حتى نفوز في رمضان
د. سلام نجم الدين الشرابي

(6)


دخلت البيت، كان صاخباً، صوت ضجة في المطبخ، إنها أمي هناك مع إخوتي الصغار ترتب الأشياء التي اشتراها والدي استعداداً لقدوم رمضان، وفي غرفة الجلوس استقرت أختي أمام شاشة التلفاز وفي يدها دفتر تدون فيه مواعيد
المسلسلات والفوازير والمسابقات التي ستعرض في رمضان..
وهناك في الغرفة الهادئة الصغيرة وجدتها جالسة على سريرها تبكي، أختي الصغيرة المدللة.. لماذا تبكين؟ قالت: رمضان
قادم فهل سنبلغه؟.. هل سيتسنى لنا أن نستغفر ونتوب عن أخطائنا في هذا العام؟..
جعلتني أفكر وللمرة الأولى بأنه يمكن أن نكون على مشارف رمضان ولا نبلغه.. وأن بلوغنا له هي فرصة ثمينة يجب أن لا
نضيعها سدى.
كانت تلك حكاية بيت من بيوت المسلمين الذين يقترب رمضان من زمانهم، وكل منهم يعد له العدة ويستقبله على طريقته.


اعتاد كثير من الناس الاستعداد لرمضان بإعداد أصناف الطعام والشراب، والمبالغة في ذلك، وهي حاجيات جسدية، وينسون أو يتناسون الإعداد الروحي، والتهيئة النفسية والعقلية لتأدية الصيام.
نعرف أننا لن نراه إلا مرة كل عام، وعندما يرحل عنا نسأل أنفسنا:هل سنراه ثانية في السنة القادمة أم لا؟ هل سننعم بفرصة جديدة قد نعتق فيها من النار وتفتح لنا أبواب الجنة والرحمة من جديد..؟ وتمر الأيام بنا تأخذنا وتضيع الفرص منا ونعود
أدراجنا في بقية أيام السنة، تأخذنا الشهور والأيام في متاهات الدنيا وإغراءاتها ويقبل رمضان علينا من جديد نشعر به يقترب منا، ندعو الله ونحن نترقب الهلال أن يبلغنا الشهر ونخفي في نفوسنا ذنوباً نئن بحملها، ننتظر شهر المغفرة والتوبة، شهرا تفتح فيه أبواب السماء، فهل نستقبل هذا الشهر العظيم بالتوبة الصادقة وبالدمعة التائبة الخاشعة؟ قال الله تعالى:}وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ{.

والتوبة أمر سهل ميسور، ليس فيه مشقة، ولا معاناة عمل، فهي امتناع وندم وعزم؛ امتناع عن الذنوب والمخالفات، وندم على اقترافها في الماضي، وعزم على عدم العودة إليها في المستقبل. وهي مطلوبة في كل وقت، ولكنها قبل مواسم
الخيرات تكون أشد طلبا؛ وذلك لأن الذنوب هي التي تحول بين العبد و بين اغتنام هذه المواسم، يقول الله تعالى: }وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ{.
ومن أعظم المصائب المصيبة في الدين، وأن تمر علينا مثل هذه المواسم ولا نغتنمها في طاعة الله؛ لذا علينا المبادرة بالتوبة والإنابة قبل رمضان حتى نفوز في رمضان.
شروط التوبة
أفضل أوقات التوبة: أن يتوب المرء وهو صحيح قبل نزول المرض، وأن يتوب وهو شاب قبل نزول المشيب، وللتوبة شروط يجب

