الاستعانة بالله عز وجل

(المحصول الجامع لشروح ثلاثة الأصول)

د. فهد بن بادي المرشدي

قال المصنف رحمه الله: (وَدَلِيلُ الاسْتِعَانَةِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، وفي الحديث: (إذا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِالله) [1].

الشرح الإجمالي:
(ودليل) أن (الاستعانة) من أنواع العبادة ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾؛ أي: نخصُّك وحدك بالعبادة، ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾؛ أي: نفردك بالاستعانة بك دون خلقك، فلا يُعْبَدُ إلا الله، ولا يُستعان إلا به جل وعلا؛ (و) أيضًا أَمَرَ النبيُ صلى الله عليه وسلم بالاستعانة بالله فقال في الحديث: (إذا استعنت فاستعن بالله)، فحصر الاستعانة بالله وحده دون غيره [2].

الشرح التفصيلي:
ذكر المصنفُ دليلَ العبادة العاشرة، وهي: الاستعانة، وقد ذكر الاستعانة بعدما ذكر الإنابة، والاستعانة: طلب العون؛ لأن الألف والسين والتاء في اللغة للطلب، فإذا قيل استعان: فمعناه: طلب الإعانة، وإذا قيل: استغاث، أي: طلب الغوث والعون والمساعدة.

والاستعانة بالله شرعًا هي: طلبُ العون من الله في الوصول إلى المقصود[3]، وطلب العون من الله جل وعلا يكون على الأمور الدينية وعلى الأمور الدنيوية[4].

واستدل المصنف على عبودية الاستعانة بآية وحديث، فقال: (ودليل الاستعانة قوله تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾، وقوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾؛ أي: لا نعبد إلا أنت، وأفاد أن العبادة خاصة بالله جل وعلا، وهذا دليلٌ عام في العبادات جميعًا؛ ثم قال بعدها، وهو مراد المصنف بالاستدلال: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾، وقد ذكر الله في كتابه الاستعانة بعد العبادة؛ لأنها فرعُ الإقرار بعبودية الله سبحانه وتعالى، فإن من أقرَّ بأن الله هو المعبود طلبَ العون منه وحده؛ لأن المعبود هو الكامل في أوصافه[5]، ولأنه لا يمكن أداء العبادة على وجهها الصحيح دون الاستعانة بالله سبحانه وتعالى[6]، ووجه الاستدلال من الآية: أن الله تعالى قدم المعمول: (إياك)، على العامل الذي هو (نعبد)، وأصل الكلام (نَعْبُدُ إِيَّاكَ)، وتقديم المعمول على العامل يفيد الحصر والاختصاص؛ أي: نستعين بك وحدك دون كل من سواك، فحصر الاستعانة بالله جل وعلا، وذلك في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله سبحانه وتعالى، فلا يجوز صرفها لغير الله؛ إذ هي مختصة بالله جل وعلا[7]، وهناك وجهٌ آخر من الآية يدل على كون الاستعانة عبادة، وهو: نسبة التقرب بها إلى المؤمنين من الأنبياء وغيرهم، وأفعال المؤمنين من القُرب عبادات[8]، فأثبت في هذا الدليل أنه لا يجوز صرف الاستعانة لغير الله؛ إذ هي مختصة بالله جل وعلا، وأثبت أنها عبادة؛ فصرفها لغير الله تعالى شرك وكفر[9].

ثم ذكر المصنف أيضًا في أدلتها: حديث: (إذا استعنت فاستعن بالله)، وفي هذا الحديث حَصَر الاستعانة بالله وحده دون غيره من الخلق، وهو يدل على أن الاستعانة عبادة للأمر بها، فإنه لا يؤمر إلا بما يُعبد به الله جل وعلا [10]، ثم إن الأمر بالاستعانة بالله جاء في جواب الشرط (إذا)، فصار مُتَرتبًا مع ما قبله لما يفيد الحصر والقصر، يعني: إذا كنت متوجهًا للاستعانة فلا تستعن بأحد إلا بالله جل وعلا، فلما أَمر به علمنا أنه من العبادة، ثم لما جاء في جواب الشرط أفاد الحصر[11].

والاستعانة فيها معنى الطلب، وما كان فيها معنى الطلب من العبادات، فإنه يصلح دليلًا لها كل ما فيه وجوب إفراد الله جل وعلا بالطلب والسؤال، فأي دليل فيه وجوب إفراد الله جل وعلا بالدعاء، يصلح دليلًا بإفراد الله جل وعلا بأنواع الطلب؛ كقوله تعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر: 60]، فإنه يصلح دليلًا للاستعانة، والاستعاذة، والاستغاثة، ونحو ذلك [12].

والاستعانة بالله جل وعلا تتضمن ثلاثة أمور:
الأول: كمال الخضوع والتذلل لله تعالى.
والثاني: الثقة بالله جل وعلا، واعتقاد كفايته.

والثالث: الاعتماد على الله سبحانه وتعالى، وتفويض الأمر إليه، وهذه لا تكون إلا لله جل وعلا، فمن استعان بغير الله محققًا هذه المعاني الثلاثة، فقد أشرك مع الله غيره [13].

فالاستعانة الشركية هي: الاستعانة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ كالاستعانة بالأموات، أو بالأحياء الغائبين، أو بالأحياء الحاضرين على أمر لا يقدرون عليه فهذا شرك؛ لأنه إذا استعان بالميت أو بحي على أمر بعيد غائب عنه لا يقدر عليه؛ فهذا لا يقع إلا من شخص يعتقد أن لهؤلاء تصرفًا في الكون، وأن مع الله مدبرًا [14].

وإفراد الله بالاستعانة وإخلاص الاستعانة به سبحانه دون غيره، كل هذا في استعانة العبادة، أما الاستعانة بالمخلوق في الأمور العادية، فلا بأس به، ما دام المستعان به حيًّا حاضرًا قادرًا على الإعانة [15]، كما طَلَبَ ذو القرنين من الذين اشتكوا إليه يأجوج ومأجوج الإعانة؛ حتى يبني لهم السد؛ كما في قوله تعالى: ﴿ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ﴾ [الكهف: 95]، فالاستعانة بالمخلوق الحي الحاضر على أمر قادر عليه، أو وهو غائب ويُتَصلُ به إما مباشرة أو بكتاب، فهذا ليس محذورًا، ولكن تركه من كمال إيمان العبد، ولذلك كان الأصل في سؤال الناس وطلبهم النهي [16].



[1] أخرجه الترمذي في أبواب صفة القيامة برقم (2516)، وقال: "هذا حديث حسنٌ صحيح".

[2] ينظر: حاشية ثلاثة الأصول، عبدالرحمن بن قاسم (41)، وتيسير الوصول شرح ثلاثة الأصول، د. عبدالمحسن القاسم (100).

[3] تعليقات على ثلاثة الأصول، صالح بن عبدالله العصيمي (28).

[4] شرح الأصول الثلاثة، د. خالد المصلح (34).

[5] ينظر: شرح ثلاثة الأصول، صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ (100)؛ وشرح الأصول الثلاثة، د. خالد المصلح (34).

[6] إتحاف العقول بشرح الثلاثة الأصول، عبيد بن عبدالله الجابري (75).

[7] ينظر: شرح ثلاثة الأصول، صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ (100).

[8] تعليقات على ثلاثة الأصول، صالح بن عبدالله العصيمي (31).

[9] ينظر: شرح ثلاثة الأصول، صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ (101).

[10] تعليقات على ثلاثة الأصول، صالح بن عبدالله العصيمي (31).

[11] شرح ثلاثة الأصول، صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ (103).

[12] ينظر: شرح ثلاثة الأصول، صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ (104).

[13] ينظر: شرح ثلاثة الأصول، محمد بن صالح العثيمين (62)؛ وحصول المأمول بشرح ثلاثة الأصول، عبدالله الفوزان (92).

[14] ينظر: شرح ثلاثة الأصول، محمد بن صالح العثيمين (63)، وحصول المأمول بشرح ثلاثة الأصول، عبدالله الفوزان (93)، وتيسير الوصول شرح ثلاثة الأصول، د. عبدالمحسن القاسم (102)؛ وتنبيه العقول إلى كنوز ثلاثة الأصول، د. عبدالرحمن الشمسان (1 /459).

[15] شرح الأصول الثلاثة، عبدالعزيز الراجحي (59)، وينظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (1 /357).

[16] ينظر: شرح الأصول الثلاثة، د. خالد المصلح (34)؛ وتنبيه العقول إلى كنوز ثلاثة الأصول، د. عبدالرحمن الشمسان (1 /459).