استلام الحجر الأسود والركن اليماني

الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح



عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَا تَرَكْتُ اسْتِلاَمَ هَـذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ، الْيَمَانِيَ وَالْحَجَرَ، مُذْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهُ صلى الله عليه وسلم يَسْتَلِمُهُمَا، فِي شِدَّةٍ وَلاَ رَخَاءٍ.

ولمسلم في رواية قال نَافِعٌ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَبَّلَ يَدَهُ، وَقَالَ: مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُهُ.

وفي رواية البخاري: سألَ رجلٌ ابن عمرَ رضيَ اللهُ عنهما عن استلامِ الحَجرِ، فقال: رأيتُ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم يستلمهُ ويُقَبِّلهُ، قال: قلت: أرأيت إن زُحِمتُ، أرأيتَ إن غُلِبتُ؟ قال: اجعلْ «أرأيتَ» باليَمنِ، رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَستَلمهُ ويُقبِّله.

تخريج الحديث:
الحديث أخرجه مسلم، حديث (1268)، وأخرجه البخاري في "كتاب الحج"، "باب الرمل في الحج والعمرة" حديث (1606)، وأخرجه النسائي في "كتاب مناسك الحج"، "باب ترك استلام الركنين الآخرين" حديث (2952).

شرح ألفاظ الحديث:
((اسْتِلاَمَ هَـذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ)): الاستلام هو المسح باليد والتقبيل بالفم.
((فِي شِدَّةٍ وَلاَ رَخَاءٍ)): أي في رخاء ولا فسحة وسعة.
((إن غُلِبتُ)): أي أخبرني إن غلبني من يستلم الحجر، فلم أستطع استلامه لمزاحمتهم.
((اجعلْ «أرأيتَ» باليَمنِ)): وهذا يشعر بأن الرجل يماني، وقد وقع في رواية أبي داود: ((اجعل "أرأيت" عند ذلك الكوكب)).

من فوائد الحديث:
الفائدة الأولى: الحديث دليل على مشروعية استلام الحجر الأسود والركن اليماني في الطواف، وتقدم في حديث ابن عمر رضي الله عنهما في أول كتاب الحج بعد سبعة أحاديث أن الحجر الأسود يشرع فيه الاستلام والتقبيل، أو الإشارة إليه مع البعد على مراتب ستأتي، أما الركن اليماني فليس إلا الاستلام، وأما غيرهما من الأركان، فلا تقبيل ولا استلام، والحكمة والله أعلم أن الحجر الأسود والركن اليماني على قواعد إبراهيم دون غيرهما من الأركان.

الفائدة الثانية: الحديث دليل على أنه لا يشرع استلام غير الركنين اليمانين باتفاق الأئمة، فلا يشرع استلام بقية الأركان ولا جدران الكعبة، ولا مقام إبراهيم، ولا غيرها مما لم يستلمه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يمسح به، فالسنة ترك ذلك كله، فكما أن السنة تكون بالأفعال كاستلام الركنين اليمانين، فإن السنة تكون في التروركات أيضًا؛ كترك استلام غيرها، والقاعدة [أن كل شيء وجد سببه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعله، فالتعبد به بدعة]، وهكذا يقال في استلام غير اليمانين والتمسح بها.

قال ابن القيم رحمه الله: "ليس على وجه الأرض موقع يشرع تقبيله واستلامه، وتحط الخطايا والأوزار فيه غير الحجر الأسود والركن اليماني"؛ [انظر زاد المعاد (1/ 48) وانظر بنحوه كلام شيخه ابن تيمية في الفتاوى (26 / 97)].


الفائدة الثالثة: رواية البخاري فيها دلالة على شدة تتبُّع ابن عمر رضي الله عنهما للسنة على كل حال، وكأنه فهِم من حال السائل التهاون في تطبيق السنة، وافتراض العقبات دونها، فقال له: ((اجعلْ «أرأيتَ» باليَمنِ))، أو يحمل على أن ابن عمر رضي الله عنه يطبِّق السنة حتى مع وجود العقبات من زحام ونحوه.