الالتزام بها، قال الإمام النووي في رياض الصالحين: قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاثة شروط، أحدها: أن يقلع عن المعصية، والثاني أن يندم على فعلها، والثالث: أن يعزم أن لا يعود إليها أبداً، فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته.
وإن كانت المعصية تتعلق بحق آدمي فشروطها أربعة: هذه الثلاثة، وأن يبرأ من حق صاحبها، فإن كانت مالاً أو نحوه، رده
إليه، وإن كان حد قذف ونحوه مكنه منه أو طلب عفوه، وإن كان غيبة استحله منها. ويجب أن يتوب من جميع الذنوب فإن تاب من بعضها صحت توبته عند أهل الحق من ذلك الذنب، وبقي عليه الباقي.
ويقال إن تعذر مصارحة من اغتابهم فيجب الإكثار من الدعاء والاستغفار لهم.
صلاة التوبة


عن أبي بكر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"ما من رجل يذنب ذنباً ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي –أي ركعتين – ثم يستغفر الله إلا غفر له" ثم قرأ هذه الآية: }وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ* أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ{.
لكن علينا مهما كثرت ذنوبنا أن لا نيأس من رحمة الله، قال تعالى:} قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَالْغَفُورُ الرَّحِيمُ{.
فوائد التوبة:
يقول صاحب كتاب "جبال الذنوب وسيد الغفران" إن للتوبة فوائد، منها:


- التوبة من أهم الدعائم الخلقية، فكل تأخير فيها هو انحلال في الشخصية الإسلامية، ولهذا قال الكاتب الهولندي (فرانز ستال) في مقال له نشر في "المجلة الإسلامية" التي تصدرها الجمعية الإسلامية في "ووكنج بانجلترا": إن التوبة في
الإسلام هي وسيلة تغيير الأفراد أنفسهم، وهي سلاح خلقي عظيم، ففيها الندم والتغير والتحول.
- احترام الذات، فمن أجمل فوائد التوبة: أن يحترم الإنسان ذاته وكيانه بعد ما كان يحتقرها ويكرهها في المعصية.

- التركيز في العمل والرقة في القلب، حيث أخبر ابن الجوزي أن التوبة توجب على التائب المحبة والرقة واللطف وشكر الله وحمده والرضا عنه.
- تبديل السيئات، حيث تجب التوبة ما قبلها من السيئات، ويكون المرء دائماً كما ولدته أمه طاهراً نقياً بعد إعلانه التوبة الصادقة، قال تعالى:}إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا{.

الحذر من تسويف التوبة
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل،
حتى تطلع الشمس من مغربه".
لكن الكثير من الناس يعلم بخطئه ويعرف أن عليه التغيير، لكنه واقع في التأجيل والتسويف، أو واهم بأنه غير قادر على
التغيير، ومنهم من يدعو بأن يهديه الله دون أن يسعى قدماً إلى تعجيل التوبة، وكثيراً ما نسمع عن أناس تابوا بسبب وفاة قريب لهم أو إصابتهم بحادث، ولكن ماذا لو كانوا هم الميتين أو أدى بهم الحادث إلى الموت؟ من يضمن العيش ولو لثانية واحدة، الفرصة واحدة.. والأمر لا يحتمل التأجيل أو المخاطرة.
إن باب التوبة مفتوح ما لم تبلغ الروح الحلقوم، وما لم تطلع الشمس من مغربها، روى الترمذي عن ابن عمر ـ رضي الله

عنهما ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر".
ولكن من يدري متى تبلغ الروح الحلقوم.. ومتى تطلع الشمس من مغربها؟ وكـل يــــوم يأتي هو فرصة لمن كان على قيد
الحياة، فهذه الأيام لا تتعاقب بلا نهاية، بل لكل إنسان منها عدد محدود، يبدأ يوم ولادته، وينتهي يوم وفاته.
قال النبي -صلى الله عليه وسلم : "اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل
شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك".
ففي هذا الحـديـث: أن الزمن سريع الزوال، والدنيا فرص، إذا لم يغتنمها صاحبها فاتت وذهبت، فالشباب لا بد يأتي بعده
الهرم، والحياة يأتي بعدها الموت.
إن من يتفكر في ذلك يبتعد عن التسويف الذي يقع فيه كثير من الناس عندما يَعِدون أنفسهم بالتوبة عدة مرات، ويـقــولون:

غداً غداً، فيجيء الغد ويصير يوماً، ويصير اليوم من بعد ذلك أمساً، وهم على حالهم، غرهم الشباب والصحة، فنسوا ما بهم من خطايا حتى فاجأهم الموت في وقت لم يتوقعوه، ففاتتهم فرصة التوبة والإنابة.
هل التوبة لمن ارتكب السوء فقط؟
لا تقتصر التوبة على التوبة من فعل السيئات فقط كما يظن البعض، بل التوبة من ترك الحسنات المأمور بها، قال الله
تعالى:}كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ *وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ{من أي شيء يستغفرون، من قيامهم الليل؟ وهل في ذلك من ذنب، إنه حال الخائفين الذين يقضون ليلهم في صلاة لكن يخشون التقصير فيستغفرون لتقصيرهم، فسيتغفر أحدهم من الأعمال الصالحة حيث إنها لابد فيها من خلل، فليست التوبة - إذن - من منازل العصاة والمخلِّطين فحسب كما يظن كثير من الناس فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ـ وهو سيد الطائعين وإمام العابدين ـ: "يا أيها الناس توبوا إلى

الله،فإني أتوب إليه في اليوم مئة مرة" [رواه مسلم].
قال تعالى: }وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{.

ولا يخفى أن التوبة التي أمر الله بها المؤمنين ليست توبة الإسلام والإيمان؛ فهم مسلمون مؤمنون، ولكنها توبة الإحسان التي تجدد إسلامهم، وتقوي إيمانهم، وتصلح ما فسد من أعمالهم، وتقوِّم ما اعوج من تصرفاتهم.
من فضائل رمضان
إن رمضان فرصة نادرة ثمينة فيها الرحمة والمغفرة، أبواب الجنة مفتحة لا يغلق منها باب، وأبواب النار مغلقة لا يفتح منها
باب، ولله عز وجل عتقاءُ من النار، وذلك كل ليلة، فمن لم تنله رحمة الله مع كل هذه الأمور فمتى تناله إذن؟ ومن لم يكن أهلاً للمغفرة في هذا الموسم فمتى يتأهل لها؟

إن الملائكة تطلب من الله للصائمين ستر الذنوب ومحوها , كما روي في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الصوام: "وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا".. والملائكة خلق أطهار كرام جديرون بأن يقبل الله دعاءهم، ويغفر لمن استغفروا له, والعباد خطاؤون محتاجون إلى التوبة والمغفرة، كما في الحديث القدسي الصحيح, يقول الله تعالى : "يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم".. وبهذا يجتمع للمؤمن استغفاره لنفسه واستغفار الملائكة له.
ومع أن شهر رمضان شهر التوبة والغفران، لكن هذا لا يعني أن التوبة مقصورة عليه محصورة فيه، بل إن أبواب التوبة مفتوحة
على مصاريعها في كل شهور العام.
يقول الله تعالى في الحديث القدسي عن أنس بن مالك عن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه

وسلم يقول: قال الله تعالى: "يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لــــك على ما كان منك، ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً، لأتيتك بقرابها مغفرة".
التأسي برسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

إن الـتـأســي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرض واجب، وكل مسلم مأمور أن يدرس هذه السيرة بنيّة التأسي والإتباع، قال الله تعالى: }لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا{.

وإذا علم المسلم أن النبي نفسه ـ وهو المعصوم الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ـ قد أُمر بالتوبة والاستغفار في عدة آيات، آخرها عند فتح مكة لما قال الله تعالى له:}إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً *
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كَانَ تَوَّاباً{.
فكيف هو حالنا نحن الجاهلون بمصيرنا؟ يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : "يا أيها الناس: تــوبــوا إلى الله
واستغفروه، فإني أتوب في اليوم مئة مرة".