موعظة في خاتمة شهر رمضان

للشيخ عبدالرزاق البدر





الحمد لله الكريم الوهاب ، أحمده تبارك وتعالى بمحامده التي هو لها أهل ، وأثني عليه الخير كله لا أحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله وأمينه على وحيه ومبلّغ الناس شرعه فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعد :
أيها المؤمنون: اتقوا الله تعالى وراقبوه جل وعلا في سركم وعلانيتكم مراقبة من يعلم أن ربه يسمعه ويراه ، وتقوى الله جل وعلا : عملٌ بطاعة الله على نورٍ من الله رجاء ثواب الله ، وتركٌ لمعصية الله على نور من الله خيفة عذاب الله .
أيها المؤمنون : ألا إن شهرنا الكريم وموسمنا المبارك العظيم أوشك هلاله على المغيب ، وأوشكت أيامه الغُرر ولياليه الدرر أن تنتهي وتنقضي ، ألا وإنه - عباد الله - موسمٌ عظيمٌ مبارك لنيل الغفران والعتق من النيران والفوز برحمة الله عز وجل ؛ فهو موسم فيه أبواب الجنة تفتّح وأبواب النار توصد وتغلق ، وعجباً لعبدٍ أبواب الجنة أمامه مُشرَعة وأبواب النار مغلقة ومجالات الخير مهيّأة وهو عن ذلك نائم وعن ذلك كله غافل !! روى الترمذي من حديث أبي هريرة عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((مَا رَأَيْتُ مِثْلَ النَّارِ نَامَ هَارِبُهَا وَلاَ مِثْلَ الْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا)) .
عباد الله : ألا وإن من أعظم الخسران وأشد الحرمان أن يدرك المسلم شهر الخيرات والعتق من النيران ثم ينقضي شهره المبارك وهو من خيراته محروم ومن نفحات الرب تبارك وتعالى محروم ، روى الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ- اللهم صلى وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد - وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلاَهُ الْجَنَّةَ)) وقوله : ((رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ)) من الرَّغام وهو التراب ، وهو دعاء على من كانت هذه حاله بالذل والخسران . نعم أيها المؤمنون ! إنه خسران فادح وغبن كبير أن ينقضي شهر الخيرات ببركاته العظيمة وخيراته الجسيمة والعبد لاهٍ ساه .
عباد الله : ألا طوبى لعبدٍ نال في هذا الشهر سبْق الفائزين وسلك فيه سبيل الصالحين ، وويل ثم ويل لمن انقضى شهره وهو مطرود من الأبواب قد أُغلق فيه دونه الحجاب ؛ فمضى شهره وهو فيه في غاية الحرمان لكونه ماضياً في لهوه سادراً في غيّه معرضاً عن طاعة ربه ومولاه جل وعلا .
عباد الله : وليالي الشهر الأخيرة هي خير الشهر وأفضلها ، وفيها ليلة مباركة من حُرمها فقد حُرم الخير كله ؛ إنها - أيها المؤمنون - ليلة القدر المباركة. ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾ [القدر:2-5].
أيها المؤمنون : ليلة واحدة هذا فضلها وتلك خيراتها وبركاتها ، ليلة واحدة خير من ألف شهر ، العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر ، وهي ليلة كلها سلام من أولها إلى طلوع فجرها لكثرة خيراتها وعموم بركاتها ، وفيها تتنزل ملائكة الرحمن بكثيرة تتنزل بالرحمات والخيرات والبركات ، ومن حُرم بركة هذه الليلة وخيرها فما أعظم حرمانه وما أشد خسرانه ، روى ابن ماجة في سننه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ ، وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ، مَنْ حُرِمَهَا , فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ ، وَلاَ يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلاَّ مَحْرُومٌ)) .
عباد الله : وإذا لم تتحرك النفوس في مثل هذه اللحظات المباركة والساعات الكريمة فمتى عساها أن تتحرك!!
