مناجاة المصلِّي

د. محمد بن عبدالله بن إبراهيم السحيم

الحمد لله القريب، لدعوة الداعي مجيب، ولمسِّ الضر طبيب، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له علام الغيوب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا لا يَفنى ولا يغيب.

أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].
أيها المؤمنون، الصلاة ذات شأن وجيه عند الله عز وجل، جعل لها من الخصائص ما ليس لغيرها من العبادات، ومن أجلِّ خصائصها أنها موطن عظيم لمناجاة العبدِ الضعيف ربَّه المتعال من حين افتتاحها بالتكبير إلى حين اختتامها بالتسليم، بل قال بعض أهل العلم: إن مناجاة الله لا تحصُل للعبد إلا فيها خاصة[1]، ومناجاة الرب جل جلاله أرفع درجات العبد[2]؛ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن المؤمن إذا كان في الصلاة، فإنما يناجي ربه"؛ رواه البخاري، وفي رواية أحمد: "إن المصلي إذا صلى، فإنما يناجي ربه تبارك وتعالى، فليعلم بما يناجيه، ولا يجهر بعضكم على بعض"، وباستشعار تلك المناجاة يكون استحضار مقصود الصلاة، وتحقيق ثمرتها، قال عبدالله بن المبارك: سألت سفيان الثوري عن الرجل يصلي؛ أي شيء ينوي بصلاته؟ قال: ينوي أن يناجي ربه.

أيها المسلمون، إن مناجاة العبد ربَّه في صلاته بالقراءة والذكر والدعاء مساررةٌ خَفيَّةٌ، وخطاب شريف بين العبد المملوك والملك العظيم؛ يستشعر من خلالها المصلي عظمة الموقف الذي شرَّفه الله بالوقوف فيه، وقُرْبَ ربِّه منه قربًا يليق بجلاله وعظيم سلطانه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أحدكم إذا قام في صلاته، فإنه يناجي ربه، أو إن ربه بينه وبين القبلة"؛ رواه البخاري، وأقرب ما يكون ذلك القرب عند تعفير الجباه بالسجود، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد؛ فأكثروا الدعاء"؛ رواه مسلم.


ويا لعظمة تلك المناجاة التي تكون بين العبد وربه حين يُجيب الله عبده إن تلا آي الفاتحة في صلاته، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "قال الله تعالى: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾، قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾، قال: مجَّدني عبدي، فإذا قال: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل"؛ رواه مسلم.

ويا لهناء المصلي حين يكرَّم بتلك المناجاة الحتمية كل يوم وليلة خمس مرات! ويزيد من ذلك الشرف والفضل بقدر ما زاد من صلاته وأتقَن، قال بكر بن عبدالله المزني: "مَن مثلُك يا بن آدم، خُلِّي بينك وبين الماء والمحراب، تدخل إذا شئت على ربك، ليس بينك وبينه حجاب، ولا ترجمان"، وتأمَّل رحمك الله الأدب الشرعي للمناجاة الإلهية في الصلاة مبتدَأً ومُنْصرَفًا، قال أهل العلم: "ولَما كانت الصلاة صلة بين العبد وربه، وكان المصلي يناجي ربَّه، وربُّه يقرِّبه منه، لم يصلح للدخول في الصلاة إلا من كان طاهرًا في ظاهره وباطنه، ولذلك شُرع للمصلي أن يتطهر بالماء، فيكفِّر ذنوبه بالوضوء، ثم يمشي إلى المساجد، فيكفر ذنوبه بالمشي، فإن بقي من ذنوبه شيء، كفَّرته الصلاة"، وأدب المناجاة في المنصَرَف بالتحيات والسلام، قال أهل العلم: "المصلي يناجي ربه ما دام يصلي، فلا ينصرف حتى يختم مناجاته بتحية تليق به، ثم يُحيي خواصَّ خلقه، ثم يدعو لنفسه، ثم يسلِّم على الحاضرين معه، ثم ينصرف".

الخطبة الثانية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
أيها المؤمنون، إن لاستشعار مناجاة العبد ربَّه في صلاته، واستحضارِ عظمتها، والتحلي بآدابها، أثرًا بالغ الحسن؛ إذ بها يحقِّق العبد مقام الإحسان، قال ابن رجب: "فمَن استشعر هذا في صلاته، أوجَب له ذلك حضور قلبه بين يدي ربه، وخشوعه له، وتأدُّبه في وقوفه بين يديه، فلا يلتفت إلى غيره بقلبه ولا ببدنه، ولا يعبث وهو واقف بين يديه، ولا يبصق أمامه، فيصير في عبادته في مقام الإحسان، يَعبُد الله كأنه يراه"، وباستشعار تلك المناجاة يكون تلذُّذ العبد بصلاته، وتغدو قرةَ عينٍ له، ومَسلاة لهمِّه، ومَقضاةً لحاجته، كما كانت قرة عين لنبيه عليه الصلاة والسلام، ومَهرعًا إليه كلما حزَبه أمرٌ وأهَمَّه، قال مسلم بن يسار: "ما تلذَّذ المتلذذون بمثل الخلوة بمناجاة الله عز وجل "، وقال عون بن عبدالله: "اجعلوا حوائجكم اللاتي تهمُّكم في الصلاة المكتوبة، فإن الدعاء فيها كفضلها على النافلة"، وبالمسارعة إلى تلك المناجاة وحُسن مراعاتها، يكون رضا المولى جل وعلا، قال ابن رجب: "ويُستدل لذلك بأن الله تعالى لما استدعى موسى عليه السلام لمناجاته وكلامه، أسرع إليه، فقال له ربه: ﴿ وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى ﴾ [طه: 83، 84]، فدلَّ على أن المسارعة إلى مناجاة الله توجب رضاه"، ونَهيُ الصلاة عن الفحشاء والمنكر، وتحقيقها ذكرَ الله، أكبر إن استشعر المصلي مناجاته ربَّه في صلاته؛ إذ به تكون إقامة الصلاة، ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ [العنكبوت: 45].



[1] عمدة القاري (5 /18).

[2] فتح الباري (2 /14).