دليل الرغبة والرهبة والخشوع

















(المحصول الجامع لشروح ثلاثة الأصول)





د. فهد بن بادي المرشدي




قال المصنف رحمه الله: (وَدَلِيلُ الرَّغْبَةِ، وَالرَّهْبَةِ، وَالْخُشُوعِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾ [الأنبياء: 90].







الشرح الإجمالي:



(ودليل) أن (الرغبة) فيما عند الله، (والرهبة) من عذابه، (والخشوع) والخضوع له وحده: من أنواع العبادة، ما ذكره الله تعالى عن الأنبياء والصالحين في معرض الثناء عليهم في (قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ﴾: الأنبياء الذين سمَّاهم الله في هذه السورة يبادرون ويسابقون في عمل القربات والطاعات، ﴿ وَيَدْعُونَنَا ﴾ وحدَنا، ويسألوننا ﴿ رَغَبًا ﴾، ورجاءً فيما عندنا من الثواب، ﴿ وَرَهَبًا ﴾ وخوفًا منا ومما عندنا من العقاب، ﴿ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾ خاضعين متذللين متضرعين، وهذا من كمال معرفتهم بربهم [1].







الشرح التفصيلي:



ذكر المصنف مجموعة من العبادات، فذكر العبادة الخامسة وهي: الرغبة، والرغبُ في الشيء: الميل إليه، والإرادة له بالحرص عليه[2]، وفي اللسان: «الرغباء: الضراعة والمسألة»[3]، فالرغبة: السؤال والتضرع والابتهال، مع محبة الوصول إلى الشيء المحبوب[4]، فإذا كان يدعو وعنده قوة لحصول مطلوبه فهذه رغبة[5]، فالرغبة، هي: الرجاء المؤكد الذي معه حب وخضوع لمن يرجوه، وهذا لا بد منه في جميع العبادات، فيرجو رجاء متضمنًا للذل والخضوع الذي معه التعظيم[6].







والرغبة إلى الله شرعًا هي: إرادة مرضاة الله في الوصول إلى المقصود محبة له ورجاء[7]، وقد أَمرَ الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يرغب إليه وحده جل وعلا، فقال: ﴿ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴾ [الشرح: 8] [8].







ثم ذكر المصنف العبادة السادسة، وهي: الرهبة، وأصل الرهبُ لغة: الخوف[9]، فالرهبة: الخوف المثمر للهرب من الشيء المخوف، فهي خوف مقرون بعمل[10]، قال الراغب: «الرهبة: مخافة مع تحرز واضطراب»[11]؛ ولذا فهي أخص من الخوف، فالخوف هربٌ من المكروه؛ وأما الرهبة فهي الإمعان في الهرب من المكروه [12].







والرهبة من الله شرعًا هي: فرار القلب إلى الله ذعرًا وفزعًا، مع عمل ما يرضيه[13].







والفرق بين الرغبة والرهبة، هو: أن الرغبة رجاء خاص؛ فالرجاء طمع، والرغبة طلب، فإذا قوي الطمع صار طلبًا [14]؛ أما الرهبة فهي: خوف خاص ووَجَلٌ خاص، فالرغبة نوع من الرجاء، وهي: أعلاه، والرهبة نوع من الخوف، وهي: منتهاه [15]، فالرغبة والرهبة كل منهما ملتئم من الرجاء والخوف، والرجاء على الرغبة أغلب، والخوف على الرهبة أغلب [16].







ثم ذكر المصنف العبادة السابعة، وهي: الخشوع، والخشوعُ في اللغة: الخضوع، والخضوع هو: التطامن والتواضع[17]، فالخشوع سكونٌ فيه ذل وخضوع، إلا أن الخضوع يغلب أن يكون في البدن، والخشوع يكون في البدن والصوت والبصر[18]، فالخشوع أبلغ من الخوف؛ لأنه يكون في القلب، وهو محل الخشوع، ويكون في البصر بأن تذرف العين وتدمع، ويكون في السمع بأن يخشع؛ كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا ﴾ [طه: 108]، وقال تعالى: ﴿ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ﴾ [القلم: 43].







والخشوع لله شرعًا هو: فرار القلب إلى الله ذعرًا وفزعًا مع الخضوع له[19].