أيها المؤمنون: إذا لم تتحرك قلوبنا في مثل هذه الليالي المباركات التي تُتحرى فيها هذه الليلة العظيمة فمتى يكون تحركها !! تقول أم المؤمنين عائشة كما في الترمذي وغيره قالت : قلت :يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ما أقول فيها ؟ قال : (( قُولِي : اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّى )) ألا ما أعظمها من دعوات وما أحوجنا جميعاً إلى الاستكثار منها في هذه الليالي المباركات . هذه الليلة هي الليلة التي ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:4]فيُكتب فيها ما هو كائن في السنة كلها إلى ليلة القدر الأخرى . فما أعظم حظ عبدٍ كُتب له في هذه الليلة العفو والمعافاة ، وما أعظم خسران من كان في هذه الليلة محروما .
عباد الله : لنـتعرّض لهذه النفحات المباركة ، ومن كان منا مفرطاً مضيعا فلا تزال أبواب الخير أمامه مُشرَعة، ومن كان محافظاً فليحمد الله على منـِّه وتوفيقه وليعمل للمزيد والاستكثار من طاعة الله جل وعلا والتقرب إليه .
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن لا تكِلَنا إلى أنفسنا طرفة عين ، اللهم لا تكِلَنا أجمعين إلى أنفسنا طرفة عين ، اللهم خذ بنواصينا الضعيفة وأنفسنا المقصّرة إلى طاعتك وإلى مراضيك ، اللهم وفقنا –إلهنا- لما تحبه وترضاه من سديد الأقوال وصالح الأعمال . أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية :
الحمد لله أحمده جل وعلا على إحسانه، وأشكره سبحانه وتعالى على فضله وامتنانه ؛ وأشهد ن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين . أما بعد عباد الله : اتقوا الله تعالى .
ثم عباد الله : إن لنا في شهر رمضان عبرة في حياتنا كلها وعمرنا أجمعه ؛ فنحن قبل أيام قلائل كنا نتشوق ونرقب دخول شهرنا ، وها نحن الآن في لحظاته الأخيرة وها هو قد أوشك على الانقضاء ؛ وعمُر الإنسان كله بمثل هذه الحال . ألا فلنعتبر عباد الله بمرور الأيام ومضي الشهور وتصرّم الأعوام ، فإن كل يوم ينقضي يدني كل واحد منا من أجله ويقرِّبه من لقاء ربه جل وعلا . والكيس من عباد الله من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .
واعلموا رعاكم الله أن أصدق الحديث كلام الله وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ، وعليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة .
وصَلُّوا وسلِّموا - رعاكم الله - على محمّد بن عبد الله كما أمركم الله بذلك في كتابه فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيما[الأحزاب:56] ، وقال صلى الله عليه وسلم:((مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا))، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد ، و بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد . وارضَ اللَّهم عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وعنا معهم بمنـِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين .
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين . اللهم انصر من نصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم . اللهم وعليك بأعداء الدين فإنهم لا يعجزونك . اللهم إنا نجعلك في نحورهم ، ونعوذ بك اللهم من شرورهم . اللهم آمنا في أوطاننا ، ووفق ولاة أمرنا لما تحبه وترضاه اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى وأعِنه على البر والتقوى . اللهم وفق جميع ولاة أمر المسلمين لكل قولٍ سديدٍ وفعلٍ رشيدٍ يا ذا الجلال والإكرام .
اللهم آت نفوسنا تقواها ، زكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها . اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفة والغنى . اللهم وأصلح ذات بيننا ، وألّف بين قلوبنا واهدنا سبل السلام وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وأزواجنا وذرياتنا وأموالنا وأوقاتنا واجعلنا مباركين أينما كنا .
اللهم اغفر لنا ذنبنا كله دقه وجله ؛ أوله وآخره ، سره وعلنه ، اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا ، وما أسررنا وما أعلنا ، وما أنت أعلم به منا ، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت . اللهم إنا نتوسل إليك بأسمائك الحسنى كلها وبصفاتك العليا يا ذا الجلال والإكرام أن تعتق رقابنا أجمعين من النار وآبائنا وذرياتنا يا حي يا قيوم . اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات . اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا ؛ اللهم إنا نسألك غيثا مغيثا هنيئا مريئا سِحًا طبقاً نافعاً غير ضار عاجلاً غير آجل ، اللهم سقيا رحمة لا سقيا هدم ولا عذاب ولا غرق . اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك وانعم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .