حديث: رخص في بيع العرايا في خمسة أوسق



الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك



عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخَّص لصاحب العربة أن يبيعها بخرصها تمرًا يأكلونها رطبًا.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخَّص في بيع العرايا في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق.

العرايا: جمع عارية، قال الحافظ: (وهي في الأول عطية ثمر النخل دون الرقبة، كان العرب في الجدب يتطلع أهل النخل بذلك على من لا ثمر له، كما يتطوع صاحب الشاء أو الإبل بالمنيحة)[1].

قوله: (رخص لصاحب العربة أن يبيعها بخرصها تمرًا يأكلونها رطبًا)، وفي رواية: (ورخَّص في العرية أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطبًا).

وقال سفيان مرة أخرى: إلا أنه رخص في العرية يبيعها أهلها بخرصها يأكلونها رطبًا.

وفي حديث ابن عمر مرفوعًا: ولا تبيعوا الثمر بالتمر، قال: وعن زيد بن ثابت أنه صلى الله عليه وسلم رخَّص بعد ذلك في بيع العرية[2].

قوله: (رخص في بيع العرايا)؛ أي: في بيع ثمر العرايا؛ لأن العرية هي النخلة والعرايا جمع عرية.

قوله: (في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق): شك من الراوي، والوسق ستون صاعًا، وقال سهل بن أبي حثمة: لا يباع الثمر في رؤوس النخل بالأوساق الموسقة إلا أوسقًا ثلاثة أو أربعة أو خمسة يأكلها الناس؛ أخرجه الطبراني[3].

قال البخاري: وقال مالك: العرية أن يعري الرجلُ الرجلَ النخلة، ثم يتغذى بدخوله عليه، فرخص له أن يشتريها منه بتمر، وقال ابن إدريس: العرية لا تكون إلا بالكيل من التمر يدًا بيد، لا يكون بالجزاف[4].

قال الحافظ: (صور العرية كثيرة منها أن يقول الرجل لصاحب حائط يعني ثمر نخلات بأعيانها بخرصها من التمر، فيخرصها ويبيعه، ويقبض منه التمر، ويسلم إليه النخلات بالتخلية، فينتفع برطبها، ومنها أن يهب صاحب الحائط لرجل نخلات أو ثمر نخلات معلومة من حائطه، ثم يتضرر بدخوله عليه، فيخرصها ويشتري منه رطبها بقدر خرصه بتمر يعجله له، ومنها أن يهبه إياها، فيتضرر الموهوب له بانتظار صيرورة الرطب تمرًا، ولا يحب أكلها رطبًا لاحتياجه إلى التمر، فيبيع ذلك الرطب بخرصه من الواهب أو من غيره بتمر يتخذه معجلًا، ومنها أن يبيع الرجل تمر حائطه بعد بُدو صلاحه، ويستثني منه نخلات معلومة يبقيها لنفسه أو لعياله، وهي التي عفي له عن خرصها في الصدقة، وسُميت عرايا؛ لأنها أعريت من أن تخرص في الصدقة، فرخص لأهل الحاجة الذين لا نقد لهم وعندهم فضول من تمر قوتهم أن يبتاعوا بذلك التمر من رطب تلك النخلات بخرصها، ومما يطلق عليه اسم عرية أن يعرى رجلًا تمر نخلات يبيح له أكلها والتصرف فيها، وهذه هبة مخصوصة، ومنها أن يعري عامل الصدقة لصاحب الحائط من حائطه نخلات معلومة لا يخرصها في الصدقة، وهاتان الصورتان من العرايا لا يبيع فيها، وجميع هذه الصور صحيحة عند الشافعي والجمهور، قال ابن المنذر: الذي رخص في العرية هو الذي نهى عن بيع الثمر بالتمر في لفظ واحد من رواية جماعة من الصحابة، قال: ونظير ذلك الإذن في السلم مع قوله صلى الله عليه وسلم لا تبع ما ليس عندك)[5].


[1] فتح الباري: (4/ 390).

[2] صحيح البخاري: (3/ 99).

[3] فتح الباري: (4/ 391).

[4] صحيح البخاري: (3/ 100).

[5] فتح الباري: (4/ 391).