ثم ذكر المصنف: دليل كون الرغبة والرهبة والخشوع عبادات لا يجوز صرفها لغير الله تعالى، وهو قوله تعالى: ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾ [الأنبياء: 90]، ووجه الاستدلال من الآية: أن الله جل وعلا أثنى على الأنبياء والمرسلين الذين ذكرهم في سورة الأنبياء بأنهم يدعونه راغبين راهبين، ويكون مع الدعاء خشوع القلب والأبصار والسمع، والدعاء هنا شامل لدعاء العبادة ودعاء المسألة [20]، فأثنى عليهم بأنهم ذوو رغب، وذوو رهب، وذوو خشوع لله جل وعلا، فدل ذلك على أن هذه الأفعال محبوبة لديه مرضية عنده، فتدخل في حد العبادة؛ لأن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فدلت الآية على أن هذه الثلاثة الأنواع من أجلِّ أنواع العبادة، فمن صرف شيئًا منها لغير الله فهو مشرك كافر [21]؛ وهكذا حال المشركين عند آلهتهم، وحال عباد القبور عند المشاهد؛ فإنه يكون عندهم وَجَلٌ خاص ورهبة، ومزيد رجاء وهو الرغبة، وخشوع وتطامن، وعدم حركة وسكون في الجوارح والأنفاس، وحتى في الألحاظ، وهي الرؤية، وهذا كله مما لا يسوغ أن يكون إلا لله جل وعلا [22]؛ وهذا الدليل العام من الآية، وهناك وجه استدلال آخر من الآية متعلق بالدليل الخاص في الخشوع وحده، وهو قوله تعالى: ﴿ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾؛ حيث قدم الجار والمجرور (لنا) على ما يتعلق به وهو اسم الفاعل (خاشع)، وأصل سبك الكلام: كانوا خاشعين لنا، فلما قُدِّم ما حقه التأخير كان ذلك مفيدًا للحصر والقصر والاختصاص[23]، فأفاد بأن الخشوع مختص بالله تعالى؛ كما ذكر اختصاصه بالعبادة عمومًا في قوله تعالى: ﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ [الزمر: 66] [24]، والخشوع الشركي: هو خشوع العبد لغير الله تقربًا إليه ورجاء لما عنده وخوفًا منه [25].








[1] ينظر: حاشية ثلاثة الأصول، عبدالرحمن بن قاسم (39)، وتيسير الوصول شرح ثلاثة الأصول، د. عبدالمحسن القاسم (93).




[2] الصحاح، للجوهري (1/ 159)؛ والقاموس المحيط، للفيروز آبادي ، مادة (ر غ ب)؛ وينظر: الكليات، لأبي البقاء أيوب بن موسى الكفوي (482)، الناشر: مؤسسة الرسالة، ط. الثانية: 1419هـ.




[3] لسان العرب، لابن منظور، مادة (ر غ ب).




[4] ينظر: حاشية ثلاثة الأصول، عبدالرحمن بن قاسم (39)؛ وشرح ثلاثة الأصول، محمد بن صالح العثيمين (59)؛ وشرح الأصول الثلاثة، عبدالعزيز الراجحي (54)؛ وحصول المأمول بشرح ثلاثة الأصول، عبدالله الفوزان (87).




[5] شرح الأصول الثلاثة، عبدالعزيز الراجحي (54).




[6] المحصول من شرح ثلاثة الأصول، عبدالله الغنيمان (105).




[7] تعليقات على ثلاثة الأصول، صالح بن عبدالله العصيمي (27).




[8] تعليقات على ثلاثة الأصول، صالح بن عبدالله العصيمي (27).




[9] الصحاح، للجوهري (1/ 161)؛ والعين، للفراهيدي (372).




[10] ينظر: شرح ثلاثة الأصول، محمد بن صالح العثيمين (59)؛ وشرح الأصول الثلاثة، عبدالعزيز الراجحي (54).




[11] مفردات ألفاظ القرآن (366).




[12] ينظر: مدارج السالكين، لابن القيم (1/ 508)، الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت، ط: الثالثة، 1416 هـ.




[13] تعليقات على ثلاثة الأصول، صالح بن عبدالله العصيمي (27).




[14] مدارج السالكين، لابن القيم (2/ 56).




[15] ينظر: شرح ثلاثة الأصول، صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ (94).




[16] مدارج السالكين، لابن القيم (1/ 158).




[17] الصحاح، للجوهري (2/ 934).




[18] لسان العرب (8/ 71)؛ والعين، للفراهيدي (246)؛ وحاشية ثلاثة الأصول، عبدالرحمن بن قاسم (39)؛ وشرح ثلاثة الأصول، صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ (94).




[19] تعليقات على ثلاثة الأصول، صالح بن عبدالله العصيمي (31).




[20] ينظر: شرح ثلاثة الأصول، محمد بن صالح العثيمين (60)، والمحصول من شرح ثلاثة الأصول، عبدالله الغنيمان (107).




[21] حاشية ثلاثة الأصول، عبدالرحمن بن قاسم (39-40).




[22] ينظر: شرح ثلاثة الأصول، صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ (94).




[23] ينظر: المصدر السابق (91، 95).




[24] مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (4/ 390).




[25] ينظر: تنبيه العقول إلى كنوز ثلاثة الأصول، د. عبدالرحمن الشمسان (1/ 438).