المزاح المشروع والمزاح الممنوع













عبدالله بن عبده نعمان العواضي




إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِهِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71].







أما بعد:



فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهديِ هديُ محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار:



أيها الناس، إن النفس البشرية في أكثر مطالب الحياة وأعمالها تعيش في قالب الجد، وتتحرك في ذلك الإطار حركة اجتهاد وعزم؛ حتى تنجز مهماتها، وتنال أسباب صلاح حياتها.








ولكنها في تلك الدائرة المتسمة بالجد قد تصاب بالملل والغم، والتعب والسأم، وكد البال وإرهاق الخاطر، يضاف إلى ذلك أن الحياة الدنيا فيها كثير من المنغصات والأحوال المزعجات، والمرء إذا استمر على تلك الحال استولى عليه الإعياء، ومَلَكَه العبوس، وضاقت به النفس التي بين جنبيه، فضلًا عمن يعاشره ويجالسه.








لذلك كان لا بد لإذهاب العناء، وتجديد النشاط، وإراحة النفس - من أحوال يصير الإنسان بها إلى راحة وانشراح، وانبساط وانفساح، ومن تلك الأحوال الموصلة إلى ذلك: المزاح؛ الذي هو: "شعبة من شعب السهولة، وفرع من فروع الطلاقة، وقد أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحنيفية السمحة، ولم يأتِنا بالانقباض والقسوة، وأمرنا بإفشاء السلام، والبِشْرِ عند الملاقاة، وأمرنا بالتودد والتصافح والتهادي"[1].







والمزاح إذا بقي في الإطار المشروع، فإنه "مندوب إليه؛ لِما فيه من ترويح القلوب، والاستئناس المطلوب"[2]، وتصفية البال المكدر بدوام الجد؛ قال الشاعر:





أروح القلب ببعض الهزلِ

تجاهلًا مني بغير جهلِ


أمزح فيه مزح أهل الفضل

والمزح أحيانًا جلاء العقلِ[3]









"ومن فضائل المزح أنه دليل على حسن الحال وفراغ البال، وأن الجد لا يكون إلا من فضل الحاجة، والمزح لا يكون إلا من فضل الغنى، وأن الجد نصب، والمزح جمام، والجد مبغضة، والمزح محبة ... والجد مؤلم، وربما عرضك لأشد منه، والمزح ملذ، وربما عرضك لألذ منه"[4].







قال علي رضي الله عنه: "لا بأس بالفكاهة يخرج منها الرجل عن جد العبوس"[5]، وكان ابن عباس رضي الله عنهما إذا أُكثر عليه في مسائل القرآن والحديث، يقول: "أحمضوا"؛ يريد: خذوا في الشعر وأخبار العرب، وسُئل النخعي: هل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحكون؟ قال: "نعم، والإيمان في قلوبهم مثل الجبال الرواسي"[6]، وقيل للخليل بن أحمد: إنك تمازح الناس، فقال: "الناس في سجن ما لم يتمازحوا"[7].







قال الشاعر:





أفد طبعك المكدود بالجد راحةً

يجم وعلله بشيء من المزحِ


ولكن إذا أعطيته المزح فليكن

بمقدار ما تعطي الطعام من الملحِ[8]









عباد الله، إن الله تعالى قد جعل رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم قدوةً لنا، نتأسى به في أقوالنا وأفعالنا وأحوالنا؛ فقال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21]، فرغم ما كان يحيط بحياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كثرة الجد، وعبء المهمات النبوية والدعوية، وعظم ما يلاقيه من الصعوبات الحياتية - فإننا وجدنا صورًا ظهر فيها رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو يمزح مع أهله، ومع أصحابه؛ ليدخل السرور عليهم، وينشر الأنس في نفوسهم، ويرسم الابتسامة على شفاههم؛ ولذلك نجد المحدثين الذين ألفوا في جمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرون عدة أحاديث بدا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها مداعبته وملاطفته وانبساطه إلى الناس؛ توددًا إليهم، وإيناسًا لهم[9]؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: ((أن رجلًا استحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني حاملك على ولد الناقة، فقال: يا رسول الله، ما أصنع بولد الناقة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهل تلد الإبل إلا النوق؟))[10]؛ والمعنى: أن الرجل جاء يسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ناقة يركبها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إني حاملك على ولد الناقة))، فظن الرجل أن المقصود الصغير من الإبل وهو لا يصلح للركوب، لكن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم داعبه، فبين له أن الإبل صغيرها وكبيرها ولدتها النوق، وهذا من حسن مزاح رسول الله وصدقه فيه.







وعن أنس أيضًا: ((أن رجلًا من أهل البادية يقال له: زاهر بن حرام كان يهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الهدية، فيجهزه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن زاهرًا بادينا ونحن حاضروه، قال: فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه، والرجل لا يبصره، فقال: أرسلني، من هذا؟ فالتفت إليه، فلما عرف أنه النبي صلى الله عليه وسلم جعل يلزق ظهره بصدره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يشتري هذا العبد؟ فقال زاهر: تجدني يا رسول الله كاسدًا، قال: لكنك عند الله لست بكاسد، أو قال صلى الله عليه وسلم: بل أنت عند الله غالٍ))[11].







وعن صهيب قال: ((قدمتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة وهو يأكل تمرًا، فأقبلت آكل التمر وبعيني رمد، فقال: أتأكل التمر وبك رمد؟ فقلت: إنما آكل على شقي الصحيح ليس به رمد، قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم))[12]، وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا من باب المباسطة والمزاح.







وعن أنس بن مالك قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا ذا الأذنين))[13]؛ قال العلماء: "كان مزح النبي صلى الله عليه وسلم مزحًا لا يدخله الكذب والتزيد، وكل إنسان له أذنان، فهو صادق في وصفه إياه بذلك"[14].







إن الملاحظ في هذه الأمثلة من مزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى أن مزاحه كان قليلًا لا يخرج عن حد الصدق، والمزاح المشروع الذي يُحمد من صاحبه، ويُفرح بصدوره من قِبَلِه، فكان صلى الله عليه وسلم يمزح، ولكنه لا يجاوز الحق؛ فعن أبي هريرة قال: ((قالوا: يا رسول الله، إنك تداعبنا، قال: إني لا أقول إلا حقًّا))[15].







أيها المسلمون، ليس كل إنسان يجمل بالعاقل أن يمازحه، وينبسط إليه؛ فالطبائع تختلف، وقلة المؤالفة لا تقبل الدعابة من أول وهلة، وحينما كان المزاح المشروع مما يؤنس النفوس ويدخل عليها السرور، فمن أولى الناس بمزاح الإنسان: الزوجة، فالزوجة بحاجة إلى الملاطفة؛ لتدوم بينها وبين زوجها العشرة الطيبة، وتترسخ داخل نفسيهما جذور المحبة، و"مزاح الرجل مع أهله وملاطفتهم بأنواع الملاطفة من شعار المرسلين، وأخلاق النبيين، وهو من المعاشرة بالمعروف، وكان صلى الله عليه وسلم يقول لعائشة: ((كنتُ لكِ كأبي زرع لأم زرع))[16]، وكان يسابقها أحيانًا.







وممن يُمزح معهم الأطفال؛ من أجل إيناسهم وإدخال السرور عليهم؛ فالأطفال الصغار بحاجة إلى قسط من مزاح لطيف، ومداعبة لينة، وانبساط كريم، وهذا ما كان يفعله نبينا صلى الله عليه وسلم؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: يا أبا عمير، ما فعل النغير[17]؟))[18]، وفي رواية قال أنس: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقًا، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير، كان فطيمًا، فكان إذا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه، قال: أبا عمير، ما فعل النغير؟ قال: فكان يلعب به))[19]، وسبب سؤال رسول الله عليه الصلاة والسلام لهذا الطفل عن عصفوره ما جاء في رواية أخرى عن أنس قال: ((زارنا النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: يا أم سليم، ما شأني أرى أبا عمير ابنك خاثر النفس؟ فقالت: يا نبي الله، ماتت صَعْوَةٌ له[20] كان يلعب بها، قال: فجعل النبي يمسح برأسه، ويقول: يا أبا عمير، ما فعل النغير؟))[21][22].







وكذلك أيضًا ممن يندب للمرء المزح معهم: الأصدقاء والزملاء، والأقارب والمعارف؛ فإن ذلك مما يعمق المودة، ويقرب النفوس، ويلقي على الجالسين ظلال السعادة والراحة، بشرط ألَّا يخرج ذلك المزاح عن الحد المشروع.







أيها الأحباب الكرام، إن المزاح الذي ترجى منه الفوائد السابقة، ويوسم بالفضائل الماضية هو المزاح المشروع، الذي توفرت فيه ضوابط تحفظ له البقاء في الإطار المحمود؛ فمن تلك الضوابط:



أولًا: أن يكون عرضًا، لا حرفة وصفةً لازمة يعرف بها الإنسان، ويستمر عليها.







ثانيًا: أن يُختار له الزمان والمكان المناسبان، فليس كل وقت يصلح للمزاح، ولا كل مكان يصح أن يمزح فيه.







ثالثًا: أن يكون مع من يحب ذلك، أما من يكرهه فينبغي تجنيبه إياه.







رابعًا: أن يبقى في دائرة الحق والصدق، فلا يخرج إلى كذب ولا باطل.







