يحفظــه الله، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ [الحشر: 19].

7- أن من حفظ الله كان الله معه، يحفظه وينصره، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾ [النحل: 128].
قال قتادة: (من يتق الله يكن معه، ومن يكن الله معه فمعه الفئة التي لا تغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل). وهذه المعية الخاصة هي المذكورة في قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾ [طه: 46]، وقول موسى: ﴿ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ [الشعراء: 62]، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وهما في الغار: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟).

8- من امتثل أوامر الله أخرجه الله من الشدة، ومن عرف الله حال رخائه وصحتــه وغناه، عرفه الله عندما تحل به الشدة والضيق والفقر والمرض، قال صلى الله عليه وسلم: (من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد، فليكثر الدعاء في الرخاء)؛ رواه الترمذي، ويونس عليه السلام عرف ربه حال الرخاء، فعرفه في بطن الحوت ونجاه وثبتــه ونصره.

9- وجوب الاعتماد على الله والتوكل عليه، والرضا بالقضاء والقدر.

10- من أراد أن يسأل، فليسأل الله تعالى وحده، وعليه التوجه إلى الله تعالى في كل حال، ويستعين به، ولا يسأل غيره، فلا يدعى إلا الله، ولا يستعان إلا به؛ كما قال تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ﴾ [الأحقاف: 5 - 6]، نفى سبحانه أن يكون أحد أضل ممن يدعو غيره، وأخبر أنه لا يستجيب له ما طلب منه إلى يوم القيامة.

والاستفهام فيه إنكار أن يكون في الضلال أبلغ ضلالًا ممن عبد غير الله ودعاه، حيث يتركون السميع المجيب القادر على تحصيل بُغيه، ويدعون من دونه من لا يستجيب لهم.

وقال تعالى: ﴿ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ [النساء: 32]، وقال صلى الله عليه وسلم: (من لا يسأل الله يغضب عليه)؛ رواه ابن ماجه.

لكن يجوز للإنسان أن يستعين بمخلوق فيما يقدر عليه هذا المخلوق، لقوله صلى الله عليه وسلم: (وتعين الرجل في دابته، فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة)؛ متفق عليه.

11- أن بعد كل كرب فرجًا، وأن بعد كل عسرٍ يسرًا.

12- لن يصيب الإنسان إلا ما كتب الله له، فعليه الرضا به والتسليم؛ لأنَّ كل شيء مكتوب ومنتهٍ، قال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [الحديد: 22]، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة)؛ رواه مسلم.

وعن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أول ما خلق الله القلم، ثم قال: اكتب، فكتب في تلك الساعة ما هو كائن إلى يوم القيامة)؛ رواه أحمد.

ويتفرع على هذه الفائدة:
1- عدم جزع الإنسان واطمئنان قلبه، لأن كل شيء مكتوب ومقدر.

2- أنه لن يصيب العبد إلا ما كتب له، فلن يستطيع أحد أن ينفعه بشيء لم يكتب له، ولا يستطيع أحد أن يضره بشيء لم يكتب له، كما قال تعالى: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾ [التوبة: 51]، وقال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ﴾ [الحديد: 22]، وقال سبحانه: ﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ﴾ [آل عمران: 154].

قال ابن رجب رحمه الله: "واعلم أن مدار هذه الوصية على هذا الأصل، وما ذكر قبله وبعده فهو متفرع عليه وراجع إليه، فإن العبد إذا علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير وشر ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد البتة، علم حينئذ أن الله وحده هو الضار النافع، المعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه عز وجل، وإفراده بالطاعة وحفظ حدوده.

13- فضل الصبر وأنه من أسباب النصر، وهذا يشمل جهاد العدو الظاهر، وجهاد العدو الباطن، فمن صبر فيهما نصر وظفر بعدوه , ومن لم يصبر فيهما وجزع قهر وصار أسيرًا لعدوه؛ قال تعالى: ﴿ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 249].


قال بعض السلف: كلنا يكره الموت، وألم الجراح، ولكن نتفاضل بالصبر. وقال بعض العلماء: الشجاعة صبر ساعة. وقال أبو الطيب المكي: اعلم أن الصبر سبب دخول الجنــة، وسبب النجاة من النار، لأنه جاء في الخبر: "حفت الجنة بالمكاره، وحُفَّت النار بالشهوات"، فيحتاج المؤمن إلى صبر على المكاره ليدخل الجنة، وإلى صبر عن الشهوات لينجو من النار. وقال في مقام آخر: واعلم أن كثرة معاصي العباد في شيئين: قلة الصبر عما يحبون، وقلة الصبر على ما يكرهون.

14- عجز الخلائق كلهم، وافتقارهم إلى الله عز وجل.
15- ما من مصيبة تـنزل إلا بما اقترفت يداه.
16- الأعمال الصالحة ترفع البلاء.
17- تحريم اليأس والقنوط.