العناية بالصحة في الإسلام























د. محمود بن أحمد الدوسري








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعد:



فقد عُنِيَ الإسلامُ بصحة الإنسان عنايةً بالغة، فأرشد إلى الاقتصاد في الطعام والشراب، وعدم الإسراف في ذلك، قال تعالى: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا ﴾ [الأعراف: 31]. قال بعضهم: (جَمَعَ اللهُ بهذه الكلمات الطبَّ كلَّه)[1]. فالإسرافُ في المطاعم والمشارِبِ من أعظم أسباب الأدواء المتنوعة. ويؤيده قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ؛ بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاَتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لاَ مَحَالَةَ؛ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» صحيح - رواه الترمذي.







ولأجل حِفْظِ الصحة: حرَّم الإسلامُ الخمرَ؛ لأنها تُضْعِفُ القلب، وتفري الكُلى، وتُمزِّق الكبد، وأضرارها كثيرة.. وحرَّم الإسلامُ الفواحشَ من زنى ولواط؛ لِمَا فيهما من أضرارٍ صحية؛ كالتيفوئيد، والدوسنتاريا، والتهاب الكبد الفيروسي، والزهري، والسَّيَلان، والهربس، والإيدز ونحوها، وما يتبع ذلك من أمراضٍ نفسية؛ كالاكتئاب، والغم، والضِّيق، والاضراب[2].







وحرَّم لحمَ الخنزير؛ لما فيه من أدواءٍ كثيرة؛ كالدودة الوحيدة، والشعرة الحلزونية، وكثيراً ما يكونان السبب في موته[3].







ومن فوائد الوضوء الطبية: أنه يمنع من أمراض الأسنان، والأنف؛ بل إنَّ الأنف من أهمِّ الموانع لِلسُّل الرئوي؛ لأنَّ المسلم يغسل أنفه في اليوم خمس عشرة مرة، بسبب تكرار الوضوء، فلا تبقى فيه جراثيمُ هذه الداء الخطير.







وفي القرآن الكريم إرشادٌ وتوجيه إلى أصول العمل بالطِّب الوقائي الذي يعمل على حماية صحة الفرد والمجتمع، قال اللهُ تعالى: ﴿ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾ [البقرة: 195]. وقال سبحانه: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [النساء: 29][4].







ومن أهداف البعثة المحمَّدية أنْ يُحِلَّ لأُمَّته الطيِّبَ النافع، ويُحَرِّم عليها الخبيثَ الضار، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ ﴾ [الأعراف: 157].







يقول د. محمد نزار الدقر: (إنَّ تحريم الخَمْرِ والتدخينِ والمخدراتِ يُمكن اعتباره أهم مُنجزات شريعتنا الغرَّاء في مجال الطِّب الوقائي؛ إذْ إنَّ التزام المجتمع باجتناب هذه الخبائث يَقِيه من الوقوع في براثن العديد من الأمراض المُهلِكة، ويحمي الأجِنَّةَ من التَّشوُّهات، ويَقِي الأفرادَ من الحوادث)[5].







أيها المسلمون.. ودلَّت السنة المطهرة على مشروعية الجراحة الطِبِّية، وجوازها؛ كما ورد في أحاديث الحِجامة، ومنها: ما جاء في حديث ابن عباسٍ - رضي الله عنهما؛ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ فِي رَأْسِهِ» رواه البخاري. وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ شِفَاءٌ فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ» رواه البخاري. فالحجامة - في العصر الحديث - تُعدُّ نوعاً من الجِراحةِ الطبية الصُّغرى؛ لمعالجة بعض الأمراض والالتهابات[6].







وقد اعتنى الإسلامُ بالتَّداوي وحثَّ عليه، ومكافحةِ الأوبئة المُعدية، والأمراض الفتاكة، ومن ذلك: قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ؛ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» رواه مسلم. وقوله صلى الله عليه وسلم: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلاَّ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً» رواه البخاري. ووجَّه أيضاً لأمورٍ تنفع الناسَ بإذن الله تعالى؛ كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلاَّ السَّامَ[7]» رواه البخاري ومسلم.







فجميع أصول الطبِّ وتفاصيله تشرحُ هذه الأحاديثَ النبوية الشريفة، فلا يأس من وجود علاجٍ لأيِّ مرض؛ سواء كان "فيروس كورونا الجديد" [8] أو غيره، طالَمَا أنَّ مُسبِّب الأسباب - وهو اللهُ جلَّ في عُلاه - لم يُنزل داءً إلاَّ أنزل له شفاءً، فجميعُ الأمراضِ لها أدويةٌ تُقاوِمُها، سواء تدفع ما لم ينزل، أو ترفع ما نزل بالكية أو تُخَفِّفه[9].







عباد الله.. إنَّ حِفْظَ الصحةِ والبدنِ هو أحد مقاصد الشريعة الإسلامية؛ لذا كان من أعظم الأدعية النبوية سؤالُ اللهِ تعالى العافية؛ كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «سَلُوا اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ؛ فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْطَ بَعْدَ الْيَقِينِ خَيْرًا مِنَ الْعَافِيَةِ» صحيح - رواه الترمذي. ومن دعائه صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَدَنِي، اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي سَمْعِي، اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَصَرِي، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ» حسن - رواه أبو داود.







يقول د. محمد نزار الدقر: (تَتَطابَقُ نظرةُ الإسلام للصِّحة مع المفهوم الحديث؛ فالصحة في مفهوم الطِّب الحديث ليست مُجَرَّد الخُلُوِّ من العاهات أو الأمراض، بل أنْ يتمتَّع الفردُ برصيدٍ من القوة في وظائف أعضائه تجعله يتحمَّل ما قد يتعرَّض له من مُسَبِّبات كثيرٍ من الأمراض، وهذا تطابُقٌ مُعْجِزٌ حقًّا مع ما قال به نبيُّ الرحمةِ صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ» رواه مسلم)[10]. وهذا داخل في تقوية المناعة لدى الإنسان.







الخطبة الثانية



الحمد لله... عباد الله.. اعتنى الإسلامُ بصحة الإنسان قبل أن يَتَخَلَّق؛ إذْ أرشد إلى حُسنِ انتقاء شريك الحياة؛ حتى تخرج منهما ذرية سليمة، ومِصداقه قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ» حسن - رواه ابن ماجه.







وكذا حثَّ الإسلامُ على الرَّضاعةِ وإطالةِ مدتها قدر الإمكان؛ ليحصل الطفل على عناصر المناعة الطبيعية اللازمة، والتي لا تُوفِّرُها الرَّضاعةُ الصناعية، قال الله تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾ [البقرة: 233].







وفي الإسلام أوَّلُ نظامٍ صحي عالمي يُقِرُّ "الحَجْرَ الصحي" عند حدوث الأوبئة والأمراض الخطيرة المعدية؛ كالطاعون والكوليرا وفيروس كورونا الجديد ونحوها؛ حيث وَضَعَ له قواعدَ راسخةً أقرَّها الطبُّ الحديث؛ كما في قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ هَذَا الطَّاعُونَ رِجْزٌ سُلِّطَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ؛ فَإِذَا كَانَ بِأَرْضٍ فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهَا فِرَارًا مِنْهُ، وَإِذَا كَانَ بِأَرْضٍ فَلاَ تَدْخُلُوهَا» رواه مسلم.







وحذَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أُمَّتَه من الاختلاط بأهل المَرَض المُعْدِي؛ كما في قوله: «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ» صحيح - رواه أحمد. وقوله: «لاَ يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» رواه البخاري. ومن هنا تُعلم عظمةُ ما جاء به الإسلام من نظام صحيٍّ منذ قرون، فالحَجْرِ الصحي له أهمية بالغة في حياة الأمم[11].








[1] تذكرة السامع والمتكلم، لابن جماعة (ص 121).




[2] انظر: الإمراض الجنسية أسبابها وعلاجها، د. محمد علي البار (ص 133).




[3] انظر: تعريف عام بدين الإسلام، يوسف الدجوي (ص 38).




[4] انظر: عناية الإسلام بالصحة والنظافة، د. محمد بن إبراهيم الحمد (ص 14، 15).




[5] روائع الطب الإسلامي، (1 /4).




[6] انظر: الجراحة الصغرى، د. رضوان بابولي، ود. أنطوان دولي (ص 24).




[7] السَّام: هو الموت.




[8] إلى وقت تحرير هذه الخُطبة (16 /7 /1441هـ الموافق 11 /3 /2020م) لم يُكتشف علاجٌ لفيروس كورونا الجديد. نسأل الله العفو والعافية والمعافاة التامة في الدنيا والآخرة.




[9] انظر: بهجة قلوب الأبرار في شرح جوامع الأخبار، للسعدي (ص 213، 214).




[10] روائع الطب الإسلامي، (1 /2).




[11] انظر: المصدر نفسه، (1 /3).