حديث: كان يقصر في السفر ويتم ويصوم ويفطر

الشيخ عبد القادر شيبة الحمد

عن عائشة رضي الله عنها "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر في السفر ويُتِم، ويصوم ويُفطِر"؛ رواه الدارقطني، ورواته ثقات إلا أنه معلول، والمحفوظ عن عائشة من فعلها، وقالت: إنه لا يشق عليَّ...؛ أخرجه البيهقي.

المفردات:
يقصر في السفر؛ أي: يصلي الرباعية ركعتين.
ويتم؛ أي: يصلي الرباعية أربع ركعات.
معلول؛ أي: به علة، والعلة عبارة عن أسباب خفية غامضة طرأت على الحديث فقدحت فيه.
من فعلها؛ أي: إنها كانت تتم الصلاة الرباعية في السفر أحيانًا.
إنه لا يشق علي؛ أي: إن إتمام الصلاة في السفر لا يتعبني ولا يثقل عليَّ.

البحث:
حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر في السفر ويتم.

قال الحافظ في تلخيص الحبير: "وقد استنكره أحمد، وصحته بعيدة، فإن عائشة كانت تُتِم، وذكر عروة أنها تأوَّلت كما تأوَّل عثمان رضي الله عنهما كما في الصحيح، فلو كان عندها عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم روايةٌ لم يقُلْ عروة عنها: إنها تأولت، وقد ثبت في الصحيح خلاف ذلك"؛ اهـ.

ومما يؤيد بطلان حديث (كان يقصر في السفر ويتم)، ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: صحِبت النبيَّ صلى الله عليه وسلم وكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك.


ولفظ مسلم: "صحِبتُ النبي صلى الله عليه وسلم فلم يَزِدْ على ركعتين حتى قبضه الله عز وجل، وصحبت أبا بكر فلم يَزِدْ على ركعتين حتى قبضه الله عز وجل، وصحبت عمر فلم يَزِدْ على ركعتين حتى قبضه الله عز وجل، وصحبت عثمان فلم يَزِدْ على ركعتين حتى قبضه الله عز وجل".
وفي رواية لمسلم عنه رضي الله عنه: ومع عثمان صدرًا من خلافته، ثم أتم.

وفي رواية: (ثمان سنين أو ست سنين).
قال النووي: وهذا هو المشهور أن عثمان أتم بعد ست سنين من خلافته؛ اهـ.

ولا معارضة بين حديث ابن عمر، وصحبت عثمان، فلم يَزِد على ركعتين حتى قبضه الله، مع حديثه: "ومع عثمان صدرًا من خلافته ثم أتم"؛ فإن عثمان رضي الله عنه كان يقصر الصلاة في السفر في غير مِنًى حتى توفي رضي الله عنه، وإنما أتم في منى تأولًا، وسبب تأوله أنه خشي أن بعض جهلة الأعراب ربما يظن أن الرباعية صارت ثنتينِ حضرًا وسفرًا؛ فقد أشار الحافظ في فتح الباري إلى رواية الطحاوي وغيره من طريق أيوب عن الزهري، قال: "إنما صلَّى عثمان في منى أربعًا؛ لأن الأعراب كانوا كثروا في ذلك العام، فأحب أن يُعلِّمهم أن الصلاة أربع، وروى البيهقي من طريق عبدالرحمن بن حميد بن عوف عن أبيه عن عثمان أنه أتم بمنًى، ثم خطب، فقال: إن القصر سُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبَيْه، ولكنه حدث طَغام - بفتح الطاء والمعجمة - فخِفْتُ أن يستنوا.

وعن ابن جريج أن أعرابيًّا ناداه في منى: يا أمير المؤمنين، ما زلت أصليها منذ رأيتك عامَ أوَّل ركعتين، وهذه طرق يقوي بعضها بعضًا، ولا مانع أن يكون هذا أصل سبب الإتمام"؛ اهـ.

وقد روى البخاري ومسلم من طريق عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: "الصلاة أول ما فُرِضت ركعتين، فأُقِرَّت صلاة السفر وأُتِمَّت صلاة الحضر"، قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تُتمُّ؟ قال: تأوَّلت ما تأول عثمان.

قال الحافظ في فتح الباري: "قوله: (تأولت ما تأول عثمان)، هذا فيه رد على مَن زعم أن عثمان إنما أتم لكونه تأهَّل بمكة، أو لأنه أمير المؤمنين وكل موضع له دارٌ، أو لأنه عزم على الإقامة بمكة، أو لأنه استجد له أرضًا بمنًى، أو لأنه كان يسبق الناس إلى مكة؛ لأن جميع ذلك منتفٍ في حق عائشة، وأكثره لا دليل عليه، بل هي ظنون ممن قالها".

ثم أشار الحافظ في رده على التعليل الأول، فقال: "والأول وإن كان نقل وأخرجه أحمد والبيهقي من حديث عثمان، وأنه لَمَّا صلى بمنًى أربع ركعات أنكر الناس عليه، فقال: إني تأهَّلت بمكة لما قدمت، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((مَن تأهل ببلدة، فإنه يصلي صلاة مقيم)) - فهذا الحديث لا يصح؛ لأنه منقطع، وفي رواته مَن لا يُحتَج به، ويردُّه قول عروة: إن عائشة تأولت ما تأول عثمان، ولا جائز أن تتأهل عائشة أصلًا، فدلَّ على وهن ذلك الخبر"؛ اهـ.

ونقل الحافظ عن ابن بطال قال: الوجهُ الصحيح في ذلك أن عثمان وعائشة كانا يريانِ أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قصر؛ لأنه أخذ بالأيسر من ذلك على أمته، فأخذا لأنفسِهما بالشدة؛ اهـ.

ثم قال الحافظ: وأما ما رواه عبدالرزاق عن مَعْمَر عن الزهري أن عثمان إنما أتم الصلاة؛ لأنه نوى الإقامة بعد الحج - فهو مرسل، وفيه نظر؛ لأن الإقامة بمكة على المهاجرين حرامٌ.


ثم قال الحافظ: وصحَّ عن عثمان أنه كان لا يودع النساء إلا على ظهر راحلته، ويسرع الخروج، خشية أن يرجع في هجرته، وثبت عن عثمان أنه قال لما حاصروه، وقال له المغيرة: اركَب رواحلك إلى مكة، قال: لن أفارق دار هجرتي؛ اهـ.

وما أشار إليه المصنف بقوله في بلوغ المرام: والمحفوظ عن عائشة مِن فعلها، وقالت: إنه لا يشق علي، قال الحافظ في الفتح: وأما عائشة، فقد جاء عنها سبب الإتمام صريحًا، وهو فيما أخرجه البيهقي من طريق هشام بن عروة عن أبيه أنها كانت تُصلِّي في السفر أربعًا، فقلت لها: لو صليتِ ركعتين؟ فقالت: يابنَ أختي، إنه لا يشق علي؛ إسناده صحيح، وهو دالٌّ على أنها تأوَّلت أن القصر رخصة، وأن الإتمامَ لمن لا يشق عليه أفضلُ؛ اهـ.