خامسًا: ألَّا يدخل إلى دائرة الحرام؛ كالمزاح في أمور الدين؛ فأحكام الدين وشرائعه ليست مجالًا للمزح، ومن الحرام: أن يكون في المزاح جرح للمشاعر، وإيذاء للخلق، وهتك للحرمات والأسرار والخصوصيات.







سادسًا: ألَّا يكون كثيرًا، بل بقدر الحاجة؛ فكثرته تؤدي إلى مفاسد كثيرة.







سابعًا: ألَّا يشغل عن طاعة الله تعالى.







وصدق من قال:





امزح بمقدار الطلاقة واجتنب

مزحًا تضاف به إلى سوء الأدبِ


لا تغضبن أخًا إذا مازحته

إن المزاح على مقدمة الغضبِ









وقول الآخر:





مازح صديقك ما أحب مزاحا

وتوقَّ منه في المزاح جماحا


فلربما مزح الصديق بمزحة

كانت لبدء عداوة مفتاحا[23]









نسأل الله تعالى أن يرزقنا في جميع أحوالنا ما يحب من التوسط والاقتصاد، ويجنبنا ما يبغضه من الإفراط والتفريط.



أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.







الخطبة الثانية



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:



أيها المسلمون، إن الناس لا يستوون في مزاحهم، ولا يتفقون في مداعبتهم، بل منهم من يسيطر عليه الهوى، والبعد عن تحكيم أقواله وأفعاله بشرع الله، فيجمح به ذلك الشطط عن المزاح المشروع إلى المزاح الممنوع.







وذلك أن هناك صورًا من المزاح تخرج عما أباح الله تعالى الممازحة فيها، فتصير محرمة على كل حال في الجد والهزل؛ فمن صور المزاح الممنوع:



ما فيه تنقص وطعن واستهزاء بدين الله تعالى، فليحذر المسلم أن يتسور مقدسات شرع الله بقصد الهزل والمزح، فذلك الحمى الشريف لا يُعذر من ازدراه ولو كان مازحًا؛ فمن فعل ذلك فإن العاقبة وخيمة؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب))[24].







وتأملوا معي هذه القصة لتعملوا مدى خطورة هذه الصورة من المزاح: عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: ((قال رجل في غزوة تبوك في مجلس يومًا: ما رأيت مثل قرَّائنا هؤلاء، لا أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونزل القرآن، قال عبدالله: فأنا رأيته متعلقًا بحِقبِ ناقة رسول الله تنكبه الحجارة وهو يقول: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون))[25].







وهذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ﴾ [التوبة: 65، 66].







ومن صور المزاح الممنوع: ما فيه عدوان على مسلم؛ سخرية كان أو غِيبة أو نميمة أو قذفًا أو غير ذلك، فالمزاح لا يحل لصاحبه أن يطعن في عرض أخيه.







ومن صور المزاح الممنوع:



ما فيه تخويف لمسلم؛ كالإشارة إليه بما يقتل أو يجرح، وكأخذ متاعه من غير علمه، ومن ذلك أيضًا ما يفعله بعضهم مازحًا بأن يتصل بزوجة قريبه أو صاحبه فيخبرها بأن زوجها قد تزوج عليها.







عن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال: ((حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه ففزع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا))[26]، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعبًا ولا جادًّا))[27]، وقال عليه الصلاة والسلام: ((لا يُشِرْ أحدكم إلى أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار))[28].







أقول: كم من إنسان يقع في إضرار أخيه المسلم بالمزاح، في نفسه أو ماله أو عرضه، ثم يقول في مشاعر باردة: إنما كنت أمزح معك! وصدق بعض السابقين يوم أن قال: "يصك أحدكم صاحبه بأشد من الجندل، وينشقه أحرق من الخردل، ويفرغ عليه أحر من المرجل، ثم يقول: إنما كنت أمازحك"[29].







ومن صور المزاح الممنوع:



ما كان فيه كذب؛ فإن الكذب محرم في الجد والهزل؛ ومن صور هذا المزاح المحظور ما يسمى بطرف المحششين، وسوق الطرائف المكذوبة عن أشخاص أو مناطق أو بيئات؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب، ويل له ويل له))[30]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((أنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا))[31].







ومن صور المزاح الممنوع:



عقد بعض الأحكام الشرعية أو حلها؛ مثل: النكاح والطلاق والعتق واليمين والنذر، وغير ذلك، فهذه الأحكام جدهن جد، وهزلن جد؛ فلهذا ينعقد النكاح والعتق واليمين والنذر ولو مزاحًا، وتنحل العقدة الزوجية بالطلاق ولو كان هزلًا.







ومن صور المزاح الممنوع:



ما فيه إفراط ومداومة؛ فالقدر المحمود من المزاح ما خلا من الإكثار والمداومة عليه.







عباد الله، إن المزاح إذا تجاوز الحدود المشروعة أدى إلى أضرار فادحة؛ عاجلة وآجلة، تضر المازح وتضر غيره، ولا ينبغي للعاقل أن يقدم على عمل تكون عليه آثار سيئة منه؛ فمن أضرار المزاح الممنوع:



كسب الإثم، وقسوة القلب، وإشعال فتيل العداوات، وقدح زناد البغضاء والحقد، وإنشاء التدابر والقطيعة، وإذهاب الوقار والهيبة، واجتراء السفهاء، وتحزين الأصدقاء.







ولما كان المزاح عند مجاوزة حده يورث هذه الآثار السيئة وغيرها، حذر منه العقلاء والحكماء؛ فعن الأحنف بن قيس قال: "قال لي عمر بن الخطاب: يا أحنف، من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن مزح استُخف به"، وقال سعيد بن العاص لابنه: "يا بني، لا تمازح الشريف فيحقد عليك، ولا تمازح الدنيء فيجترئ عليك"[32]، وقال عمر بن عبدالعزيز: "إياك والمزاح؛ فإنه يجر القبيحة، ويورث الضغينة"[33].







وقال الشاعر:





فإياك إياك المزاح فإنه

يجرِّي عليك الطفل والرجل النذلا


ويذهب ماء الوجه بعد بهائه

ويورث بعد العز صاحبه الذلا[34]









فيا عباد الله، ليكن شرع الله تعالى هو موجهنا في الحياة كلها؛ فبه نفعل أو نذر، فلنمزح مع أقاربنا وأحبابنا، ولكن في الجوانب المشروعة، وفي الوقت والمكان المناسبين، ولنبتعد عن المزاح المحظور في جميع الأمور، فلا مزاح في ثوابت الدين وشعائره، ولا مزاح يؤدي إلى ضرر يصيب إنسانًا أو حيوانًا، ولا مزاح يكون هو سمتنا اللازمة وعادتنا الدائمة.







وفقنا الله وإياكم إلى سبيل الهدى، وجنبنا وإياكم سبل الأذى والردى.



هذا وصلوا وسلموا على القدوة المهداة.








[1] الرسائل للجاحظ (ص: 182).



[2] المراح في المزاح، للغزي (ص: 35).



[3] ديوان أبي فراس الحمداني (ص: 289).



[4] الرسائل للجاحظ (ص: 181).



[5] التذكرة الحمدونية (3/ 201).



[6] التذكرة الحمدونية (3/ 202).



[7] المراح في المزاح (ص: 94).



[8] أدب الدنيا والدين (ص: 311).



[9] ينظر: [باب: الانبساط إلى الناس، صحيح البخاري، باب: المزاح، سنن ابن ماجه، باب: المزاح والضحك، صحيح ابن حبان، باب: في المزاح، سنن الدارمي، باب: ما جاء في المزاح، سنن الترمذي، باب: ما جاء في المزاح، سنن أبي داود، باب: المزاح، الأدب المفرد].



[10] رواه أبو داود والترمذي، وهو صحيح.



[11] رواه أحمد وابن حبان والبيهقي، وهو صحيح.



[12] رواه ابن ماجه والحاكم، وهو حسن.



[13] رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وهو صحيح.



[14] معالم السنن (4/ 135).



[15] رواه أحمد والترمذي، وهو صحيح.



[16] المراح في المزاح (ص: 94).



[17] والنغير: تصغير "نغر"، وهو طائر كالعصفور والبلبل.



[18] رواه البخاري.



[19] متفق عليه.



[20] الصعو: العصفور الصغير، والأنثى صعوة.



[21] رواه ابن سعد في الطبقات.



[22] وذكر ابن اسعد أن هذا الطفل الرضيع (أبا عمير) مرض بعد مدة ثم مات، وهو المذكور في قصة أم سليم وحسن صبرها على موته وتجملها لزوجها، والتي قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولزوجها أبي طلحة: ((بارك الله لكما في ليلتكما)) في قصة طويلة.



[23] نهاية الأرب في فنون الأدب (4/ 71).



[24] متفق عليه.



[25] رواه ابن أبي حاتم والطبري، وإسناده صحيح.



[26] رواه أبو داود، وهو صحيح.



[27] رواه الترمذي، وهو حسن.



[28] متفق عليه.



[29] البصائر والذخائر (5/ 31).



[30] رواه أبو داود والترمذي، وهو حسن.



[31] رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي، وهو حسن.



[32] الجامع لأخلاق الراوي (1/ 404).



[33] الأمثال لابن سلام (ص: 12).



[34] المستطرف (2/ 503).