وماذا عن فيروس الفقر!





مع تصاعد الحديث عن وباء كورونا، والذي بات يؤرق الغالبية العظمى من المجتمعات في العالم، يتناسى العديد من الناس تأثير الجوع في العالم، وما ينتج عنه من وفيات تفوق بكثير أي وباء عالمي.
ففي حين يتخوف العالم من وباء كورونا سريع الانتشار، والاصابات التي تؤدي إلى الوفاة منه، حيث تشير أحدث الاحصائيات والتي تتابع بدقة معدل انتشار المرض، أن محصلة عدد الاصابات بالفيروس عالميا قد بلغ حتى مساء الاثنين، ما يقرب من اثنين مليون ونصف المليون ممن لديهم اصابات مؤكدة، بنسبة 300 لكل مليون شخص، ووصل المتعافون من المرض إلى ما يقرب من 650 ألف، بينما بلغ قتلى الفيروس إلى ما يقرب من 180 ألف.
ولكن الفقر له قصة أخرى، فآخر تقرير علمي يقول ان عدد الذين ماتوا في العالم بسبب الفقر المدقع عام ٢٠١٩ هو 18 مليون و٢٨٩ ألف شخص.
ولكن من هم الفقراء؟
يذكر التعريف الشامل الذي حاول البنك الدولي وضعه لهذه الظاهرة، بأن الفقر "هو عدم القدرة على تحقيق الحد الأدنى من مستوى المعيشة"، وهذا التعريف يعتمد بدرجة كبيرة على مفهوم الحد الأدنى، ومفهوم مستوى المعيشة، كما يعتمد بدرجة كبيرة على المجتمع الذي تتم فيه حالة التوصيف، فالفقر في أفريقيا مثلا، والذي يؤدي أحيانا إلى الموت بسبب الجوع يختلف عن الفقر في أقطار أوربا الغربية أو الولايات المتحدة.
وللمقارنة بين وباء كورونا ونتائج الفقر، سنحاول المقارنة بمؤشرين عالميين: كمؤشر المجاعة العالمي ومؤشر الفقر العالمي، وسوف نتتبع آخر احصائيات من التقارير الصادرة عن عام 2019.
مؤشر المجاعة العالمي
يعد مؤشر المجاعة العالمي أكثر التقارير العالمية الصادقة، حيث تستند أرقام التقرير على مصادر الأمم المتحدة حول المجاعة والتغذية ووفيات الأطفال، ويتم مقارنتها مع نتائج السنوات السابقة، مع العلم أنه تم اعتماد المؤشر وتطويره من قبل المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية، ونشر لأول مرة في عام 2006.
يقول التقرير الصادر عام 2019 في ديباجته أنه "بالنظر إلى الإمكانيات التي يتوفر عليها العالم، يجب ألا يعاني أي إنسان من المجاعة".
يتناول مؤشر المجاعة العالمي في عام ٢٠١٩ عدة دلالات منها:
أنه في عام 2016 لم يصنف بلد واحد في العالم بأنه يعاني من مجاعة حادة، لكن بدء من عام 2017 صنفت جمهورية افريقيا الوسطى كذلك، وأضيفت إليها في التقرير الأخير 113 مليون شخص على الأقل يعانون من "جوع حاد" في 53 دولة، وتعد اليمن والكونغو الديمقراطية وأفغانستان وسوريا من بين ثماني دول سجلت ثلثي إجمالي عدد الأشخاص المعرضين لخطر المجاعة في العالم.
ومن دلالات هذا التقرير، أنه تم تنصيف عدة بلدان أخرى هي تشاد ومدغشقر وزامبيا كوضع مقلق للغاية، وهي درجة أقل من المجاعة الحادة التي تم تصنيف بها الدول السابقة، كما تم تصنيف وضع 43 بلدا من بين 117 شملها المؤشر بـ “المقلق".
وبشكل عام يشير تقرير مؤشر المجاعة العالمي لهذا العام، إلى أن 822 مليون شخص في العالم يعانون من آثار المجاعة، أي واحد من بين تسعة أشخاص يعاني من من المجاعة في العالم. وقبل ثلاث سنوات كان العدد يقترب من 800 مليون.
وفي حديث مع قناة دويشته فيله الألمانية، أخذ فرايزر باترسون وهو مسؤول عن إصدار مؤشر المجاعة في العالم، يعدد أسباب ارتفاع عدد الأشخاص الذين يعانون من المجاعة في السنوات الثلاث الأخيرة، فذكر أنه يعود لعاملين اثنين: أولهما يتمثل في تأثير تغير المناخ، والثاني يتمثل في تنامي النزاعات المسلحة على مستوى العالم.
بالنسبة للمناخ هناك ثلاثة عوامل يساعد فيها المناخ على ازدياد حالات الجوع:
1. اشتداد مظاهر الطقس على مستوى العالم، وهذا يؤدي إلى إتلاف المحاصيل بسبب الجفاف والفيضانات وانجراف التربة والأعاصير.
2. ارتفاع تركيز ثاني أكسيد الكربون في الجو، مما يؤدي إلى تناقص المغذيات الدقيقة في النباتات المفيدة وإلى نقص في البروتين والزنك أو الحديد، وهذا يؤدي إلى انخفاض للقيمة الغذائية يطال بالأساس مواد غذائية أساسية مثل القمح والأرز والذرة والصويا.
3. القضايا السياسية مثل التمييز وانعدام العدالة الاجتماعية وكذلك في وجود بنية غير عادلة في التجارة.
مؤشر الفقر العالمي
يطلق عليه "مؤشر الفقر متعدد الأبعاد لعام 2019" والذي أصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أما مصطلح متعدد الأبعاد فيقصد به التقرير أبعاد الفقر كلها وليس مستوى الدخل فقط مثل فقر الصحة ونوعية العمل، والافتقار للأمان من تهديد العنف.
ويكشف التقرير أنه في 101 دولة تمت دراستها، (من بينها 31 دولة بدخل قومي منخفض و68 بدخل متوسط ​​و2 بدخل قومي مرتفع)، هناك 1.3 مليار شخص يعانون الفقر "متعدد الأبعاد".
ويكشف التقرير، أن منطقتي أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا تحديدا تحتويان على أكبر نسبة من الفقراء في العالم، حوالي 84.5 في المائة.
ويصنف التقرير أن نصف الفقراء البالغ عددهم 1.3 مليار، هم من الأطفال تحت سن 18، والثلث هم من الأطفال تحت سن 10.
ويصف التقرير مستوى عدم المساواة في الفقر نفسه داخل هاتين المنطقتين، بأنه "هائل"؛ ففي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى تجد أن نسبة عدم المساواة في دولة جنوب أفريقيا تبلغ 6.3%، بينما تصل في جنوب السودان إلى 91.9%. وفي جزر المالديف الواقعة في منطقة جنوب آسيا تسجل النسبة 0.8%، مقارنة بنسبة 55.9% في أفغانستان.
كما يكشف مؤشر الفقر أن العديد من البلدان موضوع الدراسة تشهد أيضا مفارقات ومستويات داخلية "واسعة" من عدم المساواة. ففي أوغندا مثلا، يتراوح معدل انتشار الفقر متعدد الأبعاد من 6 في المائة في عاصمتها كمبالا، إلى 96.3 في المائة في كاراموجا، بشمال شرق البلاد.
في حين كشف البنك الدولي أن نصف الفقراء فقرا مدقعا حول العالم يعيشون في خمسة بلدان فقط، ويبلغ عدد الفقراء في البلدان الخمسة 736 مليون نسمة، يعيشون في الهند، ونيجيريا، والكونغو الديمقراطية، وإثيوبيا، وبنغلاديش، وفقا لأحدث بيانات متاحة.
وفي النهاية عند مقارنة الموت من الفقر والأمراض الناتجة عنه، والذين يبلغون قرابة ال 19 مليون، بمعدل تقريبي مليون ونصف في الشهر، وبين الموتى من فيروس كورونا والذين لا يتجاوز عددهم ١٨٠ ألف في خمسة أشهر، أي ٣٦٠٠٠ متوفي في الشهر، فحينئذ نتساءل لماذا هذه الضجة الإعلامية على ضحايا فيروس كورونا؟ هل لأنهم يتركزون في البلدان الأكثر غنى والذين يقودون العالم؟ وفي نفس الوقت، يتحكمون في آلة إعلامية جبارة تعرف جيدا كيف توجه عقول الجماهير وتتلاعب بها؟
________________________________
المصدر: مجلة البيان