خطبة: عباد الرحمن (2)

د. أمير بن محمد المدري

الحمد لله الذي جعل الحمد مِفتاحًا لذِكره، وسببًا للمزيد من فضله، جعل لكل شيء قدرًا، ولكل قدر أجلًا، ولكل أجل كتابًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تزيد في اليقين، وتثقل الموازين.


وأشهد أن سيدنا محمدًا عبدُه ورسوله، وصفيه وخليله، أمين وحيه، وخاتم رسله، وبشير رحمته، ونذير نقمته، صلى الله عليه، وعلى آله مصابيح الدجى، وأصحابه ينابيع الهدى، وسلم تسليمًا كثيرًا.


عباد الله، أُوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأن نقدم لأنفسنا أعمالًا صالحة مباركة تُبيض وجوهنا يوم نلقاه تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الشعراء: 89، 90]، ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ [آل عمران: 106]. ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [آل عمران: 30].

عباد الله، لا زلنا وإياكم مع عباد الرحمن، فقد رأينا صفاتهم في الليل والنهار، ففي النهار يُعاملون الخلق باللين والتواضع، وحُسْن الخلُق، يمشون هونًا: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾ [الفرقان: 63]، وفي الليل يبيتون لربهم سُجَّدًا وقيامًا.


ثم يذكُر الله صفة لعباده في كل الأوقات وفي جوف الليل أرجى: وهي سعيهم الدائب للنجاة من النار والدعاء إلى الله تعالى أن يُعيذهم منها؛ قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ﴾ [الفرقان: 65]. والعذاب الغرام أي الملازم الدائم، كالغريم والمغرم المحب؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ [القارعة: 10، 11].


وقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا [الفرقان: 65]، كأن جهنم تسعى إليهم، تلاحقهم، وأن بينها وبينهم عداوة، وهي تقول: ﴿ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ﴾ [ق: 30].

﴿ إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ﴾ [الفرقان: 66] فهي مستقرهم الدائم، ومُقامهم الذي لا يفارقونه.


إنها ﴿ سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا ﴾: مستقرًّا خاصٌّ بالعصاة من أهل التوحيد من أمة محمد يُعذبون على قدر ذنوبهم، ثم يُخرجون، ﴿ ومُقامًا خاصٌّ بأهل الكفر؛ لأنهم يُخلَّدون فيها.


عباد الرحمن يتوجهون إلى الله تعالى بالدعاء أن يصرف عنهم عذاب جهنم، مع اجتهادهم في العبادة وصدقهم في النية والقصد، خوفًا من الله تعالى ورجاءً فيه: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴾ [المعارج: 27].


كيف لا يخافون من عذاب الله، والله يقول: ﴿ لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ﴾ [الزمر: 16].


عباد الله، إن منزلة الخوف والرجاء هي مقام عباد الرحمن في الدنيا، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي دخل على شاب وهو في الموت، فقال: «كيف تجدك؟»، قال: أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله: «لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وأمنه مما يخاف»؛ [الترمذي وابن ماجه وابن أبي الدنيا]، أما الدعاء وحده مع الإصرار على المعصية، فذلك من الغفلة والتعلق بالأماني.


عباد الله، إن لكل حقٍّ حقيقة يتجلى بها في أوضح صورة، وإنَّ حقيقة عباد الرحمن أن تتوافر فيهم العقيدة السليمة، والطاعات المفروضات عملًا وإخلاصًا، والمعاملة اللينة الهينة الرحيمة مع الخلق.


عباد الله، ثم تأتي صفة أخرى لعباد الرحمن وهي: الاعتدال في النفقة؛ يقول تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان: 67]؛ أي: ليسوا بمبذرين في إنفاقهم، فيصرفون فوق الحاجة ولا بخلاء على أهليهم، فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم، بل عدلًا خيارًا، وخير الأمور أوسطها لا هذا ولا هذا، وهو نظير قوله تعالى: ﴿ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴾ [الإسراء: 26]، وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ﴾ [الإسراء: 29].

والإسراف عباد الله: هو مجاوزة الحد في النفقة وبذل المال، أما الإقتار والقتر والتقتير فهو التضييق الذي يُعد نقيض الإسراف. وبيَّن الإسراف والتقتير درجة الاعتدال، وهي الفضيلة التي حث القرآن عليها؛ يقول تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان: 67]؛ أي وسطًا واعتدالًا بين الغلو والتقصير، وبين الإفراط والتفريط.


إن من عقوبة الله تعالى للمسرفين أن جعلهم إخوانًا للشياطين، فقال سبحانه: ﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ﴾ [الإسراء: 27]. ومن علامات الخِذلان، وسوء التوفيق، والحرمان أن ترى العبد يُنفق هنا وهناك، فإذا ما دُعي إلى الإنفاق على بيوت الله، وفي وجوه الخير، تراه يبخل؛ يقول المصطفى كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (يقول العبد: مالي مالي، وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فأقنى، وما سوى ذلك، فهو ذاهب وتاركه للناس)؛ [رواه مسلم رقم (2959)، في الزهد، باب الزهد].


الإسراف والتبذير داءٌ فتاك يهدد الأمم والمجتمعات، ويبدد الأموال والثروات، وهو سبب للعقوبات والبليات العاجلة والآجلة.


الإسراف مذموم سواءً كان في المأكل أو المشرب أو في اللباس، أو في البناء أو في الأثاث، أو في الكلام أو في الصمت، أو في السهر أو في النوم، أو في الجوع أو الشبع، وغيرها من الأمور، والمسرفون بعيدون عن حب الله؛ قال تعالى: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31].

لذلك كان السلف الصالح يرون من الورع ألا يجمع المرء ما لا يأكل ولا يبني ما لا يسكن، وذلك ما أشار إليه مجاهد بقوله: «لو أنفق رجل مثل جبل ذهبًا في طاعة الله تعالى، لم يكن مسرفًا، ولو أنفق صاعًا في معصية الله تعالى كان مسرفًا.


وكما نهى الله عن الإسراف، فقد نهى عن البخل والتقتير، ﴿ هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ [محمد: 38]، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول هذا وأستغفر الله أستغفر الله أستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشانه، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وجميع إخوانه، أما بعد:


فالصفة الثانية لعباد الرحمن في هذا المقطع القرآني المبارك: التوحيد الخالص؛ قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ﴾ [الفرقان: 68]؛ وذلك لأن دعوة غير الله تعالى من أعظم الخطايا والآثام، وأخطر ما اُعتدي به على حق الله تعالى؛ قال جل شأنه: ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 48]، وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ [المائدة: 72].


سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ قَالَ: (أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهُوَ خَلَقَكَ، قَالَ: ثُمَّ أَي؟، قَال: أَنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خَشيَة أَنْ يطعم معك، قَال: ثُمَّ أَي؟، قَال: أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِك)؛ [رواه مسلم وأحمد].


عباد الله، إن الشرك نوعان: أحدهما الشرك الأكبر وهو المُخرج من الملة، وثانيهما الشرك الخفي أو الأصغر الذي يُعد ذنبًا عظيمًا تجب المبادرة بالتوبة منه؛ لأنه مدعاة للعقوبة الشديدة في الآخرة، ومن أمثلته أن تعمل العمل لله ولوجوه الناس، أو للمنزلة أو للتسميع والرياء، وعن محمود بن لبيد رضي الله عنه أن رسول الله قال: « إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء يقول الله عز وجل لهم يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً»؛ [وصححه الألباني، صحيح الترغيب «32»].


وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله ونحن نتذاكر المسيح الدجال، فقال: «ألا أُخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال، قال: قلنا: بلى، فقال: «الشرك الخفي أن يقوم الرجل يصلي، فيُزين صلاته لما يرى من نظر رجل»؛ [رواه مسلم رقم «2985» في الزهد، باب من أشرك في عمله غير الله].


عباد الله، إن الشرك الأكبر هو الوجه الثاني للكفر، أما الأصغر فهو الممهد له المُعبِّد طريقه المؤدي إليه، لذلك على المؤمن أن يبذل قصارى جهده لتجنُّب الشرك الأصغر، وسد جميع الطرق الموصلة إليه، وأن يبادر بالاستغفار والتوبة من كل ذنبٍ وتقصير.


هذا وصلوا رحمكم الله على خير البرية، وأزكى البشرية محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بذلك، فقال في كتابه الكريم: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56]، اللهم صلِّ وسلم على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم...