صلة بين العبد وربه













د. سامي بشير حافظ




الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ أما بعد:







شاب من شباب المسلمين عند توبته يعترف ويقول: والله إني لم أسجد لله سجدة واحدة منذ سنوات، وآخر يموت في حادث سيارة وهو تارك للصلاة ومتهاون فيها، وثالث لا يدخل المسجد ولا يعرفه إلا في الجمعات فقط، وشباب يتركون الصلوات أيامًا وأسابيع.







أيها المسلمون، إنها الصلاة، وما أدراكم ما الصلاة! صلة بين العبد وربه، أيُعقل أن يكون بيننا ويعيش معنا وفي بلاد الإسلام مَن حاله كذلك؛ لا يعرف الصلاة؟ أقول لكم: نعم، وللأسف الشديد يوجد من الناس وخاصة من الشباب بل من كبار السن مَن يتهاون بالصلاة، ويتكاسل عنها، بل ربما تركها بالكلية.







أيها المسلمون، الصلاة فريضة من فرائض الله، وشعيرة من شعائر هذا الدين، وركن من أركان الإسلام، تلك العبادة التي ربما سمعتم عنها كثيرًا، وتكلم الخطباء والدعاة، وأكثروا من ذكرها، ولا يخفى على أي مسلم كان عظم هذه الصلاة وأهميتها؛ فهي الركن الثاني من أركان الإسلام، وهي العبادة الوحيدة التي فُرضت في السماء السابعة، وهي العبادة التي قال عنها عليه الصلاة والسلام: ((أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة من عمله صلاته))، وهي آخر وصاياه؛ فقد قال عليه الصلاة والسلام قبل موته: ((الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم))، وقال أيضًا: ((رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله))، وأكثر الله عز وجل من ذكرها في كتابه الكريم فقال: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ [البقرة: 43]، وغيرها من الآيات التي تدل على أهميتها وعظم شأنها.







أيها الإخوة، إن مما يحزن القلب ويدمع العين ويفطر الفؤاد - أننا للأسف الشديد نرى كثيرًا من الناس قد فرَّط وقصَّر في حق هذه الصلوات الخمس؛ تكاسلًا وتثاقلًا عنها، مع علمهم بعظم شأنها وخطورة التهاون بها، والناس مع هذه الصلاة لهم أحوال مختلفة، فمِن الناس مَن حافظ عليها في أوقاتها، وفي المسجد مع جماعة المسلمين، وداوم عليها، فهؤلاء قد فازوا والله بالأجر الكبير والثواب الجزيل من رب العالمين؛ قال الله عز وجل عنهم: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [النور: 36 - 38]، وقال عليه الصلاة والسلام: ((من حافظ عليها، كانت له نورًا ونجاة يوم القيامة))، وقال عبدالله بن مسعود: "من سرَّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا، فليحافظ على هذه الصلوات حيث يُنادى بهن".







ومِن الناس مَن حافظ على أدائها في أوقاتها، ولكنه لا يؤديها في المسجد مع جماعة المسلمين، بل تجده إما يصلي في بيته أو في دكانه أو في أي مكان آخر، وتجده أحيانًا يصلي في المسجد، وأحيانًا أخرى يصلي في بيته، فهذا الذي تخلف عن الصلاة في المسجد آثمٌ وسوف يحاسبه الله عز وجل؛ لأن الصلاة في المسجد واجبة، والأدلة على ذلك كثيرة؛ منها: حديث عبدالله بن أم مكتوم أنه ((جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان رجلًا أعمى، فقال: يا رسول الله، ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له فرخص له، ثم ناداه فقال: هل تسمع النداء؟ فقال الرجل: نعم، فقال عليه الصلاة والسلام: أجب؛ لا أجد لك رخصة))، فهذا رجل أعمى ليس له قائد يقوده إلى المسجد، ومع ذلك لم يأذن له النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة في بيته، فما هو عذرك إذًا أيها المبصر عندما تخلفتَ عن الصلاة في المساجد، مع توفر وسائل الراحة اليوم من سيارات وطرق معبدة وإضاءات وغيرها، بل تجد في الحي الواحد مساجد عدة ولله الحمد؟ وقال عليه الصلاة والسلام: ((من سمع النداء فلم يجب، فلا صلاة له إلا من عذر، سُئل ابن عباس راوي الحديث: ما هو العذر؟ فقال: خوف أو مرض، وقال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: ولقد رأيتُنا وما يتخلف عنها - أي: صلاة الجماعة - إلا منافق معلوم النفاق))، وأيضًا من الأدلة على وجوبها أن الله عز وجل شرع صلاة الجماعة حتى في حال الحرب والقتال؛ كما في الآيات التي وردت في بيان صفة صلاة الخوف، فلو كانت غير واجبة لكان تركها في الحرب من باب أولى.







ومن الناس أيها الإخوة من يصلي أحيانًا ويترك الصلاة أحيانًا أخرى، ربما يصلي في اليوم الواحد صلاتين أو ثلاث ويترك البقية، أو لا يصلي إلا الجمعة فقط، ويترك الصلوات الخمس وهكذا، إن رأى الناس صلوا قام وصلى، وإن رآهم جلسوا جلس معهم؛ أي: إنه يصلي حسب هواه، وقد اختلف العلماء في حكم مَن كان هذا حاله، ولكن هل ترضى أخي الحبيب يا من تهاونت في الصلاة وتركت بعضًا منها أن يكون الخلاف فيك هل تكفر أو لا؟







ومِن الناس مَن ترك الصلاة بالكلية والعياذ بالله، فلا يصلي أبدًا، وربما يقول سائل: هل يعقل أن يكون بين المسلمين من لا يصلي؟ فأقول: نعم والله، يوجد مِن المسلمين مَن لا يصلي، والقصص في ذلك كثيرة، أما حكم من ترك الصلاة فإنه يكفر كفرًا أكبر يخرج من الملة؛ والأدلة على ذلك قول الله عز وجل عن المشركين: ﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ﴾ [التوبة: 11]، فمفهوم الآية أنهم إذا لم يفعلوا ذلك، فليسوا إخوانًا لنا، ومعلوم أن الأخوة الدينية لا تنتفي بالمعاصي وإن كثرت، ولكن تنتفي عند الخروج عن الإسلام؛ وقال عليه الصلاة والسلام: ((بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة))، وفي الحديث الآخر الذي رواه أحمد: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر))، وقال عبدالله بن شقيق رضي الله عنه: "ما كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة"، وقال عز وجل: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾ [مريم: 59]؛ قال بعضهم: "أي: تركوها"، وقال بعضهم: "أخروها عن وقتها"، يقول ابن مسعود رضي الله عنه: "غي: وادٍ في جهنم، لو سُيِّرت فيه جبال الدنيا لذابت من حره"، والعياذ بالله، أما من جهة النظر، فيقال: هل يعقل أن رجلًا في قلبه حبة خردل من إيمان يعرف عظم الصلاة وعناية الله بها، ثم يتركها؟







بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.







الخطبة الثانية



الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على محمد خير الأنبياء، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:



قصة وعبرة، يقول أحد المشايخ الفضلاء: "كان لي قريب متهاون في الصلاة، فقلت: لا بد لي من نصيحته، فذهبت إليه في يوم من الأيام فجلست معه ونصحته ووجهته، فقال لي: لا تتعب نفسك، فإنني لن أصليَ مهما تكلمت ومهما نصحتني، فقال له الشيخ: اتقِ الله يا فلان، فلربما تموت الآن وأنت مصرٌّ على تركك للصلاة، فقال الشاب: أبي عمره كذا وجدي وصل المائة، فإن بلغت الستين فسوف أصلي، فيقول الشيخ: فخرجت من عنده حزينًا مما قال، وفي اليوم التالي يقول الشيخ: اتصل بي أحد أقربائي، وقال لي: سوف نصلي اليوم على فلان ذلك الشاب الذي كنت عنده أمس، قال الشيخ: ماذا حصل له؟ فقال: كان يسير في الطريق فحصل له حادث فتوفي.







أيها الأحبة، هل كان هذا الشاب يعلم أن الموت سوف يأتيه في تلك اللحظات؟ كلا والله لو كان يعلم بذلك لما قال تلك الكلمات التي لا يقولها مسلم يؤمن بالله العظيم، ولكنه ظنَّ أنَّ الموت بعيد عنه، وغرَّه المسكين شبابه وقوته.







نداء إلى كل مسلم يؤمن بالله ويعلم أهمية هذه الصلاة، أقول لهم: حافظوا على هذه الصلوات واحذروا من تضييعها، فوالله ثم والله لا يدري أحدنا متى يموت، ربما الآن أو غدًا أو بعد غد، الله أعلم، بالله عليك كيف لو أتاك ملك الموت وأنت مفرط فيها ومتكاسل عنها، أيرضيك ذلك؟







ثم أوجه نداء خاص إلى جميع الشباب الذين يجلسون في الشوارع وفي الطرقات وفي الملاعب وأمام الفضائيات وفي الأسواق، أقول لهم: حافظوا على الصلوات في أوقاتها مع جماعة المسلمين، فإلى متى وبعضكم يترك الصلاة، إلى متى والبعض منكم يتهاون فيها، فالعمر قصير أيها الشباب، والموت قريب، فاليوم عمل بلا حساب، وغدًا حساب بلا عمل، فأسأل الله لي ولكم حسن العمل وحسن الختام.







ألا فصلوا وسلموا على ما أُمرتم بالصلاة والسلام عليه، نبيكم وحبيبكم وقدوتكم محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم.