صفحة 5 من 7 الأولىالأولى ... 34567 الأخيرةالأخيرة
النتائج 41 إلى 50 من 66

الموضوع: د. راغب السرجانى : سلسلة : التتار .. من البداية إلى عين جالوت

  1. #41
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    الدولة
    والله ما عارف بلدى ولا بلدهم !!
    المشاركات
    4,546

    افتراضي رد: د. راغب السرجانى : سلسلة : التتار .. من البداية إلى عين جالوت

    "أنا ألقى التتار بنفسي..!"



    لقد سلك قطز طريقين من أعظم طرق التربية، ومن أبلغ وسائل التحميس والتحفيز على عمل قد يستصعبه كثير من الناس..
    أما الطريق الأول فهو طريق "التربية بالقدوة"..
    لقد قال لهم قطز في شجاعة وعزم: "أنا ألقي التتار بنفسي"..
    قطز الذي يجلس على عرش الدولة العظيمة مصر سيخرج بنفسه للقاء التتار!..
    قطز الذي لم "يستمتع"أو "يستفد"بعد من كرسيه ومنصبه سيخرج للجهاد!..
    قطز الشاب الذي ما زالت أمامه الحياة طويلة ـ كما يقولون ـ سيخرج للموت في سبيل الله!!..
    لن يرسل جيشاً لمقابلة التتار ويبقى هو في قصره الآمن في القاهرة، بل سيتحمل مع شعبه ما يتحمل، وسيعاني مع جيشه ما يعاني..ولو أرسل قطز جيشاً وبقي هو في القاهرة ما لامه أحد، فهو قائد المسلمين، والآمال معقودة عليه، ولو مات فقد ينفرط عقد الأمة، ولكن قطز لم يجد وسيلة أفضل من هذه الوسيلة لتحميس القلوب الخائفة، ولتثبيت الأفئدة المضطربة..كما أنه يشتاق إلى الجهاد، ويشتاق إلى الشهادة، ويشتاق إلى الجنة..
    وفي كل الأحوال هو لن يموت قبل الموعد الذي حدده الله له..
    لقد فقه قطز عملياً ما أدركه كل المسلمين نظرياً..وهو أنه "لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها"..لكن مَن مِن المسلمين يعيش واقع حياته فعلاً بهذا المفهوم الذي عرفه نظرياً؟!
    إن الناس تتصارع دائماً لأجل زيادة الرزق، وتتصارع دائماً لأجل زيادة العمر، لكن الذي لا يعرفه كثير من الناس أن الشجاعة لا تقلل أبداً من الأرزاق، ولا تقصر مطلقاً من الأعمار، وأن الجبن لا يكثر من المال المقسوم للإنسان، ولا يخلده في الحياة.
    كما فقه قطز رحمه الله الحقيقة الرائعة وهي أن الحياة بعزة ولو ساعة، خير من البقاء أبد الدهر في ذل وهوان..
    ماذا كان ردّ فعل الأمراء؟!
    لا شك أن الأمراء والوزراء لما شاهدوا قطز رحمه الله بهذه الحمية تحمست قلوبهم..
    هذه هي القدوة أيها المؤمنون..
    "فعل رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل في رجل"..
    إن القائد مهما قام بجولات بين جنوده وقواده وشعبه يحمسهم ويشجعهم، لكنهم يعلمون أنه عند الضوائق والشدائد لن يجدوه معهم، بل سيؤمن نفسه وأحبابه فقط، ويترك جنوده وشعبه لمصيرهم، فإن هذه الجولات وهذه الخطب لا تؤثر شيئاً في الناس..
    وقدوتنا العظمى في القادة الذين يعيشون هموم شعبهم، ويشاركونهم في كل صغيرة وكبيرة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم..
    روى البخارى عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق الناس قبل الصوت، فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد سبق الناس إلى الصوت وهو يقول: "لن تراعوا، لن تراعوا"، وهو على فرس لأبي طلحة، عُري ما عليه سرج، في عنقه السيف، فقال: لقد وجدته بحراً"..
    لقد سمع الرسول صلى الله عليه وسلم صوتاً مفزعاً في الليل وهو في المدينة، فما أمر أحداً بالخروج للبحث عن مصدر الصوت، مع أنه قائد المدينة المنورة ورسول المسلمين، وكان خروجه سريعاً حتى إنه استعار فرساً من أبي طلحة ولم ينتظر وضع السرج عليه، ولكنه فقط أخذ سيفه، وركب الفرس، وانطلق يبحث عن مصدر الصوت..ولما اطمأن أنه لا شيء يهدد المدينة عاد إليها وقد خرج الناس فزعين فإذا هو يطمئنهم: "لن تراعوا"، أي لن تفزعوا، ثم قال كلمة يثني فيها على الفرس الذي كان مشهوراً بالبطء، فقال: "لقد وجدته بحراً"أي سريعاً في الجري..يقول ثابت أحد رواة الحديث كما جاء في سنن ابن ماجة: "كان فرساً لأبي طلحة رضي الله عنه يُبطأ (يُتَّهم بالبطء)فما سُبق بعد ذلك اليوم"..
    والشاهد من الموقف أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعيش هموم شعبه، ويفتديهم بروحه، ويضحي بنفسه من أجلهم، ولا يفعل مثلما يفعل كثير من الزعماء الذي يضحون بشعوبهم بكاملها من أجل أنفسهم..
    يروي الإمام أحمد رحمه الله عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:
    "كنا إذا احمرَّ البأس (اشتدَّت الحرب)، ولقي القومُ القومَ، اتقينا (احتمينا) برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه"..
    هذه هي "التربية بالقدوة"..
    وهكذا فعل قطز رحمه الله مع الأمراء والقواد حين قال لهم: "أنا ألقي التتار بنفسي"..
    كان هذا هو الطريق الأول الذي سلكه قطز رحمه الله في تحميس القوم.

    "من للإسلام؟.. إن لم نكن نحن؟!"
    أما الطريق الثاني فهو التذكير بعظم الهدف الذي من أجله خلق الإنسان، وبنبل الغاية التي من أجلها نعيش على الأرض..
    إنه يرتفع بنفوس الناس من مطامع الناس المادية البحتة إلى آفاق عالية جداً جداً..إنه يربط كل عمل يعملونه بإرضاء الله عز وجل، وبنصرة الدين..
    إذا عظم كل واحد منا أمر الإسلام في قلبه فإنه سيستصغر أي تضحية في سبيل نصرة هذا الدين..
    هذه من أبلغ وسائل التحميس والتحفيز..أن تعظم الغاية والهدف إلى أقصى درجة..فيصبح جهادُك واستعدادُك وحركتك نوعًا من العبادة لله رب العالمين..
    لم يحفزهم قطز بدنيا، ولم يحفزهم لاتباع شخص معين، ولم يحفزهم بقومية مصرية أو غيرها، ولم يحفزهم بقومية عربية أو بغيرها، ولم يحفزهم حتى بحب البقاء في هذه الحياة، والدفاع عن النفس ضد الموت..بل إنه حفزهم بالحرص على الموت!!..
    وشتان بين من يجاهد وهو حريص على أن يموت، ومن يجاهد وهو حريص على أن لا يموت!!..شتان فعلاً..
    لقد قال لهم قطز في صراحة:
    "يا أمراء المسلمين، لكم زمان تأكلون من بيت المال، وأنتم للغزاة كارهون، وأنا متوجه، فمن اختار الجهاد يصحبني، ومن لم يختر ذلك يرجع إلى بيته، وإن الله مطلع عليه، وخطيئة حريم المسلمين في رقاب المتأخرين (عن القتال)"..
    كلام في منتهى الدقة، وفي منتهى الروعة..
    القضية بوضوح قضية إيمان..
    إذا علمت أن الله مراقب لك وخالفت، فإن وبال ذلك عليك..
    ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُكره منافقاً على الخروج معه للقتال..بل كان يترك الأمر على السعة، بل إنه إذا تخلف المسلمون المؤمنون )كما حدث في غزوة تبوك من بعض المؤمنين)فإنه لا يكرههم، بل كان إذا ذُكر له رجل تخلف قال: "دعوه، فإن يكن فيه خير سيُلحقه الله بكم، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم منه"..
    وهكذا فعل قطز رحمه الله..
    من أراد أن يخرج للجهاد في سبيل الله فليفعل، ومن أراد النكوص على عقبيه، والركون إلى الدنيا فليعلم أن الله مطلع عليه، وليعلم أن حرمات المسلمين والمسلمات التي تُنتهك في رقبته..
    ولا يخفي علينا الإشارة المهمة التي ذكرها قطز من أن هؤلاء الأمراء والوزراء قد عاشوا سنوات يأكلون من بيت مال المسلمين، بل ويكثرون من الأكل والجمع حتى فقدت وظائفهم كل معنى، ولم يبق لها إلا معنى واحد هو استغلال المنصب لأقصى درجة لزيادة الثروة، من الحلال وغير الحلال على السواء، وما عاد الوزير يعتقد أنه موظف عند الشعب وليس سيداً عليهم، وأنه كما أن له حقوقاً فإن عليه واجبات، وأنه مسئول ومحاسب من الله ومن شعبه على كل خطوة، وعلى كل درهم أو دينار..لقد كانت هذه الكلمات من قطز تهدف إلى إيقاظ الضمير، وإلى إحياء الأمانة، وكشفت هذه الكلمات الوزراء أمام أنفسهم..لقد كان قطز يرى بوضوح ما بداخل كل وزير!!
    ثم تحركت المشاعر بصورة أكبر وأكبر في صدر قطز رحمه الله، حتى وقف يخاطب الأمراء وهو يبكي ويقول:
    "يا أمراء المسلمين، من للإسلام إن لم نكن نحن"..
    كلمة رائعة..كلمة هائلة!!..
    كلمة تصلح أن تكون منهجاً للحياة..
    إذا قالها كل مسلم فلن تسقط أبداً أمة الإسلام..
    أحياناً ينتظر المسلم أن يأتي النصر من مسلمين آخرين..ينتظر أن يتحرك للإسلام فلان أو غيره، ولكنه قليلاً ما يفكر هو في التحرك..بل كثيراً ما يقوم بعملية نقد وتحليل وتعليق على أفعال وأقوال العاملين للإسلام، أما هو فلا يتحرك!
    أحياناً ينتظر المسلم أن يخرج صلاح أو خالد أو قطز أو القعقاع من بيت جاره، أو من بلد آخر، ولا يفترض أن يخرج هؤلاء من بيته هو شخصياً..
    لماذا لا تكون أنت صلاح الدين الأيوبي؟
    لماذا لا تكون أنت يوسف بن تاشفين؟
    لماذا لا تكون أنت نور الدين محمود الشهيد؟
    لماذا؟
    من للإسلام إن لم نكن نحن؟
    ووقعت الكلمة في قلوب الأمراء..فضجوا جميعاً بالبكاء!!..
    لقد خشعت القلوب..ومن خشع قلبه فيرجى منه الخير كله..
    وقام بعض الأمراء وتكلموا بخير، فقام البقية يعلنون موافقتهم على الجهاد، وعلى مواجهة التتار مهما كان الثمن، وهكذا نجح قطز رحمه الله في خطوة هي من أصعب خطوات حياته، وهي في ذات الوقت من أعظم خطوات حياته..
    إذن مصر تعلن الحرب على التتار!!..
    قرار من أخطر القرارات في تاريخ مصر مطلقاً..وهو قرار لا ينفع أن يرجع عنه القائد أو الجيش أو الشعب، وقطز رحمه الله يعلم أن قلوب الأمراء وافقت تحت تأثير القدوة، وتحت تأثير التذكير بالله، وبالواجب نحو الإسلام، لكن من الممكن لهذه القلوب أن تتردد وأن تخاف، ولذلك فقد أراد قطز أن يفعل أمراً يقطع به خط الرجعة تماماً على الأمراء، ويقطع به الأمل في الاستسلام، ولا يبقى أمامهم غير الخيار العسكري فقط!..

    ماذا قرر قطز؟!
    لقد قرر قطز بعد أن استشار مجلسه العسكري أن يقطع أعناق الرسل الأربعة الذين أرسلهم إليه هولاكو بالرسالة التهديدية، وأن يعلّق رءوسهم على باب زويلة في القاهرة، وذلك حتى يراها أكبر عدد من الشعب، وهو يرمي بذلك إلى طمأنة الشعب بأن قائدهم لا يخاف التتار، وهذا سيرفع من معنوياتهم، كما أن هذا الردّ العنيف سيكون إعلاناً للتتار أنهم قادمون على قوم يختلفون كثيراً عن الأقوام الذين قابلوهم من قبل، وهذا قد يؤثر سلباً على التتار، فيلقي في قلوبهم ولو شيئاً من الرعب أو التردد، ويبقى الهدف الأكبر لقتل الرسل الأربعة هو قطع التفكير في أي حل سلمي للقضية، والاستعداد الكامل الجادّ للجهاد، فبعد قتل الرسل الأربعة لن يقبل التتار باستسلام مصر حتى لو قبل بذلك المسلمون..
    كان هذا هو اجتهاد قطز رحمه الله والأمراء..
    ومع ذلك فلنا وقفة مع هذا الحدث..

    وقفة أمام قتل الرسل:
    فأنا لا أدري ما هو السند الشرعي لقطز رحمه الله في عملية القتل هذه؟!..
    فالرسل في الإسلام لا تقتل..لا رسل المسلمين، ولا رسل الكفار، ولا حتى رسل المرتدين عن الإسلام!.
    يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: جاء ابن النواحة وابن أثال رسولا مسيلمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهما: "أتشهدان أني رسول الله؟ "قالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آمنت بالله ورسوله، لو كنت قاتلاً رسولاً لقتلتكما"..
    يعلّق عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على هذا الحديث فيقول: فمضت السنة أن الرسل لا تقتل..
    هذا الحديث رواه الإمام أحمد والحاكم، وأخرجه أيضاً أبو داود والنسائي مختصراً..
    وفي رواية لأحمد وأبي داود عن نعيم بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفس الموقف: "والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما"..
    يقول الإمام الشوكاني رحمه الله في كتابه القيم "نيل الأوطار": هذان الحديثان )حديث عبد الله بن مسعود وحديث نعيم بن مسعود رضي الله عنهما)يدلان على تحريم قتل الرسل الواصلين من الكفار، وإن تكلموا بكلمة الكفر في حضرة الإمام أو سائر المسلمين..
    لهذا فالحكم الشرعي في الإسلام أن الرسل لا تقتل، ولا أدري ما الحجة الشرعية التي استخدمها قطز ليقتل هؤلاء الرسل؟ ولا أدري لماذا سكت العلماء في زمانه عن هذه النقطة؟ أو لعلهم تكلموا ولم يصل إلينا قولهم، ولعل قطز اجتهد في أن التتار قد هتكوا كل الأعراف والقوانين والمواثيق، فقتلوا النساء والأطفال والشيوخ غير المقاتلين، وبأعداد لا تحصى، وقد قتلوا في بغداد وحدها مليون مسلم، هذا غير المدن التي سبقت والتي لحقت، ولعله اجتهد هذا الاجتهاد بعد أن أساء الرسل الأدب معه، وأغلظوا له في القول، وتكبروا عليه..لعل هذا كان اجتهاده، وإن كنت أقول إننا لا يجب أن نُجرّ أبداً إلى قذارات السياسة المادية، وإلى أخلاق الكفار..فإذا قتل الكفارُ الأطفالَ المسلمين فلا يجوز للمسلمين أن يقتلوا أطفال الكفار بحجة أن العقاب بالمثل، وإذا قتل الكفار النساء المسلمات وهتكوا أعراضهن فليس هذا مبرراً لقتل النساء الكافرات غير المقاتلات وهتك أعراضهن، وهتك العرض طبعاً غير مقبول سواء للمقاتلة أو غير المقاتلة، وإذا خان الكفار العهد فلا يجوز للمسلمين خيانة عهودهم..وعلى نفس الوتيرة لا يقتل المسلمون الرسل، ولا يقتل المسلمون الكفارَ الذين أخذوا أماناً من المسلمين..
    كلُّ هذا ليبقى دين الإسلام نقياً خالصاً غير مختلط بقذارات القوانين الوضيعة.. وليظل المثل الإسلامي الرفيع، والخلق الإسلامي العالي وسيلة باقية لدعوة شعوب الأرض إلى هذا الدين الرائع..دين الإسلام..
    لكل ما سبق فإني أعتبر ما حدث من قطز والأمراء في هذه الخطوة هو هفوة وخطأ في الاجتهاد..ولابد لكل إنسان مهما عظم قدره أن يكون له أخطاء إلا الأنبياء المعصومين..ويكفي المرء فخراً أن تعد معايبه..

    المشكلة الاقتصادية:
    بعد هذا الاجتماع الخطير، وبعد هذا القرار الصعب، وبعد قتل الرسل.. بدأ قطز رحمه الله في التجهيز السريع للجيش، فقد اقتربت جداً لحظة المواجهة..
    لكن واجهت قطز مشكلة أخرى ضخمة لا تقل عن المشاكل التي قابلها قبل ذلك..ولاحِظوا أن قطز رحمه الله قد تولّى عرش مصر في الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة 657 هجرية، وجاءته رسالة هولاكو قبل أن يغادر هولاكو أرض الشام عائداً إلى منغوليا بعد وفاة زعيم التتار منكوخان، وهولاكو غادر الشام بعد سقوط حلب بقليل، وقبل فتح دمشق، وحلب سقطت في صفر 658 هجرية، ودمشق سقطت في ربيع الأول سنة 658 هجرية..أي بعد تولّي قطز رحمه الله لرئاسة مصر بثلاثة شهور فقط..
    إذن كل الترتيبات والخطوات التي أخذها قطز رحمه الله أخذت في ثلاثة شهور فقط، والمشاكل التي قابلها تحتاج فعلاً إلى سنوات - بل إلى عقود كاملة - حتى يتم حلها على الوجه الأمثل..لكنه رحمه الله استعان بالله، وبدأ بحمية ونشاط يتعامل مع المشكلة تلو الأخرى، والهدف في ذهنه واضح جداً:
    "لابدّ من القضاء على هذه القوة الهمجية.. قوة التتار، وتحرير بلاد المسلمين"..
    والمشكلة الجديدة التي أمام قطز الآن هي......"المشكلة الاقتصادية!!"..
    لابدّ من تجهيز الجيش المسلم، وإعداد التموين اللازم له، وإصلاح الجسور والقلاع والحصون، وإعداد العدة اللازمة للحرب، وتخزين ما يكفي للشعب في حال الحصار..هذه أمور ضخمة جداً..والأزمة الاقتصادية التي تمر بالبلاد أزمة طاحنة، وليس هناك وقت لخطة خمسية أو عشرية..والتتار على الأبواب..لقد كان التتار في غزة!!..
    ماذا يفعل قطز رحمه الله؟!
    من جديد جمع قطز رحمه الله مجلسه الاستشاري، ودعا إليه ـ إلى جانب الأمراء والقادة ـ العلماء والفقهاء، وعلى رأسهم سلطان العلماء الشيخ العزّ بن عبد السلام رحمه الله..وبدءوا يفكرون في حلّ للأزمة الاقتصادية الطاحنة، وكيف يوفرون الدعم الكافي لتجهيز الجيش الكبير الخارج لملاقاة التتار..
    واقترح قطز رحمه الله أن تفرض على الناس ضرائب لدعم الجيش، وهذا قرار يحتاج إلى فتوى شرعية، لأن المسلمين في دولة الإسلام لا يدفعون سوى الزكاة، ولا يدفعها إلا القادر عليها، وبشروط الزكاة المعروفة، أما فرض الضرائب فوق الزكاة فهذا لا يكون إلا في ظروف خاصة جداً، ومؤقتة جداً، ولابدّ من وجود سند شرعي يبيح ذلك..وإلا صارت الضرائب مكوساً، وفارض الضرائب بغير حق عقابه أليم عند الله عز وجل..
    روى الإمام احمد وأبو داود رحمها الله عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يدخل الجنة صاحب مكس"..
    ولما زنت المرأة الغامدية ـ وكانت متزوجة ـ فرجمت بالحجارة بعد أن اعترفت بالزنا لتطهر نفسها من الذنب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعظم من شأن توبتها:
    ".. فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له"..
    جاء ذلك في صحيح مسلم عن بريدة رضي الله عنه..
    وفي هذا تقبيح شديد لعملية فرض الضرائب إن فرضت في غير حق، وصرفت في غير حق..
    يقول الإمام النووي رحمه الله تعليقاً على هذا الحديث: "إن المكس من أقبح المعاصي، ومن الذنوب الموبقات، وذلك لكثرة مطالبات الناس له وظلاماتهم عنده، وأخذ أموالهم بغير حقها، وصرفها في غير وجهها"..
    فقطز رحمه الله يقترح الأمر، وينتظر رأي العلماء في هذه القضية..
    ومع أن الغاية نبيلة، والمال المطلوب سوف يجهّز به جيش للقتال في سبيل الله، إلا أن الشيخ العزّ بن عبد السلام كان عنده تحفظ خطير على هذا القرار، فلم يوافق عليه إلا بشرطين..والشرطان عسيران جداً!!

    يتبع
    فقول الحق للطاغي *** هو العزى هو البشرى

    هو الدرب إلى الدنيا *** هو الدرب إلى الأخرى

    فإن شئت فمت عبدا *** وإن شئت فمت حرًّا


    ~ ~ ~

    كرهت عيش النفاق كرهت عيش الدجل

    كرهت عيش السهول أريد عيش الجبل

    اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي

  2. #42
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    الدولة
    والله ما عارف بلدى ولا بلدهم !!
    المشاركات
    4,546

    افتراضي رد: د. راغب السرجانى : سلسلة : التتار .. من البداية إلى عين جالوت

    فتوى في منتهى الجرأة!!..:
    قال الشيخ العزّ بن عبد السلام رحمه الله: .
    "إذا طرق العدو البلاد وجب على العالم كلهم قتالهم )أي العالم الإسلامي(، وجاز أن يؤخذ من الرعية ما يستعان به على جهازهم )أي فوق الزكاة( بشرط أن لا يبقى في بيت المال شيء )هذا هو الشرط الأول) أما الشرط الثاني فكان أصعب!..قال الشيخ العزّ بن عبد السلام رحمه الله: "وأن تبيعوا مالكم من الممتلكات والآلات (أي يبيع الحكام والأمراء والوزراء ما يمتلكون(، ويقتصر كل منكم على فرسه وسلاحه، وتتساووا في ذلك أنتم والعامة، وأما أخذ أموال العامة مع بقاء ما في أيدي قادة الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا!!"..
    فتوى في منتهى الجرأة!!..
    يقول الشيخ العزّ بن عبد السلام لقطز رحمه الله إنه لا يجوز فرض ضرائب إلا بعد أن يتساوى الوزراء والأمراء مع العامة في الممتلكات، ويجهز الجيش بأموال الأمراء والوزراء، فإن لم تكف هذه الأموال جاز هنا فرض الضرائب على الشعب بالقدر الذي يكفي لتجهيز الجيش، وليس أكثر من ذلك..
    وإن كانت هذه الفتوى عجيبة في جرأتها، فإن استجابة قطز رحمه الله كانت أعجب!!..
    لقد قبل قطز رحمه الله كلام الشيخ العز بن عبد السلام ببساطة!.. وبدأ بنفسه, فباع كل ما يملك، وأمر الوزراء والأمراء أن يفعلوا ذلك!.. فانصاع الجميع,وتم تجهيز الجيش المسلم بالطريقة الشرعية..واكتشف المسلمون في مصر اكتشافاً عجيباً..لقد اكتشفوا أن مصر غنية جداً، وأن البلد به أموال ضخمة برغم الأزمة الاقتصادية الطاحنة، فقد امتلأت جيوب كثير من الوزراء والأمراء بأموال البلد الهائلة..وأصبحت ثروات بعضهم تساوي ميزانيات بعض الدول..لقد كانت ثروات بعضهم تكفي لسداد الديون المتراكمة على البلد..وكانت ثروات بعضهم تكفي لسد حاجة الفقراء والمساكين..وتكفي لإصلاح الوضع الاقتصادي..
    وللأسف الشديد فإن كثيراً من هذه الأموال قد دخلت جيوب الأمراء والوزراء بطرق غير مشروعة، وبغير وجه حق؛ فهذا يختلس، وهذا يرتشي، وهذا يظلم، وهذا يأخذ نسبة، وهذا ينفق في سفه، وهذا يعطي من لا يستحق... وهكذا بُددت أموال الدولة العظيمة مصر!..وأصبحت مصر دولة فقيرة نامية بينما إمكانياتها تسمح لها بأن تكون من دول الصدارة!!
    ثم جاء قطز رحمه الله وبدأ في عملية تنظيف منظمة للبلد!..تنظيف لليد والقلب..
    أخيراً اصطلح القائد مع شعبه بعد سنوات من القطيعة بين الحكام والشعوب..فكانت النتيجة تجهيز جيش عظيم مهيب..غايته نبيلة..وأمواله حلال..ودعاء الناس له مستفيض..وإعداده جيد..
    كيف لا يُنصر جيش مثل هذا؟!..
    إن معادلة النصر في الإسلام ليست صعبة..
    المعادلة تقول: "إن تنصروا الله ينصركم، ويثبت أقدامكم"..
    ونصر الله عز وجل لا يكون إلا بتطبيق شرعه، والجيش المسلم الذي يخالف قاعدة شرعية لا يمكن أن ينصره الله عز وجل..فالبداية بيد المسلمين..انصر الله عز وجل ينصرك الله عز وجل..
    وهكذا.. جُهّز الجيش المصري المسلم، وأعد إعداداً عظيماً..

    حتمية الجهاد.. في فلسطين:
    وجاء وقت إعداد الخطة، ووضع الخريطة لتحرك الجيش..
    واجتمع قطز مع المجلس العسكري لبحث أفضل طريقة لحرب التتار، وليبحثوا توفير أفضل ظروف لتحقيق الانتصار..
    وقام قطز رحمه الله بإلقاء بيانه الذي يوضح فيه رأيه في الخطة العسكرية..وبمجرد أن ألقى برأيه، قام المجلس ولم يقعد!..لقد أحدث رأي قطز دوياً هائلاً في المجلس العسكري!!..
    ماذا أراد قطز رحمه الله؟
    لقد أراد قطز رحمه الله أن يخرج بجيشه لمقابلة جيش التتار....في فلسطين!..
    لقد قرر ألا ينتظر في مصر حتى يأتي التتار إليه، بل يذهب هو بجيشه لمقابلتهم..
    واعترض أغلب الأمراء..لقد أراد الأمراء أن يبقى قطز في مصر ليدافع عنها..فمصر ـ في رأي الأمراء ـ هي مملكته، أما فلسطين فهي مملكة أخرى!!..لقد نظر الأمراء إلى القضية نظرة قومية بحتة..بمعنى أنه لو لم يدخل التتار مصر فإننا نكون قد تجنبنا لقاءً دموياً هائلاً..أما إذا ذهبنا نحن إليهم فلا خيار حينئذ سوى المعركة..
    أما قطز رحمه الله فكانت نظرته أوسع من ذلك..
    وبدأ قطز رحمه الله يناقش الأمراء ويشرح لهم مزايا خطته، وأبعاد نظرته، وأهداف الحرب في رأيه، ومهمة الجيش في اعتقاده..لقد أفهمهم قطز رحمه الله حقائق غابت - ولمدة سنوات طويلة ـ عن أذهان الكثيرين منهم..
    من هذه الحقائق:
    ـ أولاً: أمن مصر القومي يبدأ من حدودها الشرقية وليس من داخل البلد نفسه، وإلا فكيف يأمن المصريون على أنفسهم وإلى جوارهم في فلسطين دولة قوية معادية؟!..العقل يؤكد أنه من المتوقع جداً أن تنتهز هذه الدولة المعادية أي فرصة ضعف، وتجتاح مصر من شرقها، وستأخذ سيناء في أيام معدودات، وتهدد مصر في عمقها، فلابد إذن من إضعاف الجيش المعادي الرابض في فلسطين، إما بقتاله هناك، أو بمساعدة من يقاتلونه هناك..هذا هو التفكير العقلي والمنطقي..
    ـ ثانياً: من الأفضل عسكرياً أن ينقل قطز المعركة إلى ميدان خصمه، فإن ذلك سوف يؤثر سلباً على نفوس أعدائه، كما أنه سيوفر له خط رجعة آمنًا إذا حدثت هزيمة للجيش المسلم، أما إذا حدثت الهزيمة للجيش المصري المسلم في داخل مصر، فإن ذلك سيفتح الطريق أمام العدو إلى القاهرة..
    ـ ثالثاً: من الأفضل عسكرياً كذلك أن يمتلك المسلمون عنصر المفاجأة، فيختارون هم ميعاد المعركة ومكانها بدلاً من أن يختار العدو ذلك، والمسلمون إذا فاجئوا عدوهم فإن هذا يعطيهم أفضل الفرص للنصر، لأن الجيش المعادي لن يكون مستعداً الاستعداد الكافي، هذا إلى جانب الهزيمة النفسية التي ستلحق به..
    ـ رابعاً: (وهذه نقطة هامة جداً) أن للمسلمين في مصر دوراً هاماً ناحية إخوانهم المسلمين في فلسطين وفي سوريا وفي لبنان وفي العراق وفي أفغانستان وفي أذربيجان وفي الشيشان...ولا يستقيم أن تُقام المذابح للمسلمين في تلك البلاد، وتُنتهك الحرمات، وتُهدم الديار، ولا يتحرك المسلمون في مصر..إن حركة المسلمين في مصر لنجدة إخوانهم في فلسطين وغيرها ليست فضلاً أو نافلة، إنما هي فرض عليهم..وليست فرض كفاية، إنما فرض عين..لقد دهم العدو فعلاً أرض فلسطين فتعيّن القتال على أهلها لدفعه، فإن لم يكفِ أهلها للقتال تعيّن القتال على من جاورهم من الأقطار الإسلامية، أي مصر والأقطار الأخرى المجاورة مثل سوريا والأردن ولبنان، فإن لم يكفِ أهل مصر والأقطار الأخرى تعيّن على الأقطار الأبعد... وهكذا، حتى لو احتاج القتال لكل مسلم على وجه الأرض..
    القضية خطيرة جداً..
    انتهاك حرمات المسلمين في بلد ما، وسكوت المسلمين في البلاد الأخرى عن هذا الانتهاك جريمة كبرى، ومخالفة شرعية هائلة..ولذلك فإن قطز رحمه الله سيذهب لنجدة أهل فلسطين وسوريا وغيرها، حتى لو لم يفكر التتار أصلاً في غزو مصر..
    ـ خامساً: للمسلمين دور ناحية التتار أنفسهم..فهؤلاء إن رفضوا الإسلام أو الجزية وجب على المسلمين قتالهم، حتى ولو كانوا في بلادهم، فما بالك لو كانوا في بلاد المسلمين..ووجود التتار بهذه المعتقدات الفاسدة، وبهذه الحروب الهمجية يمثل فتنة كبيرة في الأرض..ولابد للمسلمين أن يقمعوا هذه الفتنة، لأن دور المسلمين في الأرض أكبر بكثير من مجرد تأمين حدود القطر الذي يعيشون فيه، بل عليهم نشر هذا الدين في ربوع الدنيا كلها، وتعليم الناس الإسلام، والأخذ بأيدي كل الناس في كل بقعة على وجه الأرض إلى الله عز وجل..
    يقول الله عز وجل: .
    "كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله"..
    ويقول أبو هريرة رضي الله عنه تعليقاً على هذه الآية كما جاء في صحيح البخارى:
    "خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ"..
    والمقصود بذلك: الفتوح الإسلامية..فالناس يكونون في البداية كارهين لمن يغزو بلادهم، ثم بعد ذلك يعرفون الإسلام فيدخلون فيه، فيُستنقذون بذلك من النار ويدخلون الجنة، ولو ظلّوا على حالهم يعبدون صنماً أو خشباً أو بقراً أو ناراً أو بشراً ما دخلوا الجنة، ولا شموا رائحتها..
    "إن الله لا يغفر أن يُشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء"..
    إذن هذه خمسة أسباب تجعل قطز رحمه الله يفكر في أخذ جيشه، ونقل ميدان المعركة إلى فلسطين بدلاً من مصر..
    وعلى الجانب الآخر فلابد أن قطز كان يعلم أنه كانت هناك بعض الفوائد لانتظار جيش التتار في مصر، فانتقال جيش التتار من فلسطين إلى مصر سيُطيل على التتار خطوط الإمداد والمواصلات، فينقطع التتار بذلك عن قواعدهم، كما أنه سيرغم التتار على اجتياز الصحراء الواسعة في سيناء، وهي صحراء مهلكة للجيش الذي لا يعرف مسالكها ودروبها، كما أن انتظار التتار سيوفر على جيش مصر اجتياز صحراء سيناء وهذا سيوفر كثيراً من طاقة الجيش..
    ومع ذلك فقياس الفوائد المتحققة من نقل ميدان المعركة إلى فلسطين بالنسبة للفوائد المتحققة من انتظار التتار في مصر يجعل القضية واضحة في ذهن قطز، ففوق الأسباب الخمسة التي ذكرناها، والتي تؤيد انتقاله إلى فلسطين.. كان يعلم أن القوات التترية قد أثبتت قبل ذلك كفاءة عالية في اجتياز الموانع الطبيعية المختلفة، وأنهم يجندون الكثير من أبناء المسلمين الذين يبحثون عن الثراء السريع، أو الراغبين في السلطة، أو في الأمان، وهؤلاء سيدلونهم على أقصر الطرق إلى مصر، وأكثرها أمناً، ولذلك فعبور سيناء بالنسبة للجيش التتري أمر متوقع، كما أن قطز رحمه الله كان يطمئن كثيراً إلى جيشه، ويثق في قدراته الحركية، وكفاءته التدريبية، ويعلم أن انتقاله عبر سيناء إلى فلسطين أمر ممكن، بل ميسور إن شاء الله..
    وهكذا ترجحت كفة الانتقال إلى فلسطين..واقتنع الحضور في المجلس العسكري الأعلى الذي عقده قطز رحمه الله برأيه الموفق..وبدأ قطز رحمه الله في إعداد الجيش، وتجهيزه التجهيز المناسب لعبور سيناء وللقاء التتار..

    أول القوة.. الإيمان:
    وتبدأ حملة إعلامية تربوية في غاية الأهمية.. ليست للقائد أو للجيش فقط.. بل للشعب بأكمله!
    لابد أن يُجهّز الشعب لهذا اللقاء الهام..
    لابد أن يعيش الشعب حياة الجد والكفاح، ويترك حياة اللهو واللعب..
    لابد أن يحب الشعب الجهاد..وتتضح في عينه الأهداف..
    ولابد أن يقوم بالحملة الإعلامية رجال مخلصون..فأحياناً يقف بعض المنافقين يتحدثون عن الجهاد، ويشرحون مآسي المسلمين في قطر ما، وما يفعلون ذلك إلا لمصلحة سياسية مؤقتة، فإذا انقضت المصلحة انقطع الوازع، وانقطع معه الكلام عن الجهاد وعن الحرب..
    هؤلاء الخطباء المنافقون، وهذه الأقلام المأجورة لا تصلح لهذه المهمات النبيلة..ولذلك كان لابد أن يحمل مسؤولية الدعاية الإعلامية لحرب التتار علماء الأمة وفقهاؤها..
    انطلق الشيخ العز بن عبد السلام رحمه الله ومن معه من علماء الأمة، يصعدون منابر المساجد، ويلهبون مشاعر الناس بحديث الجهاد..وما أجمل حديث الجهاد..
    لقد رغّبوا الناس في الجنة..وزهّدوهم في الدنيا..وعظّموا لهم أجر الشهداء..
    لقد حدثوهم عن عظماء المسلمين المجاهدين..حدثوهم عن خالد والقعقاع والزبير والنعمان..حدثوهم عن طارق بن زياد وموسى بن نصير ويوسف بن تاشفين وعماد الدين زنكي ونور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي..
    لقد ذكّروهم بأيام الله..ببدر..والأحزاب..وفتح مكة..واليرموك..والقادسية..ونهاوند..
    ذكّروهم بموقعة حطين الخالدة التي لم يمضِ عليها إلا خمسة وسبعون عاماً..
    كما ذكّروهم بموقعتي المنصورة وفارسكور والتي لم يمض عليهما سوى عشر سنين..
    واشتعل الحماس في قلوب الشعب..
    لابد ـ أيها المؤمنون الصادقون ـ من تأهيل الشعب لهذا اليوم..
    لابد أن يُربى الأطفال والشباب على حب الموت في سبيل الله، وعلى تعظيم أمر الجهاد، وعلى حب الجنة..
    ولابد أن يُربى الآباء والأمهات على أن يشجعوا أبناءهم على الجهاد، لا على أن يبعدوا أبناءهم عن كل ما يسبب "المشاكل"، ويهدد الروح ولو كان الدين!..
    ولابد أن تُربى الزوجات على حياة الجهاد..فتحفز الزوجة زوجها على الخروج للجهاد، وترعى أولادها حق الرعاية في غياب زوجها، ولابد أن تُربى على استقبال خبر الشهادة بصبر واحتساب، بل بفرح!..لقد صعد الشهيد من أرض الموقعة إلى الجنة مباشرة..
    إعداد الشعب ليوم الجهاد مهمة عظيمة..وهي ليست سهلة أو بسيطة..إنما تحتاج لمجهود كبير، ولمناهج مكثفة، ولإخلاص عميق، ولوقت قد يكون طويلاً..وبدون هذا التأهيل لن يصبر الشعب على حياة الجهاد، وحياة الحروب، وحياة الحصار..
    الأمر ـ يا إخواني ـ في غاية الجدّية..
    ليس هناك وقت للترفيه ولا للّعب ولا للمزاح!..
    وليس معنى هذا أن الترفيه واللعب والمزاح بالضوابط الشرعية حرام..ولكن حياة الأمة المجاهدة تختلف عن حياة غيرها من الأمم.. الأمة المجاهدة حياتها جادة, فيها شيء من الترفيه.. وليست حياتها لاهية فيها شيء من الجد!
    هذه التربية المركزة جداً تحتاج إلى تغيير جذري في كيان الشعب وفي طريقة تفكيره، وهذا يحتاج إلى مربين من نوع خاص..ولابد من تفعيل دور العلماء للقيام بهذا الواجب العظيم..

    وانطلق علماء الأزهر ليقوموا بمهمتهم النبيلة جداً..لقد فقه علماء الأزهر أن عملهم بالأزهر ليس مجرد وظيفة تدر دخلاً لمجابهة متطلبات الحياة، وليست وظيفة لمجرد الظهور في المحافل المختلفة، وليست وظيفة لإرضاء حاكم أو أمير..إنما فقهوا وظيفتهم السامية في تعبيد الناس ـ كل الناس ـ لرب العالمين، وبالطريقة التي أرادها رب العالمين..
    انطلق علماء الأزهر يقومون بالدور الذي طالما قاموا به منذ أن أقر صلاح الدين الأيوبي رحمه الله المذهب السنّي في مصر..الدور الذي قاموا به أيام الحملات الصليبية، وأيام التتار، والذي قاموا به بعد ذلك في معارك المسلمين اللاحقة مع الصليبيين..ومع الحملة الفرنسية على مصر، ومع الاحتلال الإنجليزي لمصر، ومع الاحتلال اليهودي لمصر..
    ونسأل الله عز وجل أن يضع دائماً أقدام علماء الأزهر على الطريق الصحيح لقيادة الأمة في قضاياها الحرجة، ومواقفها الخطيرة..
    وأصبح شعب مصر مؤهلاً تماماً ليوم اللقاء..
    واستمر إعداد الجيش وتجهيزه، وجمع المتطوعين، وتدريب المجاهدين، وذلك لمدة خمسة شهور، من شهر ربيع الأول سنة 658 هجرية إلى نهاية شهر رجب من نفس السنة..

    مشكلة "عكا"!:
    وفي هذه الأثناء ـ وتجهيز الجيش على قدم وساق ـ كانت هناك جهود دبلوماسية رائعة يقوم بها قطز رحمه الله لتمهيد الطريق إلى اللقاء الكبير المرتقب مع التتار..
    لقد كانت هناك أجزاء ليست بالقليلة من فلسطين ولبنان وسوريا ـ وخاصة على ساحل البحر الأبيض المتوسط ـ محتلة من قبل الإمارات الصليبية، فكانت هناك إمارات صليبية في عكا وحيفا وصيدا وصور وبيروت واللاذقية وأنطاكية وغيرها..وكانت أقوى هذه الإمارات مطلقاً هي إمارة عكا في فلسطين، وهذه الإمارة تقع في طريق قطز رحمه الله إذا أراد أن يحارب التتار في فلسطين..فماذا يفعل قطز رحمه الله مع الصليبيين في عكا؟!..
    تعالوا نفكر مع قطز رحمه الله..
    ـ أولاً: الصليبيون أعداء الأمة كما أن التتار أعداء الأمة، بل إن الصليبيين - كما أشرنا قبل ذلك ـ أشد خطراً على الإسلام من التتار؛ لأن حرب التتار حرب همجية ليست لها جذور ولا أهداف ولا قواعد، فهي لمجرد التدمير، لا لشيء غير التدمير، أما المشروع الصليبي في أرض الإسلام فهو مشروع مختلف، فالصليبيون يحاربون المسلمين حرباً عقائدية، والكراهية شديدة في قلوبهم للمسلمين، وتخطيطهم لحرب الإسلام نفسه، بينما كان التتار يحاربون أي بشر وأي حضارة، والمشروع الصليبي يهدف إلى الاستيطان في بلاد المسلمين، وإحلال النصارى مكان سكان البلد المسلمة الأصلية سواء في فلسطين أو في سوريا أو في لبنان، وشتان بين احتلال الشعوب واحتلال الجيوش!..الجيوش التترية ليس لها - مستقبلاً - إلا المغادرة لا محالة، أما الشعوب الصليبية المستوطنة فقد جاءت لتعيش في هذا المكان.. فكون الصليبيين يحاربون من منطلق عقائدي، وكونهم يحاربون ليستوطنوا في البلاد, وليعيشوا فيها يجعل خطورتهم أكبر من خطورة التتار، مع أن الحروب التترية أشد فتكاً وأكثر تدميراً من حروب الصليبيين، وكلاهما مُرّ..فقطز رحمه الله يعلم أن الصليبيين أعداؤه كما أن التتار أعداؤه، ولابد أن يوضع هذا في الحسبان..
    ـ ثانياً: تاريخ التعاون الصليبي مع التتار قديم ومعروف، فهم الذين رغّبوا التتار أصلاً في بلاد المسلمين من أيام جنكيزخان، وهم الذين ساعدوا هولاكو في إسقاط بغداد ومدن الشام، وما تحالُف التتار مع الأرمن والكرج وأنطاكية ببعيد..فوارد جداً أن يصل التتار إلى تحالف استراتيجي خطير مع الصليبيين في عكا..
    ـ ثالثاً: مع كون هذا التحالف الصليبي التتري أمر وارد، إلا أن قطز رحمه الله كان يعلم أن الصليبيين في عكا يكرهون التتار أيضاً كما يكرهون المسلمين، وهم لا يكرهونهم فقط بل يخافون منهم كذلك..فالتتار لا عهد لهم أبداً..ومذابح التتار الجماعية مشهورة، وفظائعهم في شرق أوروبا وفي روسيا لا تُنسى، وأعداد النصارى الذين قُتلوا على أيدي التتار لا تحصى، كما أن نهب إماراتي صيدا وبيروت على يد التتار لم يمض عليه إلا شهور قليلة..هذا كله بالإضافة إلى الحقد الصليبي الرهيب على هولاكو لأنه فرض بطريركاً أرثوذكسياً يونانياً على كنائس أنطاكية الكاثوليكية الإيطالية، وذلك في سابقة لم تحدث قبل ذلك أبداً، والجميع يعلم العداء المستحكم بين الأرثوذكس والكاثوليك، ونصارى عكا كانوا من الكاثوليك المتعصبين جداً، ولا يتصورون أن يحدث ذلك في أنطاكية فضلاً أن يحدث معهم في عكا..فكل هذه الخلفيات تجعل الصليبيين في عكا يتوجسون خيفة من التتار، ويعاملونهم في حذر شديد..
    ـ رابعاً: الصليبيون في ذلك الوقت ـ في سنة 658 هجرية ـ يعانون من ضعف شديد، فمنذ هزيمة المنصورة سنة 648 هجرية، ومنذ رحيل لويس التاسع ملك فرنسا إلى بلده، وقتل عدد كبير من الجنود الصليبيين في هذه المعركة، وأسر كل الجيش الباقي..منذ كل هذه الأحداث والصليبيون في تدهور مستمر..فإذا أضفنا إلى كل ما سبق تحرير بيت المقدس قبل ذلك في سنة 643 هجرية على يد الصالح أيوب رحمه الله يتضح الوضع الحقيقي للصليبيين الآن..فكل هذه التداعيات أدّت إلى هبوط كبير في إمكانيات وقدرات ومعنويات الجيش الصليبي في عكا..ومن هنا فقطز يعلم أنه يتعامل مع عدو شديد الكراهية، ولكنه ليس شديد القوة..
    ـ خامساً: إمارة عكا إمارة حصينة جداً جداً..بل هي أحصن مدينة على الإطلاق في كل الشام وفلسطين، واستولى عليها النصارى سنة 492 هجرية، أي منذ مائة وست وستين سنة، ومنذ ذلك التاريخ والقواد المسلمون (بمن فيهم صلاح الدين الأيوبي رحمه الله) يفشلون دائماً في فتحها، ولا شك أن قطز يعلم أن فتح المدينة صعب جداً، حتى وإن كانت الإمارة في أشد حالات ضعفها..
    إذن خلاصة هذه الأمور أن الصليبيين أعداء المسلمين كما أن التتار أعداؤهم، وتحالف الصليبيين في عكا مع التتار أمر وارد، وإن كان الصليبيون في عكا يكرهون التتار ويخافون منهم، والصليبيون في أشد حالات ضعفهم الإعدادي والمعنوي، وإن كانت مدينتهم عكا ما زالت أحصن مدن الشام وفلسطين..

    في ضوء هذه المعطيات وجد قطز رحمه الله أن قتال الصليبيين في عكا سيؤثّر سلباً على جيشه..نعم الهدف العام والنهائي لقطز هو تحرير كل البلاد الإسلامية من أي احتلال سواء كان تترياً أم صليبياً، لكن الهدف المرحلي الآن هو قتال التتار، وحصار المدينة الحصينة عكا وقتال حاميتها سيضعف جيش المسلمين، وسيضيع عليهم وقتاً، وسيبدد طاقاتهم، وسيرهق جيشهم قبل الموقعة الكبيرة مع التتار..
    لكن قطز - في نفس الوقت - لا يستطيع أن يحارب التتار في فلسطين دون الانتهاء من مشكلة الصليبيين في عكا، فلو حدث تعاون (صليبي ـ تتري) فإن هذا سيضع الجيش المسلم بين شقي الرحى.. بينالتتار من جهة، وبين الصليبيين من جهة أخرى..
    ومن ثم وجد قطز رحمه الله أن أفضل الحلول هو الإسراع بعقد معاهدة مع الصليبيين في عكا، قبل أن يتحالف الصليبيون مع التتار..
    وأسرع قطز رحمه الله بإرسال سفارة إلى عكا للتباحث في إمكانية إقامة هدنة سلام مؤقتة بين المسلمين والصليبيين، ولو وُفق الوفد المسلم في هذه الهدنة فإن هذا سيحيّد جيش الصليبيين من جهة، وسيُؤمّن ظهر الجيش المسلم من ناحية أخرى، وبالفعل جلس الوفد المسلم مع أمراء الصليبيين يتباحثون في أمر هذه الهدنة، وكان الصليبيون من الضعف بحيث إنهم خافوا ألا يظفروا من المسلمين بعهد فينقلب عليهم المسلمون، ولذلك فقد تقبلوا فكرة الهدنة بسرعة، بل أن بعضهم عرض فكرة التحالف العسكري لقتال التتار، غير أن هذه الفكرة لم تلق موافقة من كلا الطرفين..فبقية أمراء الصليبيين كانوا يخشون من الخروج من عكا بجيشهم فيدخل المسلمون عكا إذا انتصروا على التتار، كما أن المسلمين كانوا لا يضمنون خيانة الصليبيين أثناء القتال، وخاصة أن جيش التتار متعاون مع بعض ملوك وأمراء النصارى (ملك أرمينيا وملك الكرج وأمير أنطاكية(، كما أن قائد التتار الحالي نصراني وهو كتبغا..
    لذلك قبل الطرفان بفكرة الهدنة المؤقتة، وأصر الوفد المسلم على أن تكون هذه الهدنة مؤقتة تنتهي بانتهاء حرب التتار؛ لأنه ليس من المقبول شرعاً أن يقر المسلمون بسلام دائم مع مغتصب للأرض الإسلامية، وليس من الشرع أن يعترف المسلمون بدولة صليبية أو غيرها فوق الأرض الإسلامية مهما تقادم الزمان عليها في احتلال الأرض واستيطانها، واذكروا أن الصليبيين يعيشون الآن في عكا منذ مائة وست وستين سنة، أي أن هناك أجيالاً كاملة ولدت وعاشت وماتت في عكا، ومع ذلك لم يعترف قطز أبداً بأحقية هؤلاء المغتصبين في الأرض الفلسطينية المسلمة..
    ولكن لأن قطز رحمه الله يعلم أن هؤلاء لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة، فإنه أخذ حذره عن طريق الترهيب والترغيب مع الصليبيين..فقد حذرهم الوفد المسلم بشدة من أنه إذا حدثت أي خيانة للعهد، فإن المسلمين سيتركون التتار وينقلبون على الصليبيين، ولن يتركوهم حتى يحرروا عكا، وهكذا فالمعاهدة من منطلق القوة والبأس تختلف كثيراً عن المعاهدة من منطلق الضعف والخَوَر..القوي دائماً يملي شروطه، والضعيف يتلقى شروط الآخر، ولذلك فإذا عاهد المسلمون قوماً آخرين سواء كانوا تتاراً أو صليبيين أو يهوداً فإنهم لابد أن يملكوا وسيلة العقاب للطرف الآخر إذا خالف المعاهدة أو نقض بنداً من بنودها، وإلا فلا معنى للمعاهدة، لأنهم حتماً سيخالفون إذا وجدوا فرصة..
    " أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم، بل أكثرهم لا يؤمنون"..
    كان هذا هو جانب الترهيب..أما الترغيب فإن قطز قد وعدهم أنه في حالة الانتصار على جيش التتار، فإنهم سيبيعون خيول المغول لأهل عكا بأسعار مخفضة..وهذا إغراء كبير، وذلك لحاجة الناس والأمراء والجيوش الشديدة للخيول..وخيول التتار مشهورة بالقوة..
    هذا وقد اتفق قطز أيضاً مع الصليبيين في عكا أن يسهموا في إمداد الجيش المسلم بالمؤن والطعام أثناء تواجده في فلسطين ووافق الصليبيون على ذلك..
    وأصبح بذلك الطريق إلى لقاء التتار آمناً، وبدأ قطز رحمه الله يضع اللمسات الأخيرة في جيشه استعداداً للانطلاق..

    ..وتطهَّر الجيش المسلم!
    وسبحان الله!..برغم كل هذا الإعداد المادي والدبلوماسي والمعنوي والاقتصادي لهذا الجيش، وبرغم التحفيز العظيم الذي قام به العلماء لحثّ الناس على الجهاد، إلا أن هناك بعض المسلمين الضعفاء لم يصدقوا أن القتال أصبح أمراً واقعاً..وبالطبع أنا أقصد ضعفاء القلب لا ضعفاء البدن، فإنهم طوال هذه الفترة يعتقدون أن هذه مجرد نفرة حماسية، وسوف تهدأ الأمور بعدها، اعتقدوا أن هذه كلمات تقال من قطز كعادة الزعماء في الضحك على شعوبهم لمجرد التنفيس عن الضغوط لكي لا يحدث انفجار، وما اعتقدوا أبداً أن قطز رحمه الله يُعدّ إعداداً حقيقياً للقتال..فلما اقتربت ساعة الصفر أيقن هؤلاء أن الأمر حقيقي، وأن اللقاء قريب، بل قريب جداً..
    هنا تزعزعت قلوب هؤلاء الرجال ـ أو صور الرجال ـ وبدءوا يفكرون في الهرب من الجيش..ثم بدأ بعضهم فعلاً في الفرار، والاختباء عن أعين المراقبين, بل إن منهم من خرج بالكلية من مصر ليهرب إلى قطر آخر: فمنهم من هرب إلى الحجاز، ومنهم من هرب إلى اليمن, ومنهم من وصل في هروبه إلى بلاد المغرب!!..
    قد يعتبر بعض المحللين أن هذه خسارة..وأن الجيش فقد بعضاً من عناصره الهامة، أو على الأقل سيصبح الجيش قليلاً في أعين الأعداء..
    لكن سبحان الله!..الخير كل الخير كان في هروب هؤلاء في هذه اللحظات السابقة للقتال!..ولعل الله عز وجل يصعّب جداً من اللقاء قبل حدوثه حتى ينقّي الصف، فلا يخرج إلى القتال إلا من ينوي أن يثبت..
    ماذا يحدث لو خرج هؤلاء المتذبذبون في جيش المسلمين؟
    لقد ردّ الله عز وجل على هذا السؤال بوضوح في سورة التوبة فقال:
    " لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً، ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة، وفيكم سمّاعون لهم، والله عليم بالظالمين"..
    هؤلاء المذبذبون لو خرجوا في الجيش المسلم لأضعفوا قوته، ولبثّوا فيه الاضطراب والقلق، تارة عن غير عمد بخوفهم وجبنهم، وتارة عن عمد بُغية إثارة الفتنة، ورغبة في إضعاف الصف، وهذه ليست المشكلة الوحيدة، بل المشكلة الأكبر أن بعض المسلمين الصادقين قد يستمع إلى كلامهم ويقتنع بتشكيكاتهم، فيفقد المسلمون قوة أخرى هامة..وذلك كما يقول الله عز وجل: "..وفيكم سمّاعون لهم"..ولذلك فخروج هؤلاء من الصف في هذا الوقت المبكر كان مصلحة للجيش المسلم، وإن ظهر للعين غير ذلك، ولذلك لم يحرص قطز رحمه الله كثيراً على إعادة ضمّ هؤلاء؛ فالجندية الحقيقية في الإسلام لا يُهرب منها، بل يُشتاق إليها..
    وهكذا طُهّر الجيش المسلم..

    يتبع


    فقول الحق للطاغي *** هو العزى هو البشرى

    هو الدرب إلى الدنيا *** هو الدرب إلى الأخرى

    فإن شئت فمت عبدا *** وإن شئت فمت حرًّا


    ~ ~ ~

    كرهت عيش النفاق كرهت عيش الدجل

    كرهت عيش السهول أريد عيش الجبل

    اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي

  3. #43
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    الدولة
    والله ما عارف بلدى ولا بلدهم !!
    المشاركات
    4,546

    افتراضي رد: د. راغب السرجانى : سلسلة : التتار .. من البداية إلى عين جالوت

    إلى فلسطين..
    وبدأ تجمع الجيش المسلم في معسكر الانطلاق، وكان هذا المعسكر في منطقة الصالحية بمحافظة الشرقية الآن (انظر الخريطة رقم 18)، وهي منطقة صحراوية واسعة تستوعب الفرق العسكرية المختلفة، وكانت نقطة انطلاق للجيوش المصرية المتجهة إلى الشرق..
    وتجمعت الفرق العسكرية من معسكرات التدريب المنتشرة في القاهرة والمدن الكبرى، ثم أعطى قطز رحمه الله إشارة البدء والتحرك في اتجاه فلسطين..
    اللهم أنت الصاحب في السفر.. والخليفة في الأهل..
    اللهم هوّن علينا سفرنا هذا.. واطو عنا بُعده..
    اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء السفر, وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل..
    واتجه الجيش المسلم من الصالحية إلى اتجاه الشمال الشرقي حتى وصل إلى سيناء، ثم اتجه شمالاً أكثر ليسلك طريق الساحل الشمالي لسيناء بحذاء البحر الأبيض المتوسط..
    كان هذا التحرّك في أوائل شهر شعبان سنة 658 هجرية وهذا يوافق شهر يوليو من سنة 1260 ميلادية، أي أن هذا التحرك كان في أشد شهور السنة حرّاً، والسير في الصحراء القاحلة الطويلة في سيناء، وليس في الطريق مدن آهلة اللهم إلا العريش..ومع ذلك فقد صبر الجيش المجاهد..وليتذكر الجميع غزوة تبوك وما صاحبها من صعوبات شديدة الشبه بما يصاحب هذه الموقعة؛ فالمسلمون في تبوك فوق الحر وفوق الأزمة الاقتصادية وفوق قطع المسافة الصحراوية الطويلة كانوا يذهبون لقتال قوة هائلة هي قوة الرومان، وهذه المرة كذلك يقطع المسلمون المسافة الطويلة في هذا الحر وفي هذه الأزمة الاقتصادية ليقابلوا جيشاً هائلاً هو جيش التتار..والتاريخ يكرّر نفسه..غير أن المسلمين في تبوك لم يجدوا الرومان في انتظارهم فلم تتم المعركة، أما في موقفنا هذا فالتتار كانوا في الانتظار..
    كان قطز رحمه الله يتحرك على تعبئة..بمعنى أنه يتحرك وقد رتّب جيشه الترتيب الذي سيقاتل به لو حدث قتال، وذلك حتى إذا فاجئه جيش التتار كان مستعداً.
    وكان قطز رحمه الله قد وضع على مقدمة جيشه ركن الدين بيبرس القائد العسكري الفذ، ليكون أول من يصطدم بالتتار، فيحدث نصراً ـ ولو جزئياً ـ مما سيرفع من معنويات المسلمين بالتأكيد..
    وكان قطز أيضاً قد سلك في ترتيب جيشه أمراً لم يكن يعهده المعاصرون في زمانه، وذلك على سبيل التجديد في القيادة والإعداد حتى يربك خطط العدو، فكون قطز رحمه الله مقدمة الجيش من فرقة كبيرة نسبياً على رأسها ركن الدين بيبرس، وجعل هذه الفرقة تتقدم كثيراً عن بقية الجيش، وتظهر نفسها في تحركاتها، بينما يتخفي بقية الجيش في تحركاته، فإذا كان هناك جواسيس للتتر اعتقدوا أن مقدمة الجيش هي كل الجيش، فيكون استعداد التتار على هذا الأساس، ثم يظهر بعد ذلك قطز، وقد فاجأ التتار الذين لم يستعدوا له..

    أول النصر.. غزة!!:
    وهكذا اجتاز ركن الدين بيبرس الحدود المصرية في 26 يوليو سنة1260 ميلادية، ودخل حدود فلسطين المباركة، وتبعه قطز بعد ذلك في سيره ..واجتازوا رفح وخان يونس ودير البلح واقتربوا جداً من غزة (انظر الخريطة رقم 19).. وكما ذكرنا من قبل, فإن التتار كانوا قد احتلوا غزة، وحدث ما توقعه قطز رحمه الله, واكتشفت عيون التتار مقدمة الجيش الإسلامي بقيادة ركن الدين بيبرس، واعتقدت أن هذا هو جيش المسلمين كله، ونقلت الأخبار إلى حامية غزة التترية، وأسرعت الحامية التترية للقاء ركن الدين بيبرس، وتم فعلاً بينهما قتال سريع، هذا كله وجيش قطز الرئيسي ما زال يعبر الحدود الفلسطينية المصرية، ولكن كما ذكرنا كانت مقدمة الجيش المسلم مقدمة قوية وقائدها ركن الدين بيبرس قائد بارع، والحامية التترية في غزة صغيرة نسبيًا، والجيش التتري الرئيسي على مسافة كبيرة من غزة، فقد كان جيش التتر بقيادة كتبغا يربض في سهل البقاع في لبنان على مسافة ثلاثمائة كيلومتر تقريباً من غزة، فتم اللقاء في غزة بمعزل عن الجيوش الرئيسية للمسلمين والتتار، وبفضل الله استطاعت مقدمة الجيش المسلم أن تنتصر في هذه الموقعة الصغيرة..وقُتل بعض جنود الحامية التترية، وفرّ الباقون في اتجاه الشمال لينقلوا الأخبار إلى كتبغا في لبنان..
    لقد فوجئت الحامية التترية في غزة!..وكانت المفاجأة سبباً لهزيمة قاسية لهم، وليست المفاجأة الوحيدة في وقعة غزة هي مفاجأة المباغتة أو الخطة العسكرية أو الأبعاد الاستراتيجية في اتخاذ المواقع المناسبة أو غير ذلك من مفاجآت فنون الحرب..إنما المفاجأة الحقيقية للتتار كانت اكتشاف أن هناك طائفة من المسلمين ما زالت تقاتل، وما زالت تحمل السيوف, وما زالت تدافع عن دينها وعن أرضها وعن شرفها وعن كرامتها..لقد ألف التتار أن يجدوا جموع المسلمين يفرون ويهربون، وألف زعماء التتار أن يجدوا زعماء المسلمين يطلبون التحالف المخزي والركوع المذل..وما توقعوا أن تظل هناك طائفة مسلمة تدافع عن حقها..
    لقد كان هذا هو ظن التتار، وهو ظن ليس في محلّه حتماً، فإن هذه الأمة مهما ضعفت فإنها لا تموت، ومهما ركع منها رجال فسيظلّ فيها آخرون يدافعون عنها ما بقيت الحياة..
    روى الإمام مسلم عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم:
    "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله"
    وسبحان الله!!..ففي رواية الإمام أحمد عن أبي إمامة رضي الله عنه هناك زيادة هامة، وهي أن الصحابة سألوا عن هذه الطائفة فقالوا: "يا رسول الله وأين هم؟"قال"ببيت المقدس، وأكناف بيت المقدس!"..
    ومع أن الذين قاتلوا التتار في غزة, ثم بعد ذلك في عين جالوت لم يكونوا -في المعظم ـ من أهل بيت المقدس ولا فلسطين، إلا أن الله سبحانه وتعالى قد جعل هذا المكان الطاهر "فلسطين"موطناً لانتصارات المسلمين..
    نعم قد تحدث هنّات وسقطات.. لكن حتماً يكون هناك قيام..
    على أرض فلسطين وما حولها من أرض الشام وُجهت ضربات إسلامية موجعة للإمبراطورية الرومانية في أجنادين وبيسان واليرموك وبيت المقدس..
    وعلى أرض فلسطين وما حولها وجهت ضربات إسلامية موجعة للصليبيين في حطين وطبرية وبيت المقدس..
    وعلى أرض فلسطين وجهت ضربات إسلامية موجعة للتتار في غزة ثم في عين جالوت كما سنرى ثم في بيسان.
    وعلى أرض فلسطين وجهت ضربات إسلامية موجعة لبقايا الصليبيين بعد ذلك في عكا وعسقلان وحيفا..
    وعلى أرض فلسطين وجهت ضربات إسلامية موجعة للفرنسيين في عكا..
    وعلى أرض فلسطين كذلك وجهت ضربات إسلامية موجعة للإنجليز في الثورات المختلفة وأشهرها ثورة 1936 والتي استمرت قرابة أربع سنوات..
    وعلى أرض فلسطين وُجِّهَت ـ وما زالت تُوَجَّه ـ ضربات إسلامية موجعة لليهود..
    وسيكون هلاك اليهود ـ بإذن الله ـ على هذه الأرض..
    وستكون الحرب الأخيرة بين المسلمين واليهود على هذه الأرض، وسيقتلهم المسلمون..
    هذا ليس استنتاجاً أو استنباطاً، إنما هو حقيقة كونية، وبشارة نبوية!!..
    روى الإمام مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ, فَيَقْتُلُهُمْ الْمُسْلِمُونَ.. حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ, فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوْ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ.. يَا عَبْدَ اللَّهِ.. هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ... إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ "...
    نعود إلى بيبرس وإلى قطز وإلى الجيش المسلم..
    لقد انتصر المسلمون على التتار، ولو كان هذا الانتصار جزئياً أو مرحلياً أو بسيطاً..
    بعض المؤرخين يُبَسّطون جداً من شان معركة غزة، حتى يتغافلها بعضهم تماماً، والحق أنها كانت - في رأيي - من أهمّ المواقع الحربية في تاريخ المسلمين، ليس لكثرة قتلى التتار، ولا لأهمية غزّة الاستراتيجية ولا لغير ذلك، إنما في الأساس لأنها عالجت الهزيمة النفسية عند المسلمين..
    لقد رأى المسلمون بأعينهم أن التتار يفرّون، وسقطت المقولة التي انتشرت في تلك الآونة، التي كانت تقول: "من قال لك أن التتار يُهزمون فلا تصدقه"..
    الآن من الممكن أن تصدقه..هذه أول مرة يهزم فيها التتار منذ سنين طويلة..
    لقد كان لموقعة غزة أثر إيجابي هائل على جيش المسلمين، وكان لها أيضاً أثر سلبي هائل على جيش التتار..
    ولا يجب أن يستصغر المسلمون عملاً من الأعمال..
    لا يستصغرنّ مسلم أن حجارة تُلقى على يهودي فيجري ويهرب..
    ولا يستقلنّ مسلم أن يُقتل جندي يهودي أو أمريكي..
    الهزيمة الحقيقية يا إخوة هي هزيمة الروح والنفس..والانتصارات المرحلية البسيطة ـ وإن كانت عسكرياً لا تمثل الكثير ـ إلا أنها تفيد كثيراً في رفع الروح المعنوية للأمة..

    إلى عين جالوت..:
    اتجه الجيش المسلم بعد انتصار غزة إلى ناحية الشمال وهم يسيرون بحذاء ساحل البحر الأبيض المتوسط ليمرّوا على المدن الإسلامية العظيمة الواحدة تلو الأخرى، فمرّوا على عسقلان ثم على يافا )المدينة الإسلامية الجميلة) - نسأل الله أن يحررها وأن يحرر كل فلسطين من دنس اليهود - ومن المعروف يا أخواني أن مدينة تل أبيب قد أنشئت في شمال يافا مباشرة، ثم أكمل قطز والجيش المسلم طريقه في اتجاه الشمال، فمرّ في غرب طولكرم، ثم وصل إلى مدينة حيفا، ثم اتجه شمالاً بعدها إلى عكا المدينة المسلمة المحتلة من قبل الصليبيين (انظر الخريطة رقم 19)..
    وعسكر قطز رحمه الله في الحدائق المحيطة بحصن عكا في السهل الواقع في شرق عكا، ثم بدأت المراسلات بين قطز رحمه الله وأمراء عكا الصليبيين للتأكيد على الاتفاقيات السابقة، وأرسل قطز رحمه الله وفداً من الأمراء المسلمين، فدخلوا حصن عكا، وأحسن الأمراء الصليبيون استقبال المسلمين، وأكّد الطرفان على ما سبق الاتفاق عليه، وتكررت الزيارات أكثر من مرة، واطمأن الطرفان على استقرار الوضع، ومن ثم عزم قطز على الرحيل من عكا واختيار مكان مناسب للّقاء الهام المرتقب بينه وبين التتار..
    وعندما بدأ قطز رحمه الله في مغادرة منطقة عكا أشار عليه أحد الأمراء الذين قاموا بالسفارة بينه وبين الأمراء الصليبيين أن عكا الآن في أشد حالات ضعفها، وأنهم مطمئنون إلى المعاهدة الإسلامية، وغير جاهزين للقتال، فإذا انقلب عليهم قطز فجأة فقد يتمكن من إسقاط حصن عكا، وتحرر المدينة الإسلامية بعد مائة وست وستين سنة من الاحتلال، فرد عليه قطز رحمه الله رداً قاطعاً صارماً واضحاً..قال: "نحن لا نخون العهود!"..
    يا الله!!الرؤية واضحة جداً جداً في عين قطز رحمه الله..
    هذه قيادة تأخذ بأسباب النصر الحقيقية..ومن أسباب النصر الحقيقية اتباع شروط الله عز وجل في كل صغيرة وكبيرة، وحفظ العقود وعدم نقض المواثيق من صميم شرع الله عز وجل..
    يقول الله تعالى: "يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود "..
    وأنا أريد أن أنقل للصليبيين ولليهود وللتتار وللعالم أجمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الترمذي وأبو داود، وقال الترمذي حسن صحيح عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
    "من كان بينه وبين قوم عهد، فلا يَحُلنَّ عهداً، ولا يشدنه )أي لا يغيرن العهد بأي طريقة) حتى يمضي أمده، أو ينبذ إليهم على سواء"..
    فإما أن تنقضي مدة العهد، وإما أن تخبر أعداءك بأنك لسبب أو لآخر ستقطع العهد ..أما الغدر فلا مكان له في العقود الإسلامية..
    هذا هو دين الإسلام..وهذا هو شرع الإسلام..وهذه هي قوانين الإسلام..وهؤلاء هم قادة الإسلام..
    وهكذا ترك قطز رحمه الله عكا، واتجه إلى الجنوب الشرقي منها ليبحث عن مكان يصلح للمعركة القادمة..

    في هذه الأثناء كان كتبغا قد وصلته فلول جيش التتار الفارة من غزّة ينقلون إليه تحركات الجيش المسلم، فغضب كتبغا غضباً شديداً لهزيمة حاميته العسكرية في غزة، وغضب أكثر لأن هناك من المسلمين من يتجمع لقتاله، وكأنّ الأصل أن المسلمين ليس لهم حق المقاومة، فإن قاوموا عدوهم كان هذا داعياً لغضب كتبغا والتتار!!..وعقد كتبغا اجتماعاً استشارياً مع قادته، وحضر هذا الاجتماع الأشرف الأيوبي أمير حمص، واتخذ كتبغا قراره في هذا الاجتماع أن يتوجه بسرعة لحرب هؤلاء المتطرفين المسلمين الذين سيقوضون عملية السلام الدائرة بين كتبغا وبين الزعماء المسلمين..ويهددون المباحثات التترية ـ الإسلامية بالفشل..
    وكان واضحًا أن حركة التتار في اتجاه المسلمين كانت بطيئة جداً، لأن قطز قطع معظم الساحل الفلسطيني من أقصى جنوبه إلى أقصى شماله دون أن يدخل التتار حدود فلسطين أصلاً، مع أن المسافة بين سهل البقاع اللبناني حيث يعسكر جيش التتار والحدود اللبنانية الفلسطينية لا تزيد عن مائة كيلومتر، وهي مسافة تقطعها الجيوش عادة في يومين أو ثلاثة..
    المهم أن قطز هو الذي بدأ التحرك للبحث عن المكان المناسب للمعركة، وبذلك يسجل نقطة هامة لصالحه، ويستطيع أن يرتب جيوشه في وضع أفضل، ويختبر المنطقة، ويعلم طبيعتها وخباياها..
    وتحرك كتبغا في اتجاه الجنوب بين جبال لبنان حتى دخل فلسطين من شمالها الشرقي غرب مرتفعات الجولان، ثم عبر نهر الأردن، ووصل إلى الجليل الشرقي، واكتشفت الاستطلاعات الإسلامية المنتشرة في المنطقة تحركات كتبغا، ونقلت الأخبار بسرعة إلى قطز الذي كان قد غادر عكا في اتجاه الجنوب الشرقي، فأسرع قطز باجتياز مدينة الناصرة، وتعمق أكثر في الجنوب الشرقي حتى وصل إلى منطقة تعرف بسهل عين جالوت، وهي تقع في الوسط تقريباً بين مدينتي بيسان في الشمال ونابلس في الجنوب، وهي بالقرب جداً من معسكر جنين الآن (انظر الخريطة رقم 19)، وهي المنطقة التي ستدور فيها معركة من أهم المعارك في تاريخ الأرض، وسبحان الله فإن الأيام قد دارت وحدثت موقعة أخرى شريفة على أرض جنين بين المجاهدين الفلسطينيين وبين اليهود، وذلك في عام2002 ميلادية، وزاد شهداء المسلمين فيها على خمسمائة بعد أن صبروا في قتالهم صبراً عجيباً..

    ويقع سهل عين جالوت على مسافة65 كيلومتر جنوب منطقة حطين التي دارت فيها الموقعة الخالدة حطين في سنة583 هجرية قبل خمسة وسبعين سنة من وقعة عين جالوت، ويقع كذلك على مسافة حوالي ستين كيلومتر إلى الغرب من منطقة اليرموك حيث دارت المعركة الخالدة بقيادة خالد بن الوليد وأبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهما ضد الروم منذ أكثر من ستة قرون..
    وهكذا ساهمت هذه الذكريات في رفع الروح المعنوية للجيش الإسلامي إلى أقصى درجة..

    وجد قطز رحمه الله سهل عين جالوت منطقة مناسبة جداً للمعركة المرتقبة؛ فهو عبارة عن سهل واسع منبسط تحيط به التلال المتوسطة من كل جوانبه إلا الجانب الشمالي فهو مفتوح..كما تعلو هذه التلال الأشجار والأحراش، مما يوفر مخبأً مناسباً جداً للجيش الإسلامي؛ فيسهل عمل الكمائن الكثيرة على جوانب السهل المنبسط..
    ورتّب قطز جيشه بسرعة..فوضع على ناحية السهل الشمالية مقدمة جيشه بقيادة ركن الدين بيبرس, وجعلها في مكان ظاهر حتى يغري جيش التتار بالقدوم إليها، بينما أخفي قطز رحمه الله بقية الجيش خلف التلال والأحراش..

    كان هذا الترتيب والإعداد في 24 رمضان من سنة 658 هجرية في العشر الأواخر من شهر رمضان الكريم..وهو الشهر الذي حدثت فيه الانتصارات الإسلامية الخالدة قبل ذلك..مثل بدر وفتح مكة وفتح الأندلس...وانتظر المسلمون على تعبئة..وعيونهم الاستخبارية تنقل أخبار كتبغا وجيش التتار، وقد اقتربوا جداً من سهل عين جالوت..
    وما بقيت إلا ساعات قليلة ويحدث الصدام المروع بين قوة أمة الإسلام وقوة التتار..
    ونسأل الله عز وجل النصر الدائم للإسلام والمسلمين..


    يتبع
    فقول الحق للطاغي *** هو العزى هو البشرى

    هو الدرب إلى الدنيا *** هو الدرب إلى الأخرى

    فإن شئت فمت عبدا *** وإن شئت فمت حرًّا


    ~ ~ ~

    كرهت عيش النفاق كرهت عيش الدجل

    كرهت عيش السهول أريد عيش الجبل

    اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي

  4. #44
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    الدولة
    والله ما عارف بلدى ولا بلدهم !!
    المشاركات
    4,546

    افتراضي رد: د. راغب السرجانى : سلسلة : التتار .. من البداية إلى عين جالوت

    فقول الحق للطاغي *** هو العزى هو البشرى

    هو الدرب إلى الدنيا *** هو الدرب إلى الأخرى

    فإن شئت فمت عبدا *** وإن شئت فمت حرًّا


    ~ ~ ~

    كرهت عيش النفاق كرهت عيش الدجل

    كرهت عيش السهول أريد عيش الجبل

    اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي

  5. #45
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    الدولة
    والله ما عارف بلدى ولا بلدهم !!
    المشاركات
    4,546

    افتراضي رد: د. راغب السرجانى : سلسلة : التتار .. من البداية إلى عين جالوت

    موقعة عين جالوت


    جاء جيش كتبغا وقد امتلأ بالصلف والغرور والكبر تسبقه سمعته العالية في سفك الدماء وتخريب الديار وإفناء البشر..وقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتواً كبيراً..ومر الجيش غرب بيسان، وانحدر جنوباً في اتجاه عين جالوت حيث كانت القوات الإسلامية قد أخذت مواقعها ورتبت صفوفها ووقفت في ثبات تنتظر الجيش التتري..
    وبينما قطز في سهل عين جالوت إذا بأعداد غفيرة من المتطوعين المسلمين من أهل فلسطين يخرجون من القرى والمدن ليلتحقوا بالجيش المسلم، وقد تيقنوا أن حرباً حقيقية ستحدث قريبًا..
    سبحان الله!!..
    لابد أن نتساءل..
    أين كان هؤلاء المتطوعون يوم جاءت فرقة تترية بسيطة فاخترقت فلسطين من شمالها إلى جنوبها حتى احتلت مدينة من أواخر المدن في فلسطين: مدينة غزة؟!..
    كيف تحرك هؤلاء الآن إلى سهل عين جالوت؟
    لماذا قعدوا قبل ذلك؟ ولماذا قاموا الآن؟!!
    الإجابة في منتهى البساطة..
    إنها القدوة..
    "التربية بالقدوة"..
    هذه كلمة ذكرناها كثيراً منذ أن تكلمنا عن قطز رحمه الله وعن جيشه الصادق..
    هناك الكثير من المؤمنين الصادقين الذين يريدون خدمة الدين ورفعة الإسلام، لكنهم لا يجدون قدوة صالحة يقلدونها، أو قائداً مخلصاً يتبعونه..لقد ألف هؤلاء البسطاء في فلسطين أن يروا قوادهم في الشام يعقدون الأحلاف المهينة مع التتار، ويفتحون لهم الحصون والديار، ويمدون لهم الجسور، ويمهدون لهم الطريق..
    لقد افتقد هؤلاء المسلمون البسطاء القدوة الصالحة..فلم يظهر الخير الكثير الذي بداخلهم، فلما جاء قطز رحمه الله ومن معه من المؤمنين الصادقين، وقطعوا هذا الطريق كله إلى أرض الموقعة، وهم يتقدمون في ثبات، ولم يفعلوا مثلما فعل الناصر يوسف الأيوبي عندما فر بمجرد سماعه أن جيش التتار قد اقترب... لما رأوا كل ذلك تحمست قلوبهم، وخرجت العواطف الكامنة في صدورهم، وتحركت فيهم الحمية لهذا الدين، فهانت عليهم التضحية، وهان عليهم الجهاد..
    نعم هؤلاء ليسوا كالجيش النظامي في قدراته ومهاراته، لكنهم متحمسون ومتشوقون إلى العمل في سبيل الله..وهذه الحماسة تنفع كثيراً في ميادين القتال..كما أن قطز رحمه الله استخدمهم في سلاح الخدمات الخاص بالقوات الإسلامية، ووفر طاقة الجنود الذين كانوا يقومون بهذه الأعمال، واستخدم هؤلاء الجنود في العمليات القتالية بعد أن قام المتطوعون بدورهم..
    وسلاح الخدمات يشمل نقل العتاد والمعدات، والاهتمام بشئون الطعام والشراب، وإمداد الجنود بالسهام والرماح، ورعاية الخيول، ونقل الجرحى ومداواتهم..وهذه أعمال كثيرة تستنفد جهداً ووقتاً، وهي ـ وإن كان لا يشترط فيها كفاءة قتالية، ولا مهارة عسكرية -إلا أن لها أهمية قصوى في نجاح المعركة..وهكذا استفاد قطز رحمه الله من كل طاقات المتطوعين الفلسطينيين..وكل ميسر لما خلق له..
    ثم إنه بالإضافة إلى هذه الأعمال فإن الجيش المسلم سيظهر في عيون الجيش الكافر أضعافاً مضاعفة، ولا شك أن هذا سيبث الرعب في قلوب الكافرين..فتكثير سواد المسلمين أمر لا يُستهان به أبداً..
    وإلى جانب أولئك المتطوعين اجتمع الكثير من الفلاحين من القرى المختلفة ممن لا يستطيع قتالاً ولا خدمة، إما لكبر سن أو لعجز أو لمرض، واجتمع كذلك النساء والصبيان، واصطفوا بأعداد كبيرة على طرفي سهل عين جالوت، وقد علت أصواتهم بالتكبير والدعاء، وارتفعت صيحاتهم التشجيعية للقوات الإسلامية، وتحركت ألسنتهم وأيديهم وقلوبهم بالدعاء لرب العالمين أن ينصر الإسلام وأهله، ويُذل الشرك وأهله..
    كل هذه الأحداث في يوم 24 رمضان من سنة 658 هجرية، وهو اليوم السابق مباشرة للموقعة الرهيبة: عين جالوت..

    جند الله في جيش التتار!!:
    وبينما هم كذلك جاء رجل من أهل الشام وهو يسرع المسير، ويطلب أن يقابل أمير القوات الإسلامية قطز ومن معه من بقية الأمراء، وقال إنه رسول جاء من قبل "صارم الدين أيبك"..
    وصارم الدين أيبك هو أحد المسلمين الذين أسرهم هولاكو عند غزوه بلاد الشام، ثم قبل الخدمة في صفوف جيش التتار، واشترك معهم في مواقعهم المختلفة، وجاء معهم إلى موقعة عين جالوت، ولا ندري إن كان قد قبل التعاون مع التتار لرغبة في نفسه، أم قَبِل ذلك مضطراً وهو يعد العدة لينفع المسلمين..لا ندري هذا، فهذا بينه وبين الله عز وجل..
    لكن ما نعلمه أنه قبيل موقعة عين جالوت قرر أن يخدم جيش المسلمين بقدر ما يستطيع!..وسبحان الله.."وما يعلم جنود ربك إلا هو"..
    فهذا الرجل لا يعرفه قطز، ولا يعرفه أمراء الجيش الإسلامي، ولكن الله عز وجل وضعه في هذا المكان ليقدم للمسلمين خدمات جليلة..والذي ساقه في ذلك التوقيت الفريد هو الذي ساق نعيم بن مسعود رضي الله عنه من قبل ليسلم في أثناء غزوة الأحزاب، وليكون سبباً رئيسياً من أسباب نصر المسلمين!!
    ولنلاحظ تدبير رب العالمين: لما جاءت القوات الإسلامية إلى فلسطين، وتحرك كتبغا في اتجاه عين جالوت، أرسل صارم الدين أيبك ذلك الرسول إلى قطز ليخبره ببعض المعلومات الهامة جداً عن جيش التتار..
    وقد نقل هذا الرسول إلى قطز رحمه الله المعلومات التالية:
    ـ أولاً:جيش التتار ليس بقوته المعهودة، فقد أخذ هولاكو معه عدداً من القادة والجند (وذلك عند ذهابه إلى تبريز بفارس)؛ فلم يعد الجيش على نفس الهيئة التي دخل بها إلى الشام، فلا تخافوهم..
    وكانت هذه معلومة في غاية الأهمية فعلاً، لأنها رفعت الروح المعنوية جداً عند من كان في قلبه خوف من التتار، ولابد أنك ستجد في هذا الجيش من يحدث نفسه أو يحدث أخاه عن حروب التتار السابقة، وكيف أنهم أهلكوا البلاد والعباد..فكانت هذه المعلومة الهامة شحنة قوية أمدت الجيش الإسلامي بطاقة عالية..
    ـ ثانيا:ميمنة التتار أقوى من ميسرتهم، فعلى جيش المسلمين أن يقوي جداً من ميسرته والتي ستقابل ميمنة التتار..
    ـ ثالثاً: (وهو خبر هام) أن الأشرف الأيوبي أمير حمص سيكون في جيش التتار بفرقته، ومعه صارم الدين أيبك، ولكنهم سوف ينهزمون بين يدي المسلمين..أي أن الرسالة تقول أن الأشرف الأيوبي قد راجع نفسه، وآثر أن يكون مع جيش قطز، ولكنه خرج مع جيش التتار مكيدة لهم، وتفكيكاً لصفهم..
    كانت هذه الأخبار في غاية الأهمية، وجاءت في وقت مناسب، ولكن الحكمة تقتضي ألا يعتمد المسلمون على هذه المعلومات، لأنها قد تكون خدعة من التتار أو من الأشرف الأيوبي أو من صارم الدين أيبك ..
    لذلك قال الأمراء بعضهم لبعض في حكمة بالغة، وخبرة عسكرية فائقة:
    "لا يكون هذا معمولية على المسلمين"..
    يعني لا يكون هذا شيئاً عمله التتار ليخدعوا به المسلمين..
    ومع ذلك أخذ المسلمون حذرهم، واستفادوا من هذه الأمور دون تفريط في إعداد، أو تهاون في الاحتياط والحذر..
    وبذلك انتهى يوم الرابع والعشرين من رمضان..
    وقضى المسلمون الليل في القيام والابتهال والدعاء والرجاء..
    لقد كانت هذه ليلة من أعظم ليالي السنة لأنها في العشر الأواخر من رمضان..
    بل إنها كانت ليلة وترية، ومن المحتمل أن تكون ليلة القدر..
    غير أنها كانت كذلك ليلة من أعظم ليالي الدنيا لأنها الليلة التي تسبق يوم الجهاد، وفي صبحها سيكون لقاء عظيم يثأر فيه المسلمون لدماء الملايين من المسلمين التي سُفكت على أيدي هؤلاء التتار الهمج..
    هذه يا أخوة ليلة خالدة حقاً..
    ترى كيف كانت أحاسيس قطز رحمه الله في هذه الليلة؟
    أكاد أجزم أنها كانت قريبة من أحاسيس خالد بن الوليد رضي الله عنه في الليالي التي تسبق معاركه!!
    يقول خالد بن الوليد رضي الله عنه:
    "ما ليلة تزف إليّ فيها عروس ـ أنا لها محب ـ أو أبشر فيها بغلام، بأحب عندي من ليلة شديدة البرد، في سرية من المهاجرين، أصبّح بهم أعداء الله"..
    متعة حقيقية لا يشعر بها إلا المجاهدون حقيقة..
    لا شك أن قطز رحمه الله كان يقضي هذه الليلة في محرابه يدعو الله عز وجل أن ينزل نصره على أوليائه، وأن يثبت أقدام المجاهدين..لقد كانت هذه ليلة طال انتظارها..فهذه ليلة كان يعد لها قطز منذ أن ارتقى عرش مصر وإلى الآن..
    لقد اجتهد قطز رحمه الله كثيراً في الزرع، وغداً هو يوم الحصاد..

    وحان وقت الفجر..وصلى المسلمون الفجر في خشوع..ورتبوا صفوفهم بعد الصلاة واستعدوا، وما هي إلا لحظات وأشرقت الشمس..هذا يوم الجمعة الخامس والعشرون من رمضان سنة 658 هجرية, وبشروق الشمس أضاءت الدنيا, ورأى المسلمون من بعيد....جيش التتار!!..
    أتى الجيش التتري المهول من اتجاه الشمال، وبدأ في الاقتراب من سهل عين جالوت، وعلى أبواب السهل وقف الجيش التتري في عدده الرهيب وعدته القوية..
    ولم يكن بالسهل أحد من المسلمين، فقد كانوا يقفون جميعاً خلف التلال..
    لكن ـ كما أشرنا من قبل ـ فإن مقدمة جيش المسلمين بقيادة ركن الدين بيبرس كانت لا تخفي نفسها، وذلك حتى يعتقد جواسيس التتار أن هذه المقدمة هي كل الجيش..ومع ذلك فعند قدوم جيش التتار كانت هذه المقدمة مختفية هي الأخرى، ثم أشار لها قطز رحمه الله أن تنزل من فوق التلال للوقوف على باب السهل لقتال الجيش التتري..

    "سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب!":
    وبدأت القوات الإسلامية تنساب من فوق التل إلى داخل سهل عين جالوت، ثم تتجه إلى شمال السهل للاقتراب من جيش التتار..
    ولم تنزل مقدمة الجيش دفعة واحدة، إنما نزلت على مراحل، وفي صورة عجيبة..
    وأترك الحديث لصارم الدين أيبك ـ الرجل المسلم في جيش التتار ـ والذي كان يقف بجوار "كتبغا"وهو يصف القوات الإسلامية وهي تنزل من فوق التلال..
    يقول صارم الدين أيبك:
    "فلما طلعت الشمس ظهرت عساكر الإسلام، وكان أول سنجق أحمر وأبيض، وكانوا لابسين العدد المليحة"..
    موقف في غاية الروعة..
    لقد نزلت الكتيبة الإسلامية الأولى وهي تلبس ملابس أنيقة أحمر في أبيض.. للفرقة كلها زي واحد، وكانوا يلبسون العدد المليحة، بمعنى أن الدروع والسيوف والرماح والخيول كانت في هيئة مليحة )جميلة(.. لقد نزلوا بخطوات ثابتة، وبنظام بديع..
    الجنود الإسلاميون ينزلون إلى ساحة المعركة في غاية الأناقة والبهاء..وكأنهم في عرض عسكري..لهم هيبة..وعليهم جلال..ويوقعون في قلب من يراهم الرهبة..
    وهذه هي الكتيبة الأولى..
    استمعوا إلى وصف صارم الدين أيبك وهو يتكلم عن كتبغا السفاح التتري الجبار..
    يقول صارم الدين أيبك:
    "فبهت كتبغا ..وبهت من معه من التتار"..
    سبحان الله!!.."فبهت الذي كفر، والله لا يهدي القوم الظالمين"..
    هذه أول مرة يرى فيها كتبغا جيش المسلمين على هذه الصورة، لقد كان معتاداً أن يراهم وراء الحصون والقلاع يرتجفون ويرتعبون، أو يراهم وهم يتسارعون إلى الهروب فزعاً من جيش التتار، أو يراهم وهم يسلمون رقابهم للذبح الذليل بسيوف التتار!!..كان كتبغا معتاداً على رؤية المسلمين في إحدى هذه الصور المهينة، أما أن يراهم في هذه الهيئة المهيبة العزيزة فهذا ما لم يحسب له حساباً أبداً!!
    قال كتبغا في فزع: "يا صارم، رُنك من هذا؟! "
    "ورنك"كلمة فارسية تعني "لون"، وهو يقصد كتيبة من هذه؟ إنها كتيبة مرعبة..
    وكانت فرق المماليك تتميز عن بعضها البعض بلون خاص..فهذه الفرقة مثلاً لونها الأحمر في الأبيض، فكانت تلبس الأحمر والأبيض، ولها رايات بنفس اللون، وتضع على خيولها وجمالها وأسلحتها نفس الألوان، وتضع على خيامها نفس الألوان، وكذلك على بيوتها في مصر، وعلى مخازنها وغير ذلك..فكانت هذه بمثابة الشارة التي تميز هذه الفرقة أو الكتيبة..
    فسأل كتبغا في فزع: رنك من هذا؟
    فقال صارم الدين أيبك: رنك "سنقر الرومي"أحد أمراء المماليك..
    ومهما كانت عظمة الكتيبة المسلمة وبهاؤها فإننا لا نستطيع أن نفهم رعب القائد التتري السفاح زعيم الجيش التتري المهول من هذه الكتيبة الصغيرة جداً بالقياس إلى جيش التتار إلا في ضوء حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما وقال فيه:
    "نُصِرت بالرعب مسيرة شهر"..
    وفي رواية أحمد عن أبي إمامة زيادة: "نصرت بالرعب مسيرة شهر يقذفه في قلوب أعدائي"..
    يقول الإمام السندي رحمه الله في شرح الحديث: هذا رعب يُقذف في قلوب الأعداء بلا أسباب ظاهرية، ومع ذلك فقد أخذ قطز رحمه الله بالأسباب الظاهرية قدر استطاعته، فحُسن الإعداد، وجمال الصورة، ودقة التنظيم، وبراعة الترتيب..كل هذه أمور جعلت رعب التتار أمراً متحققاً، بالإضافة إلى أن الرعب جندي من جنود الله عز وجل..
    ويقول الإمام السندي رحمه الله: إن هذه خاصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بقيت آثار هذه الخاصية في خلفاء أمته ما داموا على حاله..
    نعود إلى كتبغا سفاح التتار وهو يراقب نزول الكتائب الإسلامية من فوق التلال..
    فبعد نزول الكتيبة الأولى: كتيبة سنقر الرومي نزلت كتيبة أخرى تلبس الملابس الصفراء عليها من البهاء والجمال ما لا يوصف..
    تزلزل كتبغا وقال لصارم: هذا رنك من؟
    قال صارم: هذا رنك بلبان الرشيدي أحد أمراء المماليك..
    ثم تتابعت الكتائب الإسلامية بألوانها الرائعة المختلفة، وكلما نزلت كتيبة سأل كتبغا: رنك من هذا؟..فيقول صارم: فصرت أي شيء يطلع على لساني قلته..يعني بدأ يقول أسماء مخترعة لا أصل لها، لأنه لا يعرف هذه الكتائب، ولكنه يريد أن يرعب كتبغا بكثرة الفرق الإسلامية..
    وكل هذه الفرق ـ يا إخواني ـ هي مقدمة جيش المسلمين فقط، وهي أقل بكثير من جيش التتار الرهيب؛ فقد احتفظ قطز رحمه الله بقواته الرئيسية خلف التلال، وقد قرر ألا تشترك في المعركة إلا بعد أن تُنهَك قوات التتار..
    وبعد أن نزلت مقدمة المسلمين بقيادة ركن الدين بيبرس بدأت فرقة الموسيقى العسكرية الإسلامية المملوكية تظهر على الساحة، وانطلقت في قوة تدق طبولها وتنفخ في أبواقها وتضرب صنوجها النحاسية..لقد كانت الجيوش المملوكية تتلقى الأوامر عن طريق هذه الدقات التي لا يعرفها الأعداء..فكانت هناك ضربات معينة للميمنة وضربات معينة للميسرة وضربات معينة للقلب، وكانت هناك ضربات للتقدم وضربات للانسحاب، وكانت هناك ضربات خاصة لكل خطة عسكرية، وبذلك يستطيع القائد قطز رحمه الله أن يقود المعركة عن بعد، وعلى مساحة شاسعة من الأرض من خلال دقات هذه الآلات الضخمة..هذا فوق الرهبة التي كانت تقع في قلوب الأعداء من جراء سماع هذه الأصوات المزلزلة، بينما كانت هذه الدقات تثبت المسلمين، وتشعرهم بمعية القائد لهم في كل تحرك من تحركاتهم..
    ووقف الأمير ركن الدين بيبرس بقواته على المدخل الشمالي لسهل عين جالوت، بينما ترك السهل بكامله خالياً من خلفه، واقتربت جداً ساعة الصفر..

    واحتدم اللقاء!
    ونظر كتبغا إلى مقدمة القوات الإسلامية وكان لا يدرك شيئاً عن القوات الرئيسية المختبئة خلف التلال، فوجد أن قوات المقدمة الظاهرة أمامه قليلة جداً بالنسبة لقواته..ومع ذلك فهي في هيئة حسنة ومنظر مهيب، فأراد كتبغا أن يحسم المعركة لصالحه من أول لحظاتها..لذلك قرر أن يدخل بكامل جيشه وقواته لحرب مقدمة المسلمين..
    وهذا تماماً ما كان يريده الملك المظفر قطز رحمه الله ..
    وأعطى كتبغا قائد التتار إشارة البدء لقواته..
    وانهمرت جموع التتار الرهيبة وهي تصيح صيحاتها المفزعة على مقدمة جيش المسلمين..
    أعداد هائلة من الفرسان ينهبون الأرض في اتجاه القوات الإسلامية..
    أما القائد المحنك ركن الدين بيبرس فقد كان يقف في رباطة جأش عجيبة, ومعه الأبطال المسلمون يقفون في ثبات، وقد ألقى الله عز وجل عليهم سكينة واطمئناناً، وكأنهم لا يرون جحافل التتار..
    حتى إذا اقتربت جموع التتار أعطى بيبرس إشارة البدء لرجاله..فانطلقوا في شجاعة نادرة في اتجاه جيش التتار، ولا ننسى أن هذه المقدمة الإسلامية قليلة جداً بالنسبة لجيش التتار..
    وارتطم الجيشان ارتطاماً مروعاً..
    وارتفعت سحب الغبار في ساحة المعركة، وتعالت أصوات دقات الطبول وأصوات الآلات المملوكية، وعلت صيحات التكبير من الفلاحين الواقفين على جنبات السهل وامتزجت قوات المسلمين بقوات التتار، وسرعان ما تناثرت الأشلاء وسالت الدماء، وعلا صليل السيوف على أصوات الجند..
    واحتدمت المعركة في لحظات..ورأى الجميع من الهول ما لم يروه في حياتهم قبل ذلك..
    كانت هذه الفرقة المملوكية من أفضل فرق المسلمين، وقد أحسن قطز رحمه الله اختيارها لتكون قادرة على تحمل الصدمة التترية الأولى..والذي يحرز النصر في بداية المعركة يستطيع غالبًا أن يحافظ عليه إلى النهاية..ليس فقط للتفوق العسكري ولكن أيضاً للتفوق المعنوي..
    وكان كثير من أمراء هذه المقدمة بما فيهم ركن الدين بيبرس من أولئك الذين شاركوا في موقعتي المنصورة وفارسكور ضد الحملة الصليبية السابقة بقيادة ملك فرنسا لويس التاسع، وذلك منذ عشر سنوات في سنة 648 هجرية، وبذلك يكون هؤلاء الأمراء من أصحاب الخبرة العسكرية الفائقة، ومن أعلم القادة بطرق المناورة وأساليب القتال وخطط الحرب..

    غباء القوة!!
    وثبتت القوات الإسلامية ثباتاً رائعاً مع قلة عددها، مما دفع كتبغا إلى استخدام كل طاقته دون أن يترك أي قوات للاحتياط خلف الجيش التتري..
    كل هذا وقطز رحمه الله يرقب الموقف عن بعد، ويصبر نفسه وجنده عن النزول لساحة المعركة حتى تأتي اللحظة المناسبة..
    ومرت الدقائق والساعات كأنها الأيام والشهور..
    ومع الفجوة الهائلة في العدد بين الفريقين إلا أن اللقاء كان سجالاً حتى هذه اللحظات..
    كان هذا هو الجزء الأول من الخطة الإسلامية: استنزاف القوات التترية في حرب متعبة، والتأثير على نفسياتهم عند مشاهدة ثبات المسلمين وقوة بأسهم..
    ثم جاء وقت تنفيذ الجزء الثاني من الخطة الإسلامية البارعة.. ودقت الطبول دقات معينة لتصل بالأوامر من قطز إلى بيبرس ليبدأ في تنفيذ الجزء الثاني من الخطة..
    وكان الجزء الثاني من الخطة عبارة عن محاولة سحب جيش التتار إلى داخل سهل عين جالوت، وحبذا لو سُحب الجيش بكامله، بحيث تدخل قوات التتار في الكمائن الإسلامية تمهيداً لحصارها..
    وبدأ ركن الدين بيبرس في تنفيذ هذا الجزء من الخطة على صعوبته، فكان عليه أن يُظهر الانهزام أمام التتار، ويتراجع بظهره وهو يقاتل، على ألا يكون هذا التراجع سريعاً جداً حتى لا يلفت أنظار التتار إلى الخطة، ولا بطيئاً جداً فتهلك القوة الإسلامية القليلة أثناء التراجع..وهذا الميزان في الانسحاب يحتاج إلى قدرة قيادية فائقة، كما يحتاج إلى رجال أشداء مهرة في القتال..
    وقد كانت هذه العوامل متوافرة في الجيش بحمد الله، وقبل هذا بالطبع كان توفيق الله عز وجل عونًا لهذا الجيش الصامد..
    هذه الخطة يا إخواني هي نفس خطة القوات الإسلامية في موقعة نهاوند الشهيرة ضد القوات الفارسية وذلك في سنة19 من الهجرة، وكان يقوم بدور ركن الدين بيبرس القائد الإسلامي الفذ الصحابي القعقاع بن عمرو التميمي رضي الله عنه، وكان يقوم بدور قطز رحمه الله الصحابي الجليل والفارس العظيم النعمان بن مقرّن رضي الله عنه، وقام ساعتها القعقاع بن عمرو التميمي بسحب قوات الفرس الرهيبة في الكمين الإسلامي الذي قضى على قوات الفرس تماماً في نهاوند..
    وهنا في عين جالوت يستفيد قطز رحمه الله من تجارب المسلمين السابقة ويطبق خطة نهاوند بحذافيرها..
    وبدأ ركن الدين بيبرس في الانسحاب التدريجي المدروس، وكلما رجع خطوة تقدم جيش التتار في مكانه..
    وقام المسلمون بتمثيلية الانهزام خير قيام، وتحمس كتبغا ومن معه للضغط على المسلمين، وبدءوا يدخلون السهل وهم يضغطون على المسلمين، ومر الوقت ببطء على الطرفين، ولكن في النهاية دخل جيش التتار بكامله إلى داخل سهل عين جالوت, وانسحب ركن الدين بيبرس بمقدمة الجيش إلى الناحية الجنوبية من سهل عين جالوت، وفي غضون حماسة كتبغا للقضاء على جيش المسلمين لم يترك أياً من قواته الاحتياطية خارج السهل بل أخذ معه كل جنوده!!
    كيف فعل كتبغا ذلك؟
    إنه خطأ عسكري لا ريب !!
    وكتبغا قائد عسكري بارع، وذو خبرة طويلة جداً في مجال الحروب، فقد جاوز الستين من عمره، ولعله جاوز السبعين، فهو من الذين عاصروا جنكيزخان، وجنكيزخان مات قبل هذه الموقعة بأربعة وثلاثين سنة، قضاها كتبغا كلها في حروب وقيادة..
    لقد كان من المفروض عليه كقائد محنك أن يترك قوات احتياط خارج السهل لتؤمن طريق العودة في حال الخسارة، ولتمنع التفاف الجيش الإسلامي حول التتار، ولتراقب أي تحركات مريبة لجيوش أخرى قد تأتي لمساعدة الجيش الإسلامي..
    لكن هذا لم يحدث !!
    لقد توقفت العقلية التترية عن التفكير السليم في وقت حساس جداً من أوقات المعركة..قد يفسر ذلك برغبة كتبغا في القضاء الكامل على قوات المسلمين وبحسم، وقد يفسر بضعف من المخابرات التترية التي لم تدرك حجم الجيش الإسلامي الحقيقي، وقد يفسر بالغرور والصلف الذي كان يملأ كتبغا من أم رأسه إلى أخمص قدميه مما جعله يستهين تماماً بقوات المسلمين، وقد يفسر بأن هناك أهدافاً تكتيكية معينة في ذهن كتبغا لا نعرفها..
    قد يفسر بأي شيء من هذا أو بغيره..لكن كل هذه التفاسير لا تعطي مبرراً مقبولاً لهذا الخطأ العسكري الفادح الذي لا يقع فيه مقاتل مغمور في مطلع حياته العسكرية, فضلاً عن قائد مخضرم مثل "كتبغا"!!
    ولكن يبقى التفسير الوحيد المقبول في مثل هذا الموقف هو أن هذا تدبير رب العالمين سبحانه وتعالى، الذي يخرج عن القياسات العادية للبشر، ويدفع أشخاصاً بعينهم لأفعال معينة في ظروف معينة..ولو تكررت نفس الظروف ألف مرة فلعل الرجل لا يأخذ نفس القرار أبداً، ولكن الله عز وجل أراد لهذا الجيش التتري الهلكة على يد الجيش المسلم، فدفع كتبغا إلى اتخاذ قرار لا يتناسب أبداً مع إمكانيته كقائد عسكري، ولا يتناسب مع قوات جيشه كجيش ضخم، ولا يتناسب مع ساحة المعركة التي تعتبر كالقفص الذي له باب واحد، فإذا دخل الجيش بكامله القفص وأغلق الباب فالنجاة تكاد تكون مستحيلة..
    "ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين"
    وقد رأينا قبل ذلك غزوة بدر الكبرى أن أبا جهل هو الذي دفع جيشه الكافر للدخول في معركة بدر بعد أن عارضه جل قومه..فكانت الهلكة لمعظم رءوس الكفر في مكة..
    ورأينا أيضاً مسيلمة الكذاب في موقعة اليمامة الشهيرة يدفع قواته إلى حتفها..
    ورأينا الفيروزان في موقعة نهاوند يدفع الفرس إلى مثواها الأخير..
    ورأينا باهان قائد الروم في موقعة اليرموك يدفع جيوشه إلى الهاوية..
    وليس هناك مجال لقول قائل: لو تروى القائد لكان كذا وكذا، ولو تريث القائد.. ولو سمع القائد نصيحة فلان أو رأي فلان..
    يا إخواني ..إنهم يُدفعون دفعاً إلى مصارعهم..
    إنهم مهما بلغت قوتهم، وتعددت جيوشهم..وتنوعت أسلحتهم لا يخرجون أبداً عن إرادة الله عز وجل.. والله عز وجل يريد النصر لعباده الذي نصروه..
    " إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم "
    قاعدة أصيلة لا خلف لها..
    وهكذا دفع كتبغا جيشه دفعاً للدخول بكامله في سهل عين جالوت..
    وبذلك نجح الجزء الثاني من الخطة الإسلامية نجاحاً مبهراً..
    وبدأ تنفيذ الجزء الثالث من الخطة..
    وجاءت إشارة البدء من قطز عن طريق الطبول والأبواق..


    يتبع
    فقول الحق للطاغي *** هو العزى هو البشرى

    هو الدرب إلى الدنيا *** هو الدرب إلى الأخرى

    فإن شئت فمت عبدا *** وإن شئت فمت حرًّا


    ~ ~ ~

    كرهت عيش النفاق كرهت عيش الدجل

    كرهت عيش السهول أريد عيش الجبل

    اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي

  6. #46
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    الدولة
    والله ما عارف بلدى ولا بلدهم !!
    المشاركات
    4,546

    افتراضي رد: د. راغب السرجانى : سلسلة : التتار .. من البداية إلى عين جالوت

    "كتبغا" في المصيدة!!
    ونزلت الكتائب الإسلامية العظيمة من خلف التلال إلى ساحة المعركة..نزلت من كل جانب، وأسرعت فرقة قوية لتغلق المدخل الشمالي لسهل عين جالوت، وبذلك في دقائق معدودات أحاطت القوات الإسلامية بالتتار إحاطة السوار بالمعصم..
    الخطة تسير في منتهى الإحكام والدقة، ومع ذلك فهذه الخطة تحمل في طياتها خطورة عظيمة على الجيش الإسلامي نفسه..لماذا؟ لأن حصار التتار دون ترك فرصة الهروب لهم سوف يدفع كل الجنود التتار لإخراج كل طاقاتهم..إنهم سيقاتلون قتال المستميت..
    قتال المحصور..قتال الحياة أو الموت وليس قتال الهزيمة أو النصر..
    لكن في نفس الوقت إن نجحت الخطة فسوف يكون فيها هلاك عدد ضخم من الجيش التتري..وقد تكون هذه هي الضربة القاصمة القاضية على هذا الجيش الرهيب..
    واكتشف كتبغا الخطة الإسلامية بعد فوات الأوان، وحُصر هو والتتار في داخل سهل عين جالوت، وبدأ الصراع المرير في واحدة من أشد المعارك التي وقعت في التاريخ..لا مجال للهرب، ولا مجال للمناورات..السهل منبسط والمساحات مكشوفة، وليس هناك من حماية إلا خلف السيوف والدروع..لا بديل عن القتال حتى الموت..
    حرب ضارية بشعة..أخرج التتار فيها كل إمكانياتهم، وبدءوا يقاتلون بحمية بالغة..والمسلمون صابرون ثابتون..
    وظهر تفوق الميمنة التترية ـ كما أخبر بذلك رسول صارم الدين أيبك ـ وبدأت الميمنة التترية تضغط على الجناح الأيسر للقوات الإسلامية، وبدأت القوات الإسلامية تتراجع تحت الضغط الرهيب للتتار، وبدأ التتار يخترقون الميسرة الإسلامية، وبدأ الشهداء يسقطون، ولو أكمل التتار اختراقهم للميسرة فسيلتفون حول الجيش الإسلامي، وتتعادل بذلك الكفتان، وقد ترجح كفة التتار..ويصبح إغلاق السهل خطراً على المسلمين..
    وقطز رحمه الله يقف في مكان عال خلف الصفوف يراقب الموقف بكامله، ويوجه فِرَق الجيش إلى سد الثغرات، ويخطط لكل كبيرة وصغيرة..
    وشاهد قطز رحمه الله المعاناة التي تعيشها ميسرة المسلمين، فدفع إليها بقوات احتياطية، ولكن الضغط التتري استمر، وبدأ بعض المسلمين يشعر بصعوبة الموقف، ولعل بعضهم قد شك في النصر، ولا ننسى السمعة المرعبة لجيش التتار الذي قيل عنه إنه لا يهزم..

    واإسلاماه!!
    وقطز رحمه الله يشاهد ذلك، ويدفع بقوات إضافية إلى الميسرة، ولكن الموقف تأزم جداً، هنا لم يجد قطز رحمه الله إلا حلاً واحداً لا بديل له..
    لابد أن ينزل بنفسه رحمه الله إلى ساحة القتال..
    لابد أن يثبّت جنوده بالطريقة التي اعتادها معهم... طريقة القدوة!
    لابد أن يوضح لجنوده بطريقة عملية أن الموت في سبيل الله غاية ومطمح وهدف..
    نحن نريد الآخرة..وهم يريدون الدنيا..وشتان!!
    هنا فعل قطز رحمه الله فعلاً مجيداً..
    لقد ألقى بخوذته على الأرض..تعبيراً عن اشتياقه للشهادة، وعدم خوفه من الموت، وأطلق صيحته الشهيرة التي قلب الموازين في أرض المعركة..
    لقد صرخ قطز رحمه الله بأعلى صوته: واإسلاماه..واإسلاماه..!!
    وألقى بنفسه رحمه الله وسط الأمواج المتلاطمة من البشر..
    وفوجئ الجنود بوجود القائد الملك المظفر قطز رحمه الله في وسطهم..يعاني مما يعانون ويشعر بما يشعرون..ويقاتل كما يقاتلون..
    أي تأييد؟!وأي تثبيت؟! وأي سكينة؟!وأي اطمئنان؟!!
    القضية إذن واضحة جداً أمام الجميع..القضية قضية إغاثة الإسلام والدفاع عنه..القضية ليست أبداً حفاظاً على ملك..أو حماية لكرسي..القضية ليست حرصاً على توريث لابن أو عائلة..
    القضية ـ يا إخواني ـ قضية صادقة..
    وشتان بين القائد الصادق الذي يعيش لدينه ولشعبه.. والقائد الكاذب الذي يتكلم كثيراً عن فضائل الأعمال، وهو لا يعيش إلا لنفسه..
    والتهب حماس الجنود، وهانت عليهم جيوش التتار، وحملوا أرواحهم على أكفهم، وانطلقوا في جسارة نادرة يصدون الهجمة التترية البشعة..
    إنها ليست هجمة على ذواتهم..إنها هجمة على الإسلام..
    واشتعل القتال في سهل عين جالوت..وعلا صوت تكبير الفلاحين على كل شيء..ولجأ المسلمون بصدق إلى ربهم في هذا اليوم المجيد من شهر رمضان..
    وقاتل قطز رحمه الله قتالاً عجيباً..
    ثم صوب أحد التتر سهمه نحو قطز رحمه الله فأخطأه ولكنه أصاب الفرس الذي كان يركب عليه قطز فقُتل الفرسُ من ساعته، فترجل قطز رحمه الله على الأرض، وقاتل ماشياً لا خيل له! وما تردد، وما نكص على عقبيه، وما حرص على حياته رحمه الله..
    ورآه أحد الأمراء وهو يقاتل ماشياً، فجاء إليه مسرعاً، وتنازل له عن فرسه، إلا أن قطز رحمه الله امتنع، وقال: "ما كنت لأحرم المسلمين نفعك!!"
    وظل يقاتل ماشياً إلى أن أتوه بفرس من الخيول الاحتياطية!!
    وقد لامه بعض الأمراء على هذا الموقف وقالوا له: لمَ لمْ تركب فرس فلان؟ فلو أن بعض الأعداء رآك لقتلك، وهلك الإسلام بسببك..
    فقال قطز في يقين رائع: "أما أنا كنت أروح إلى الجنة، وأما الإسلام فله رب لا يضيعه، وقد قتل فلان وفلان وفلان... حتى عد خلقاً من الملوك )مثل عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم)فأقام الله للإسلام من يحفظه غيرهم، ولم يضع الإسلام "..
    رحمك الله يا قطز..كنت ـ ولا زلت والله ـ قدوة للمسلمين..
    وعلى أكتاف أمثالك تنهض الأمم..
    ونتيجة مثل هذه المواقف أدت القوات الإسلامية أداءً راقياً جداً في القتال، وأخرجت كل إمكانيتها، ولم تكن قضيتها قضية موت أو حياة كالتتار، بل كانت إما نصر أو شهادة..
    وبدأت الكفة - بفضل الله - تميل من جديد لصالح المسلمين..وارتد الضغط على جيش التتار، وأطبق المسلمون الدائرة تدريجيًّا على التتار..وكان يوماً على الكافرين عسيراً..
    مصرع الطاغية!
    وتقدم أمير من أمراء المماليك المهرة في القتال وهو جمال الدين آقوش الشمس، وهو من مماليك الناصر يوسف الأيوبي، وقد ترك الناصر لما رأى تخاذله وانضم إلى جيش قطز، وأبلى بلاءً حسناً في القتال، واخترق الصفوف التترية في حملة صادقة موفقة حتى وصل في اختراقه إلى … … … كتبغا..قائد التتار!!!
    لقد ساقه الله إليه!!
    ورفع البطل المسلم سيفه، وأهوى بكل قوته على رقبة الطاغية المتكبر كتبغا..وطارت الرأس المتكبرة في أرض القتال..وسقط زعيم التتار..وبسقوطه سقطت كل عزيمة عند جيش التتار.."وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى"..
    وتغير سيناريو القتال عند التتار..فما أصبح لهم من هَمّ إلا أن يفتحوا لأنفسهم طريقاً في المدخل الشمالي لسهل عين جالوت ليتمكنوا من الهرب..وانطلق المسلمون خلف التتار، يقتلون فريقاً ويأسرون فريقاً..
    وسقطت جحافل التتار تحت أقدام المسلمين صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية..
    ضاعت السمعة ..وسقطت الهيبة..ومُزّق الجيش الرهيب ..

    وعند "بيسان" تجدد القتال!!
    وركز التتار جهدهم على فتح ثغرة في مدخل سهل عين جالوت الشمالي..واستطاعوا بعد لأي شديد أن يُحْدثوا ثغرة في الصف المسلم الواقف على باب المدخل، وانطلق التتار في سرعة عجيبة يولون الأدبار، وخرجت أعداد كبيرة يسرعون الخطا في اتجاه الشمال لعل هناك مهربًا..وجيوش المسلمين تجري خلف جيوش التتار..لا يتركونهم..فليس الغرض هو الانتصار في موقعة ما، وتحقيق كسب سياسي مؤقت يتفاوضون بعده..إنما الغرض تحرير البلاد بكاملها عن طريق الجهاد..
    التتار ينهبون الأرض شمالاً، والمسلمون لا يتركونهم..
    ووصل التتار الفارون إلى بيسان )حوالي عشرين كيلومتر إلى الشمال الشرقي من عين جالوت(ووجد التتار أن المسلمين جادون في طلبهم، فلم يجدوا إلا أن يصطفوا من جديد، لتدور موقعة أخرى عند بيسان أجمع المؤرخون على أنها أصعب من الأولى، وقاتل التتار قتالاً رهيباً، ودافعوا عن حياتهم بكل قوة، وبدءوا يضغطون على المسلمين, وكادوا أن يقلبوا الأمور لمصلحتهم، وابتلي المؤمنون، وزُلزلوا زلزالاً شديداً، وكانت هذه اللحظات من أحرج اللحظات في حياة القوات الإسلامية.. ورأى قطز رحمه الله كل ذلك..
    فهو لم يكن "قريباً من الأحداث"..بل كان "في وسط الأحداث"..
    فانطلق قطز يحفز الناس، ويدعوهم للثبات..
    ثم أطلق صيحته الخالدة:
    واإسلاماه، واإسلاماه، واإسلاماه..
    قالها ثلاث مرات، ثم قال في تضرع:
    "يا الله!!انصر عبدك قطز على التتار! "..
    الله أكبر..
    ما أحسن اعترافك يا قطز بعبوديتك في هذا المقام!..
    يا الله..انصر "عبدك"قطز على التتار..
    لستُ أنا الملكَ المظفر..لستُ أميرَ المسلمين..لستُ سلطانَ مصر..
    إنما أنا عبدك..
    بالله عليكم..كيف يلجأ العبد بصدق إلى الله..ثم يتركه الله عز وجل؟
    روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
    "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني؛ فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب مني شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة"..
    لقد دق قطز على الباب الذي ما طرق عليه صادق إلا وفتح له..
    لقد تقرب قطز إلى من بيده ملكوت السموات والأرض..
    وعندما يخشع ملوك الأرض يا إخوة، لابد أن يرحم جبار السموات والأرض..
    لقد كان خشوع قطز الصادق هو الجبل الذي وقع على جيش التتار فأهلكهم..
    ما إن انتهى من دعائه وطلبه ـ رحمه الله ـ إلا وخارت قوى التتار تماماً..

    نهاية الأسطورة!!
    وبدأ الجنود الذين روعوا الأرض قبل ذلك يتساقطون كالذباب على أرض بيسان..
    قضى المسلمون تماماً على أسطورة الجيش الذي لا يقهر..
    وارتفعت راية الإسلام وتهاوت راية التتار..
    وجاءت اللحظة التي ينتظرها المسلمون منذ أربعين سنة أو تزيد..
    "ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.. ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم "..
    أتدرون كم بقي من جيش التتار بعد عين جالوت؟!
    لقد أبيد جيش التتار بكامله !!
    لم يبق على قيد الحياة من الجيش أحد بالمرة..هل سمعتم أمراً كهذا؟!
    لقد فني الجيش الذي اجتاح نصف الكرة الأرضية..
    فني الجيش الذي سفك دماء الملايين وخرب مئات المدن، وعاث في الأرض فساداً..
    وانتصر الجيش الإسلامي العظيم..
    هنيئاً لكم أيها المسلمون بالنصر العظيم!!
    هنيئاً لك يا قطز..فقد حان وقت قطف الثمار!!

    "وما النصر إلا من عند الله.."
    ماذا فعل قطز رحمه الله عندما رأى جموع التتار صرعى على أرض بيسان المباركة؟
    لقد نزل البطل المجاهد العظيم التقي الورع..نزل من على فرسه..
    ومرّغ وجهه في الأرض..يسجد شكراً لله عز وجل!!
    ما دخله غرور المنتصرين..وما رفع رأسه بزهو المتكبرين..
    وما شعر أنه قد فعل شيئاً..
    بل إن الفضل والمنة لله عز وجل..هو الذي أنعم عليه بأن اختاره ليكون مجاهداً..هو الذي من عليه بالثبات..هو الذي ألهمه الحكمة في القتال، والصواب في الرأي..هو الذي هداه السبيل..
    هنا بيت القصيد..
    أن تعرف أنك عبد الله..لا تُنصر إلا بنصره..ولا تنجو إلا برحمته، ولا تتحرك إلا بإرادته..
    " لله الأمر من قبل ومن بعد "..
    إذا أردتم أن تعرفوا قطز رحمه الله..فانظروا إلى كثير من الزعماء الذين ينتفخون كِبراً وزهواً وفخراً، ويتطاولون على خلق الله، ويُصَعِّرون خدودهم للناس، ويمشون في الأرض مرحاً.. كأنما يبغون خرق الأرض أو مطاولة الجبال!! ..وما فعلوا لأمتهم معشار ما فعله قطز رحمه الله..
    بل كانوا وبالاً على شعوبهم، ومصيبة على أمتهم..
    هنا تبرز قيمة قطز الحقيقية..
    "وبضدها تتميز الأشياء"..
    ومن هنا فلا عجب أن يُنصر قطز رحمه الله، ولا عجب أن يُخذل غيره..
    والله لا يظلم أحداً..
    يقول تعالى: "وهديناه النجدين"..
    الإنسان هو الذي يختار..
    لم يأت قطز رحمه الله في زمان تمكين ولا سيادة..لم يأت في ظروف طيبة ومريحة..
    لم يحكم البلاد وهي قوية قاهرة..لم يجلس على الكرسي وأموال دولته لا تحصى..
    إنما كانت كل الظروف ضده..
    لكنه استعان بالله، وعمل بصدق وإخلاص، وحفز الآخرين على العمل معه..فكان لابد من الوصول..
    ويوم يعمل المسلمون كما عمل قطز رحمه الله سيصلون حتماً إلى ما وصل إليه..
    وليس بالضرورة أن يحتاج التغيير إلى سنوات أو قرون أو عقود..
    فقد كانت عين حالوت بعد عشرة أشهر فقط من تولي قطز مقاليد الأمور..
    المهم أن يوجد المخلصون الصادقون العالمون العاملون..
    ووعد الله لا يتخلف أبداً..
    "إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد"..


    يتبع
    فقول الحق للطاغي *** هو العزى هو البشرى

    هو الدرب إلى الدنيا *** هو الدرب إلى الأخرى

    فإن شئت فمت عبدا *** وإن شئت فمت حرًّا


    ~ ~ ~

    كرهت عيش النفاق كرهت عيش الدجل

    كرهت عيش السهول أريد عيش الجبل

    اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي

  7. #47
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    الدولة
    والله ما عارف بلدى ولا بلدهم !!
    المشاركات
    4,546

    افتراضي رد: د. راغب السرجانى : سلسلة : التتار .. من البداية إلى عين جالوت

    دروس من عين جالوت

    سقط الجيش التتري في مستنقع أعماله..
    لقد أفسد جيش التتار في الأرض إفساداً عظيماً، والله عز وجل لا يصلح عمل المفسدين.. وبرغم أن جيش التتار جيش مُفسد إلا أنه سُلط على المسلمين فترة من الزمان )أربعين سنة تقريباً(، وهُزم أمامهم المسلمون في مئات المواقع الحربية.. ثم دارت الأيام وتمت المعركة الهائلة عين جالوت، وانتصر المسلمون انتصاراً مبهراً..
    "وتلك الأيام نداولها بين الناس"..
    وهناك سؤالان قد يخطران على بال المحلل للأحداث، والمتدبر في مجريات الأمور..
    وللسؤالين إجابة واحدة..
    ـ السؤال الأول هو: كيف سُلّط جيش التتار الفاسد المفسد على أمة الإسلام وهي خير منه مهما خالفت المنهج، ومهما قصّرت في واجباتها؟!
    ـ السؤال الثاني هو: جيش التتار الذي انتصر على المسلمين في كل المواقع السابقة هو نفس جيش التتار الذي هُزم في عين جالوت..لماذا انتصر في السابق؟ وما الذي حدث حتى يهلك الجيش بكامله بهذه الصورة العجيبة؟!
    والإجابة على السؤالين نجدها في جزء من خطاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الصحابي العظيم الملهم، وكان قد أرسل خطاباً إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الذي كان يقود الجيوش الإسلامية المتجهة لحرب الفرس في موقعة القادسية..
    يقول الصحابي الحكيم عمر رضي الله عنه يخاطب سعداً رضي الله عنه:
    "فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكون أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما يُنصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية، كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا نُنصرْ عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا.. فاعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله، يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا إن عدّونا شر منا، فلن يُسلَّط علينا، فرب قوم سُلِّط عليهم مَن هو شر منهم، كما سُلّط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط الله كفارُ المجوس، فجاسوا خلال الديار، وكان وعداً مفعولاً.."
    هذا جزء من رسالة الفاروق عمر رضي الله عنه، والتي تُعد من أنفس ما قال، ومن أعظم الرسائل على وجه الأرض..والرسالة طويلة..ودراستها في غاية الأهمية لبناء الأمة..
    في هذا الجزء الذي ذكرناه يتضح لنا أن الله عز وجل أحياناً يسلط الكفار والمفسدين على المسلمين إذا عمل المسلمون بمعاصي الله، فإذا التزم المسلمون بتقوى الله عز وجل وساروا على منهج ربهم ومنهج رسوله صلى الله عليه وسلم انتصروا على الجيوش التي طالما انتصرت عليهم..
    لم ينتصروا عليها لقوة جسد أو لكثرة عَدد أو لكفاءة عُدد، وإنما ينتصرون لارتباطهم بربهم، وبُعد أعدائهم عنه سبحانه..
    من هنا نفهم لماذا سُلّط التتار أربعين سنة على المسلمين في الأرض..
    ومن هنا نفهم لماذا انتصر المسلمون في عين جالوت على الجيش الذي دوّخ بلاد المسلمين عشرات الأعوام..
    ومن هنا أيضاً نفهم أحداثاً كثيرة في التاريخ، وأحداثاً كثيرة في الواقع..
    فإذا رأيتم يا إخواني ضعفاً وخوراً وجبناً واستكانة في جيوش المسلمين..
    وإذا رأيتم تبعية لغرب أحياناً، ولشرق أحياناً أخرى..
    وإذا رأيتم هواناً في الرأي، وسقوطاً للهيبة، وذلة في كل الأحوال..
    وإذا رأيتم موالاة لمن سفك دماء المسلمين، وتحالفاً مع من دمّر ديار المسلمين، وصداقة مع من شرّد ملايين المسلمين، واستعانةً بمن خرّب اقتصاد المسلمين..
    إذا رأيتم أن الأمة العظيمة الكبيرة الكثيرة قد أصبحت لا تساوي شيئاً في عيون أعدائها.. فيتطاول عليها أخس أهل الأرض، من إخوان القردة والخنازير، ومن عبّاد البقر، ومن عبّاد البشر، ومن الملحدين..
    إذا رأيتم كل ذلك..فاعلموا أن الأمة تعمل بمعاصي الله، وأن الأمة لا تتبع شرع الله..وأن الأمة سقطت من عين الله..وأن الله عز وجل ـ بنفسه ـ هو الذي يُسلّط عليها الفاسدين من اليهود والصليبيين والهندوس والشيوعيين وغيرهم..
    أهذا شيء يدعو إلى الإحباط واليأس؟
    أبداً..إنه يدعو إلى التفكر والتدبر والاستفادة من التاريخ والعمل..
    وعين جالوت بين أيدينا..وإلا فلماذا ندرس هذه الأحداث التاريخية التي مرّ عليها قرون وقرون؟!!
    العودة إلى الله عز وجل ليست صعبة!!
    مهما غرقت الأمة في معاصيها، ومهما ابتعدت عن كتاب ربها، ومهما ضلت طريقها، فإنها تعود إلى الله عز وجل في لحظة واحدة..
    هذا إذا أرادت أن تعود..
    هذا إذا أرادت أن تعيش..
    بل هذا إذا أرادت أن تسود وتقود وترفع رأسها وتُعزّ شأنها..
    مهما ابتعدنا عن الله يا إخواني فإنه يقبلنا إذا عدنا إليه..بل يفرح بنا ـ سبحانه وتعالى ـ إذا عدنا إليه..
    روى البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
    "لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلًا وَبِهِ مَهْلَكَةٌ وَمَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ, فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ حَتَّى إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ وَالْعَطَشُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي فَرَجَعَ فَنَامَ نَوْمَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ"..
    فقط علينا أن نعود إلى الله..وسنرى عين جالوت..وألف عين جالوت..
    هذا وحده إذن هو التفسير الشرعي للانتصار والهزيمة في الإسلام.. ينتصر المسلمون بارتباطهم بربهم, ويُهزمون ببُعدهم عن الشرع.. والله عز وجل لا يظلم الناس شيئًا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون..

    تحرير "دمشق"..
    نعود إلى قطز رحمه الله بعد الانتصار الرائع في عين جالوت..
    لم تنته مهمة الملك المظفر بعد..ما زال هناك تتار في بلاد الشام..ما زال هناك تتار في دمشق وحمص وحلب وغيرها من المدن الشامية..وما زال هناك تتار في العراق وتركيا وفارس وغيرها..
    وليس في حياة قطز رحمه الله راحة..
    مع كثرة الشهداء وكثرة الجراح والآلام..ومع الإرهاق الشديد الذي يعاني منه الجيش المناضل البطل..الذي عبر صحراء سيناء بكاملها في شهر يوليو، والذي حارب في غزة، ثم اجتاز فلسطين كلها من جنوبها إلى شمالها حتى وصل إلى عكا، والذي عاد بعد ذلك إلى عين جالوت، والذي خاض المعركة الهائلة مع أقوى جيوش الأرض..
    مع كل هذه المعاناة إلا أن الخطوة التالية مباشرة لقطز بعد انتصار عين جالوت المجيد أن يتجه إلى دمشق في الشمال!!..
    ودمشق هي أولى المحطات الإسلامية التي تقع تحت سيطرة التتار، وهي تقع على مسافة مائة وخمسين كيلومترًا تقريباً من عين جالوت إلى الشمال الشرقي منها..
    لابد من تطهير هذه المدينة الإسلامية العظيمة من دنس التتار..ولابد من استغلال فرصة الانكسار الرهيب في جيش التتار فتُحرر دمشق وغيرها قبل أن تأتي إمدادات التتار من فارس أو من أوروبا أو من الصين..
    وقطز رحمه الله القائد المحنك أراد أن يهيّئ الفرصة العظمى لجيشه في الانتصار على قوات التتار في دمشق، وهو يعلم أن جيش التتار قد قتل بكامله في عين جالوت، ولم ينقل أحد منهم الخبر إلى دمشق، فأراد هو أن ينقل خبر النصر العظيم إليهم، فيرفع بذلك من معنويات المسلمين، ويضع من معنويات الحامية التترية في دمشق؛ فيسهل عليه بذلك فتح تلك المدينة العظيمة..
    وبالفعل أرسل رسالة عظيمة تحمل بشريات النصر المجيد.. وكان مما جاء في هذه الرسالة:
    "أما النصر الذي شهد الضرب بصحته، والطعن بنصيحته، فهو أن التتر خذلهم الله تعالى )ولاحظ أنه ينسب النصر إلى الله(، استطالوا على الأيام، وخاضوا بلاد الشام، واستنجدوا بقبائلهم على الإسلام"..
    وهذه عساكر الإسلام مستوطنة في مواطنها، ما تزلزل لمؤمن قدم إلا وقدم إيمانه راسخة، ولا ثبتت لأحد حجة إلا وكانت الجمعة ناسخة، ولا عقدت برجمة ناقوس إلا وحلها الأذان، ولا نطق كتاب إلا وأخرسه القرآن..
    ولم تزل أخبار المسلمين تنتقل إلى الكفار، وأخبار الكفار تنتقل إلى المسلمين، إلى أن خلط الصباح فضته بذهب الأصيل، وصار اليوم كأمس ونُسخت آية الليل بسورة الشمس..
    إلى أن تراءت العين بالعين، واضطرمت نار الحرب بين الفريقين، فلم تر إلا ضرباً يجعل البرق نضواً، ويترك في بطن كل من المشركين شلواً، وقتل من المشركين كل جبار عنيد، ذلك بما قدمت أيديهم )وما ربك بظلام للعبيد..(
    وصل الكتاب يحمل البشارة إلى أهل دمشق، وفي الغالب وصل الكتاب في يوم 27 أو 28 رمضان، واستقبل المسلمون الخبر بفرح لا يوصف؛ فقد يئس الكثير من إمكانية هزيمة التتار، فلما سمعوا بأخبار الانتصار المبهر ارتفعت هممهم إلى السماء، ورأوا عمالقة التتار أقزاماً، وقام الشعب في دمشق بثورة عارمة على جيش المغول، وأمسكوا بجنود التتار وفتكوا بهم، فما استطاعوا من قيام، وما كانوا منتصرين..
    لقد سقطت هيبة التتار، وتنفس المسلمون الصعداء بعد قهر وبطش استمر أكثر من ستة شهور..
    وانتهى المسلمون من أمر الحامية التترية بسرعة، فمنهم من قتل ومنهم من أسر، ومنهم من فرّ، واتجه المسلمون بعد ذلك للانتقام من النصارى الذين تطاولوا جداً على أهل الإسلام في أثناء سيطرة التتار على دمشق، وقد ذكرنا طرفاً من أعمال النصارى في دمشق قبل ذلك.. وتجاوز بعض المسلمين الأمر إلى حرق الديار والكنائس، وإلى قتل البعض منهم، وكاد الأمر يخرج عن السيطرة، ونشط بعض الغوغائيين، وقرروا أيضاً الفتك باليهود الذين يعيشون في دمشق، لولا أن قام العلماء ينصحون بعدم الظلم؛ لأن اليهود لم يشتركوا مع النصارى في إيذاء المسلمين أيام حكم التتار، وتكهرب الجو في دمشق, وكادت الفتنة أن تعم في البلاد..وامتزجت في نفوس الناس مشاعر السرور والزهو بمشاعر الانتقام والتشفي..وتأزّم الموقف جداً..
    وبينما هم كذلك ـ وفي اليوم الثلاثين من رمضان سنة 658 هجرية ـ وصل البطل العظيم الملك المظفر قطز رحمه الله إلى دمشق..بعد خمسة أيام من يوم عين جالوت..
    واستقبله الناس استقبال الفاتحين، وعلقت الزينات في الشوارع، وخرج الرجال والنساء والأطفال يستقبلون البطل المظفر..
    هذه يا إخواني هي الفرحة الحقيقية..
    "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، هو خير مما يجمعون"..
    فرحة النصر لدين الله، والرفعة للإسلام والعزّة للمسلمين..
    لا تقارن هذه الفرحة بفرحة الطعام والشراب والمال والجاه والسلطان..

    العيد الحقيقي..
    ودخل الجيش المملوكي المسلم دمشق..واستتب الأمن الحقيقي بسرعة عجيبة..لم يحدث شيء مما يقع عند دخول المستعمرين البلاد فتعم الفوضى، ويُترك الحبل على الغارب، وتنتهك الحرمات أمام أعينهم وتنتهب المحلات والديار وهم يشاهدون..
    لم يحدث كل هذا..إنما استقر الوضع بسرعة، بل أمن النصارى واليهود على أرواحهم وأموالهم، وقام قطز رحمه الله بعزل ابن الزكي قاضي دمشق الذي عينه التتار، وكان موالياً لهم، وعيّن مكانه نجم الدين أبا بكر بن صدر الدين بن سني الدولة، وبدأ يفصل في القضايا، ويحكم في المخالفات التي تمت بين المسلمين والنصارى..حتى لا يُظلم نصراني في بلاد المسلمين.. هذا مع كل ما فعله النصارى بالمسلمين أثناء احتلال التتار للمدينة.
    وفي اليوم التالي لدخول قطز رحمه الله إلى دمشق كان عيد الفطر..
    وهو أعظم عيد مرّ على المسلمين منذ أربعين سنة، لم يكن عيداً للفطر فقط، بل كان أيضاً عيدًا للنصر والتمكين..
    "وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا، والله عزيز حكيم"..
    ولم يضيع قطز رحمه الله وقتاً بل أرسل مقدمة جيشه بقيادة بيبرس تتبع الفارين من التتار، وتُطهّر المدن الشامية الأخرى من الحاميات التترية، فوصلت القوات الإسلامية إلى حمص، واقتحمت على التتار معسكراتهم ففروا مذعورين، وأطلق المسلمون الأسرى المسلمين الذين كانوا في قبضة التتار، وانطلقوا خلف الحاميات التترية الهاربة، فقتلوا أكثرهم، وأسروا الباقين، ولم يفلت منهم إلا الشريد..
    وهكذا حررت حمص بسرعة، واتجهت القوات الإسلامية إلى حلب، ففر منها التتار كالفئران المذعورة، وانطلقوا يجرون أذيال خيبتهم، وسبحان مغيّر الأحوال..
    ما بين طرفة عين وانتباهتها يغيّر الله من حالٍ إلى حال!!
    وطَهّر المسلمون بلاد الشام بكاملها في غضون بضعة أسابيع، وعادت من جديد أرض الشام إلى ملك الإسلام والمسلمين..نسأل الله لها ولسائر بلاد المسلمين دوام التحرر والعزة..
    وأعلن قطز رحمه الله توحيد مصر والشام من جديد في دولة واحدة تحت زعامته، بعد عشر سنوات من الفرقة، وذلك منذ وفاة الملك الصالح نجم الدين أيوب رحمه الله في سنة 648 هجرية..وخُطب لقطز رحمه الله على المنابر في كل المدن المصرية والفلسطينية والشامية، حتى خطب له في أعالى بلاد الشام والمدن حول نهر الفرات..
    وعاش المسلمون أياماً من أسعد أيامهم..
    وبدأ قطز رحمه الله يوزع الولايات الإسلامية على الأمراء المسلمين، وكان من حكمته رحمه الله أنه أرجع بعضاً من الأمراء الأيوبيين إلى مناصبهم؛ وذلك ليضمن عدم حدوث الفتنة في بلاد الشام، لأنه لا شك أن هؤلاء لهم أتباع من المسلمين، ولم يخش قطز رحمه الله من خيانتهم، وخاصة بعد أن تبين لهم أنه لا طاقة لهم بقطز رحمه الله وبجنوده الأبرار..
    أعطى قطز رحمه الله إمارة حمص للأشرف الأيوبى -الذى كان موالياً للتتار - بعد أن أظهر ندمه وتوبته، وأرسل إلى قطز قبل عين جالوت مع صارم الدين أيبك أنه سوف ينهزم عمداً بين يدى قطز، والله أعلم لو كان النصرُ حليف التتار ماذا كان فاعلاً، فهذا بينه وبين الله عز وجل، ولكن المهم الآن أنه اعترف بخطئه السابق الجسيم من موالاته للتتار، وقبل حكم حمص تحت رعاية قطز رحمه الله، وأعطى قطز رحمه الله إمارة حلب إلى علاء الدين بن بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل الذى مات منذ شهور قليلة، وأعطى إمارة حماة إلى صاحبها الأسبق الأمير المنصور، والذى كان يقاتل معه في القوات الإسلامية المشتركة في عين جالوت، وعين لأمير جمال الدين آقوش الشمسي على الساحل الفلسطينى وغزة، أما دمشق فقد عين عليها الأمير علم الدين سنجر الحلبى..
    وهكذا استقرت الأوضاع تماماً في بلاد الشام وفلسطين، وقويت شوكة الإسلام، واختفي كلُ تهديد يمسّ أمن المسلمين ورعاياهم من النصارى واليهود..
    وفي اليوم السادس والعشرين من شهر شوال سنة 658 هجرية بعد شهر كامل من يوم عين جالوت بدأ السلطان قطز رحمه الله رحلة عودته إلى عاصمته القاهرة..فكثير من الأوضاع السياسية هناك يحتاج إلى استقرار، وكثير من الأمور تحتاج إلى إدارة..وقد أصبحت دولة قطز رحمه الله تصل من الفرات إلى حدود ليبيا، ولابد من إعادة تنسيق كثيرٍ من الأوراق..ولا ننسى أن قطز رحمه الله لم يتول الحكم حتى ذلك اليوم إلا منذ أحد عشر شهراً فقط، فقد تولى الحكم في الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة 657 هجرية، وما زالت تنتظره الآلاف من الأعمال..

    هكذا تم النصر المبين على التتار، واستيقظ المسلمون من الكابوس المزعج الذى آلمهم في كل السنوات الماضية..

    يتبع
    فقول الحق للطاغي *** هو العزى هو البشرى

    هو الدرب إلى الدنيا *** هو الدرب إلى الأخرى

    فإن شئت فمت عبدا *** وإن شئت فمت حرًّا


    ~ ~ ~

    كرهت عيش النفاق كرهت عيش الدجل

    كرهت عيش السهول أريد عيش الجبل

    اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي

  8. #48
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    الدولة
    والله ما عارف بلدى ولا بلدهم !!
    المشاركات
    4,546

    افتراضي رد: د. راغب السرجانى : سلسلة : التتار .. من البداية إلى عين جالوت

    آثار "عين جالوت"..
    وسبحان الله..مع أن موقعة عين جالوت هذه كانت موقعة واحدة، وتمت في يوم واحد إلا أن آثارها كانت من القوة بحيث لا تتخيل، وكانت من الكثرة بحيث لا تحصى..آثار عين جالوت كانت في غاية الأهمية، ولا نستطيع في هذه العجالة أن نمرّ عليها كلها, ولكن سنمرّ على طرفٍ منها..وعلى الدارسين والمحللين أن يبحثوا في هذه الآثار بمزيد من التفصيل والدراسة..

    الأثر الأول: عاد المسلمون إلى الله عز وجل أثناء التحضير وأثناء الإعداد لهذا اللقاء، وأثناء المعركة ذاتها، وبعد المعركة، ولمدة طويلة من الزمان..لقد وضحت المعادلة جداً في أذهان الناس؛ فالمسلمون عندما ابتعدوا عن الله عز وجل تمكن التتار من رقابهم، ولما عادوا إلى الله حدث النصر الذى اعتبره كثير من المحللين معجزة..وواقع الأمر أنه ليس بمستغرب، فالنتيجة الطبيعية لعودة المسلمين إلى الله عز وجل أن يتم نصرُهم على أعدائهم..
    وتبين المسلمون أيضاً بوضوح أن الحرب دينية في المقام الأول؛ فقد تحالف كثير من النصارى مع التتار, مع أن مصالحهم على المستوى البعيد كانت مع المسلمين وليست مع التتار؛ فالتتار لا عهد لهم بينما يحترم المسلمون العهود جداً..هذا في أصل دينهم، وهذا هو واقعهم في معظم فترات التاريخ، والمخالفات الإسلامية من ناحية إخلاف الوعود والعهود قليلة جداً، ويكون لها عادة مبررات قوية..ولذلك فقد استقرّ في نفس المسلمين بعد انتصار عين جالوت أن الحروب التى دارت بينهم وبين التتار والنصارى لم تكن حروب مصالح فقط كما يحب كثير من الغربيين والعلمانيين أن يصوروا، وكما يحب الماديون أن يصوروا؛ فيجعلون الاقتصاد هو المحرك الرئيسي للحروب.. أو يجعلون الأغراض العسكرية والاستراتيجية هي الهدف الأساسي.. بينما رأينا في هذه القصة التى مرت بنا أن الدين كان له أثر كبير في تحريك النصارى، وكان له أثر أكبر في تحريك المسلمين..والله عز وجل نبهنا إلى ذلك في كتابه حيث قال مثلاً: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم"...فجعل الرضا عندهم مقرونا باتباع ملتهم وليس ببقاء مصالحهم..
    وكذلك قال:
    "ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا"..
    فوضح أن القتال سيستمر حتماً إلى أن يترك المسلمون دينهم، أما قبل ذلك فالحرب لن تتوقف، ولن تكفي سيطرة اليهود والنصارى والتتار والمشركين والهندوس على الأرض والديار والأموال والبترول والناس وغير ذلك..لن يكفي كلُّ ذلك..بل سيظل الهدف الأسمى لهؤلاء هو السيطرة على الدين الإسلامى..أو قل "محو الدين الإسلامى"، وما نراه من متابعة لكل الحركات الإسلامية والتوجهات الدينية، وما نراه من محاولات تغيير لمناهج المسلمين الدراسية، وما نراه من حرب في وسائل الإعلام المختلفة..كل هذا ما هو إلا صور للتعبير عن شدة الكراهية "لوجود"الدين وليس لوجود القوة أو الحدود..
    أي أن المعركة في أصلها هى معركة "وجود"أساساً، هم لا يقبلون "بوجود"الدين الإسلامي على وجه الأرض..لذلك فالحرب لن تنتهي أبداً..لأن دين الإسلام لن ينتهي أبداً بإذن الله..وهكذا لا يصلح أن يكون السلام اختياراً استراتيجياً مهما تغيرت الظروف..فأنت إن تنازلت عن كل شيء في مقابل السلام فهم لن يقبلوا..إلا أن تتنازل عن "الدين"..
    لقد فقه المسلمون بعد موقعة "عين جالوت" أن الصراع ديني في المقام الأول، ومن ثَمَّ إذا أردت أن تنتصر في هذا الصراع الديني، فلابد أن تكون دينياً..بمعنى أن تكون متمسكاً تماماً بهذا الدين..
    كان هذا هو الأثر الأول لموقعة عين جالوت الخالدة..

    الأثر الثاني:قتل المسلمون في عين جالوت الهزيمة النفسية البشعة التي كانوا يعانون منها..والتي فصلنا في ذكرها في أول هذا الكتاب..
    خرج المسلمون من حالة الإحباط الشديد التي كان تسيطر عليهم، وعلموا أن الأمل في الله عز وجل لا ينقطع أبداً، وأنه مهما تعاظمت قوة الكافرين فإنها ولا شك إلى زوال.."لا يغرَّنك تقلب الذين كفروا في البلاد، متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد"..
    ظهر للمسلمين بوضوح بعد عين جالوت أن الله عز وجل قادر على كل شيء، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهم وإن كانوا يعلمون ذلك علماً نظرياً قبل عين جالوت، فإن موقعة عين جالوت جاءت كالدرس العملي التطبيقي الذي لا يُبقي شكاً في قلب أحد..
    "وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإن يردك بخير فلا رادّ لفضله، يصيب به من يشاء من عباده، وهو الغفور الرحيم"
    الأثر الثالث:
    عادت الهيبة للأمة الإسلامية بعد غياب دام أكثر من ستين سنة، فبعد أن كانت الأمة الإسلامية في أواخر القرن السادس الهجري في درجة عظيمة جداً من درجات النصر والفخر والسيادة، وذلك بعد انتصارَيْ حطين في المشرق (في فلسطين)، والأرك في المغرب )في الأندلس(حدث انكسار شديد في حالة الأمة الإسلامية، ضاعت هيبتها، حتى بدأت الكلاب تنهش جسدها، والأفاعي تجول بأرضها..
    لكن عين جالوت ألقت الجلال والمهابة على الأمة الإسلامية، حتى إن هولاكو الذي كان يستقر في تبريز في فارس، ومعه عدد ضخم من القوات التترية لم يفكر في إعادة احتلال بلاد الشام مرة ثانية، وأقصى ما استطاع فعله هو إرسال حملة انتقامية أغارت على حلب، وسفكت دماء بعض أهلها كنوع من إثبات الوجود، لكن هيبة الأمة الإسلامية وقرت في صدره، فلم يشأ أن يلقي بجيشه في مهلكة جديدة..
    وهيبة الأمة لا تعود إلا بأيام كعين جالوت..
    "إن الله ليزع بالسلطان، ما لا يزع بالقرآن".
    الأثر الرابع:
    فنيت قوة التتار العسكرية في منطقة الشام وتركيا وفلسطين..لم يُسمع عن التتار في هذه المنطقة لعشرات السنين بعد ذلك، اختفى القهر والظلم، واختفى البطش والتشريد، وأمن الناس على أرواحهم وأموالهم وأرضهم وأعراضهم..ولم يروع الناسَ أحدٌ في هذه المناطق إلا بعد عين جالوت بأكثر من مائةٍ وأربعين عاماً، عندما دخل التترى السفاح تيمورلنك بلاد الشام، فاجتاح حلب ودمشق سنة 804 هجرية بعد أن اجتاح بلاد العالم الإسلامي الشرقية..
    أحداث تيمورلنك سنتعرض لها إن شاء الله عند الحديث عن دولة المماليك، وأيضاً سنتناولها عند الحديث عن الخلافة العثمانية..لكن ما يهمنا في هذا المجال هو أن هذه الموقعة "عين جالوت"قد أمَّنت المسلمين مائة وست وأربعين سنة كاملة..
    الأثر الخامس:
    تعتبر موقعة عين جالوت شهادة الميلاد الحقيقية لدولة المماليك العظيمة، التي حملت راية الإسلام لمدة تقترب من ثلاثة قرون )مائتين وسبعين سنة..(. نعم, كانت بداية حكم المماليك منذ سنة 648 هجرية عند ولاية شجرة الدرّ ثم زوجها الملك المعز عزّ الدين أيبك المملوكي، لكن "عين جالوت" هي التي أعطت الشرعية أمام جميع المسلمين لدولة المماليك.. فقد حقق المماليك في غضون عشر سنوات انتصارين هائلين على أعداء الإسلام.. أما الانتصار الأول فكان في المنصورة وفارسكور على جيوش فرنسا بقيادة الملك لويس التاسع، والانتصار الثانى هو عين جالوت، ولئن كانت القيادة العامة لجيش المسلمين في موقعة المنصورة ثم فارسكور قيادة أيوبية فإن الجيش كان معتمداً في الأساس على المماليك، أما في عين جالوت فالانتصار كان مملوكياً خالصاً، وبذلك شعر الجميع أن هؤلاء المماليك هم أقدر الناس على قيادة الأمة..
    وهكذا نشأت الدولة المملوكية التى حملت على عاتقها صدّ هجمات أعداء الله عز وجل من تتار أو صليبيين، وكانت دولة جهادية في معظم فتراتها..
    ومع أن دولة المماليك حاولت أن تضفي شرعية على وجودها بصورة أكبر حيث استضافت أبناء خلفاء بنى العباس في القاهرة ابتداءً من سنة 659 هجرية بعد عين جالوت مباشرة وفي عهد الظاهر بيبرس، إلا أن دولة المماليك لم تكن تمثل الخلافة الحقيقية للمسلمين لأنها لم تكن في أقصى اتساعها تسيطر إلا على أجزاء محدودة من العالم الإسلامي، فكانت تسيطر على مصر والشام والحجاز واليمن وأجزاء من العراق وأجزاء من ليبيا، أما بقية العالم الإسلامى فكان موزعاً بين طوائف شتى، ولم يجد المسلمون معنى الخلافة الحقيقية الجامعة لكل المسلمين تقريباً إلا بعد قيام الخلافة العثمانية العظيمة الذى أعادت جمع المسلمين بعد سنوات من التفرق.
    لكن على العموم.. كانت دولة المماليك أقوى دول المسلمين في فترة وجودها، وأكثرها جدية، وأعظمها هيبة، ولذلك يطلق المؤرخون كثيرًا على العهد الذى عاش فيه المماليك "العهد المملوكي" متجاهلين بذلك كثيراً من الدول الصغيرة التى عاشت في تلك الفترة..

    الأثر السادس:
    عادت الوحدة العظيمة بين مصر والشام، وكونا معًا التحالف الاستراتيجي الصُلب الذي يمثل حاجز صدّ رائع ضد الهجمات الأجنبية..فمصر والشام - بما فيها فلسطين - يمثلان قلب العالم الإسلامي استراتيجيا وسياسياً وجغرافياً وثقافياً وتاريخياً..واتحاد مصر مع الشام يمثل عامل أمان كبير لكل المنطقة، كما أنه يقلل كثيراً من أطماع الطامعين في العالم الإسلامي، وخاصة أن معظم أعداء الإسلام كثيراً ما يركزون تفكيرهم على منطقة مصر والشام، وذلك لأسباب دينية واقتصادية وعسكرية..وبذلك يتضح أنه لا نجاة لهذه المنطقة إلا بوحدة شاملة بين كل الشام بما فيها سوريا وفلسطين والأردن ولبنان.. وبين مصر..وهذا ما فعلته دولة المماليك الناشئة..
    الأثر السابع:
    اختفى من على الساحة الإسلامية كل الأمراء الأيوبيين الذين كانوا أقزاماً في ذلك الزمن الذي لا يعيش فيه إلا العمالقة..لقد فرّط معظم هؤلاء الأمراء في الأمانة الثقيلة التي خلَّفها لهم جدُّهم العظيم صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، وما كان لهم من همٍّ إلا الصراع على السلطة، وجمع المال، وتوريث الأبناء.. عاشوا حياتهم في مؤامرات ومكائد، وداسوا على كل الفضائل والمكارم في صراعاتهم، حتى انتشرت بينهم موالاة النصارى والاستعانة بهم في حرب إخوانهم من المسلمين، وأحيانا في حرب إخوانهم الأشقاء!!..وظلّ هؤلاء الأقزام يُذيقون شعوبهم الألم والظلم والقهر والخيانة، وظلوا يقاومون أيّ مشروع للوحدة تحت راية واحدة، لأنهم يختلفون فيمن يصعد إلى كرسي الحكم إذا حدثت الوحدة، وظلوا يقاومون الحكم المملوكي في مصر، ويتعاونون مع الصليبيين لإسقاطه إلى أن حدثت موقعة عين جالوت الخالدة.. فكان من آثارها المباشرة سقوط هذه الزعامات الوهمية، وعرف كل منهم قدره، ورضي بما يناسب حجمه، وبذلك وَقَتْ موقعة عين جالوت الأمةَ شر أبنائها.. كما وَقَتْهَا شر أعدائها..

    الأثر الثامن:
    نتيجة الوحدة بين مصر والشام، ونتيجة اختفاء الأمراء الأقزام من على الساحة، ونتيجة ظهور دولة المماليك، ونتيجة الطبيعة الجهادية لدولة المماليك، ونتيجة النشأة الإسلامية والحميّة الدينية والفقه العالي الرفيع لهذه الدولة..نتيجة لكل هذا حدث أمر هائل عظيم..
    لقد أخذ المماليك على عاتقهم مهمة تحرير بلاد الشام وفلسطين من الإمارات الصليبية التي ظلّت تحكم هذه البلاد منذ سنة 491 هجرية..أي منذ أكثر من مائة وستين عاماً قبل عين جالوت..ومع أن عماد الدين زنكي ونور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي رحمهم الله جميعاً قد بذلوا جهوداً مضنية لتحرير هذه المناطق إلا أنهم لم يفلحوا في تحرير كثير منها، إلى جانب تفريط أبنائهم في بعض الولايات المُحرَّرة حين تنازلوا عنها من جديد للصليبيين، ولذلك فبعد "عين جالوت"، وبعد استقرار المماليك في الحكم بدءوا يوجهون جيوشهم الواحد تلو الآخر لتحرير هذه البلاد الإسلامية العظيمة فلسطين وسوريا والأردن ولبنان وتركيا.. نسأل الله لها جميعًا دوام التحرر..
    فبدأ الظاهر بيبرس حملاته على هذه الإمارات ابتداءً من سنة 659 هجرية بعد عين جالوت بشهور قليلة، وبعد جهاد مُضْنٍ بدأت الإمارات الصليبية في التساقط في أيدي المسلمين المجاهدين، فحرّر المسلمون في سنة 664 هجرية قيسارية وحيفا وحصن أرسوف جنوب قيسارية، وكل هذه المدن في فلسطين، ثم في سنة 665 هجرية حررت صفد في الشمال الشرقي لفلسطين، وبينما كان بيبرس يحرر هذه البلاد في فلسطين كان قائده سيف الدين قلاوون يحرر قليقية في تركيا وانتصر هناك على قوات الأرمن النصرانية بقيادة الملك هيثوم، وجمع غنائم لا تحصى، وأسر من الصليبيين ونصارى الأرمن أربعين ألفاً، وفي سنة 666 هجرية حرّر الظاهر بيبرس يافا، وفي سنة 667 هجرية حُررت أنطاكية إمارة الأمير بوهمند الذى كان متحالفاً مع التتار، وهي أول مملكة صليبية في بلاد المسلمين حيث احتلت في سنة 491 هجرية، وكانت أغنى الإمارات حتى إن غنائمها من الذهب والفضة كانت توزع على الفاتحين بالمكيال وليس بالعدد!!..
    ولم يبق عند وفاة الظاهر بيبرس رحمه الله من المدن الإسلامية المحتلة إلا عكا وكانت أقوى المدن المحتلة, إلى جانب صور وصيدا وطرابلس وبيروت وهي جميعاً في لبنان، وأيضاً طرطوس واللاذقية وهما من المدن السورية..
    وقد حُرّرت طرابلس في سنة 684 هجرية بعد عين جالوت بستة وعشرين عاماً على يد السلطان المملوكي المنصور قلاوون، ثم خلفه بعد ذلك ابنه السلطان العظيم الأشرف خليل بن قلاوون الذي أخذ على عاتقه تحرير كل المدن الإسلامية المحتلة من الصليبيين، فحُررت عكا الحصينة في سنة 690 هجرية بعد قرابة قرنين من الاحتلال الصليبي، وبعد فشل كل أمراء المسلمين السابقين على مدى قرنين كاملين في فتحها، وبفتح عكا سقطت أعظم معاقل الصليبيين في الشام، وبعدها بقليل حررت صيدا وصور وبيروت وجبيل وطرطوس واللاذقية، وبذلك انتهى الوجود الصليبي تماماً من الشام وذلك بعد اثنتين وثلاثين سنة فقط من عين جالوت، مما يجعل هذا التحرير من النتائج المباشرة لهذه الموقعة العملاقة..
    هناك بالطبع تفاصيل في غاية الأهمية والروعة في تحرير كل هذه المدن والإمارات، ولكننا نرجئ ذكرها إلى حين الحديث عن الحروب الصليبية إن شاء الله..

    الأثر التاسع:
    ارتفعت قيمة مدينة القاهرة المصرية ارتفاعًا بالغًا, بعد انتصار عين جالوت وقيام دولة المماليك، وخاصة بعد التدمير الذي لحق ببغداد سنة 656 هجرية على أيدي التتار، وبعد سقوط قرطبة سنة636 هجرية في أيدي الصليبيين الأسبان..
    أصبحت القاهرة قبلة العلماء والأدباء، ونشطت الحركة العلمية جداً، وعظم دور الأزهر، وأصبح - ولا يزال -من أعظم جامعات العالم الإسلامي، وحمل لواء الدفاع عن الدين، ونشر الدعوة، والجهر بالحق عند السلاطين، والمطالبة بالحقوق، وتزعم الحركات الجهادية ضد أعداء الأمة..
    وبذلك توارثت الأجيال في هذه المدينة العريقة "القاهرة" الدعوة إلى الله، والصحوة الإسلامية، وحمل هَمّ المسلمين، ليس في مصر وحدها بل في العالم أجمع..

    الأثر العاشر:
    وهو من أعجب الآثار، وأعظم الآثار!!
    فقد رأى كثير من التتار دين الإسلام عن قرب، وقرءوا عن أصوله وقواعده وقوانينه، وعلموا آدابه وفضائله، ورأوا أخلاقه ومبادئه..فأعجبوا به إعجاباً شديداً، وخاصة أنهم - كعامة البشر -يعانون من فراغ ديني هائل..فليس هناك تشريع يقترب أو يحاول الاقتراب من دين الإسلام..ومن اقترب منه وبحث فيه لابد أن يرتبط به، إن كان صادقاً في بحثه، وطالبًا للحقيقة فعلاً..
    لقد بدأ بعض التتار يؤمنون بدين الإسلام..ثم شاء الله عز وجل أن يدخل الإيمان في قلب أحد زعماء القبيلة الذهبية - أحد الفروع الكبيرة جداً في قبائل التتار -, وهذا الزعيم هو ابن عم هولاكو مباشرة، وهو أخو "باتو"القائد التتري المشهور، وتلقب هذا الزعيم باسم "بركة"، وكان إسلامه في سنة650 هجرية، ثم تولى "بركة"زعامة القبيلة الذهبية سنة 652 هجرية، وأصبح اسمه "بركة خان"، وكانت هذه القبيلة شبه مستقلة عن دولة التتار، وتحكم المنطقة التى تقع شمال بحر قزوين، والمعروفة في الكتب الإسلامية القديمة باسم "بلاد القبجاق"وهى تقع الآن في روسيا، وبإسلام هذا الزعيم دخلت أعداد كبيرة من قبيلته في الإسلام، وهذا أمر عجيب حقاً، لأن دخول كل هؤلاء في الإسلام كان قبل عين جالوت، وكان التتار يتحكمون في رقاب المسلمين، والمسلمون مهزومون في كل مواقعهم، وهى من المرات القليلة جداً في التاريخ التي يدخل فيها الغازي في دين من يغزو بلادهم، ويدخل القوي في دين الضعيف، ولكنه دين الإسلام الذي يخاطب الفطرة البشرية، وهذا يضع مسئولية كبيرة على عاتق الدعاة المسلمين، في أن يصلوا بهذا الدين إلى أهل الأرض جميعاً، فإن من وصل إليه الدين صحيحاً نقياً فإنه يُرجى إسلامه مهما كان معادياً للإسلام في بَدء حياته..
    ومن آثار موقعة عين جالوت العظيمة أن تزايد عدد المسلمين جداً في القبيلة الذهبية حتى أصبح كل أهلها تقريباً من المسلمين، وتحالفوا مع الظاهر بيبرس ضد هولاكو، ولهم مع هولاكو حروب متكررة نعرض إليها إن شاء الله عند الحديث عن تاريخ دولة المماليك..
    والجدير بالذكر أن بقايا القبيلة الذهبية ما زالت موجودة، ومكونة لبعض الإمارات الإسلامية مثل إمارة قازان وإمارة القرم وامارة استراخان وإمارة النوغاي وإمارة خوارزم وغيرها، وكل هذه الإمارات ما زال محتلاً إلى يومنا هذا من روسيا، وما استطاعت أن تتحرر بعد حتى بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، ونسأل الله لها ولسائر بلاد المسلمين التحرر الكامل والسيادة المطلقة على أراضيها..
    كان هذا هو الأثر العاشر لموقعة عين جالوت..
    فتلك عشرة كاملة..
    ولا شك أن هناك آثارًا أخرى كثيرة لهذه الموقعة الخالدة..والأمر بين يدي الباحثين والدارسين..

    يتبع
    فقول الحق للطاغي *** هو العزى هو البشرى

    هو الدرب إلى الدنيا *** هو الدرب إلى الأخرى

    فإن شئت فمت عبدا *** وإن شئت فمت حرًّا


    ~ ~ ~

    كرهت عيش النفاق كرهت عيش الدجل

    كرهت عيش السهول أريد عيش الجبل

    اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي

  9. #49
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    الدولة
    والله ما عارف بلدى ولا بلدهم !!
    المشاركات
    4,546

    افتراضي رد: د. راغب السرجانى : سلسلة : التتار .. من البداية إلى عين جالوت

    أسباب النصر في عين جالوت

    إذا كان لموقعة عين جالوت كلُّ تلك الآثار التي عرفناها، فلا يفوتنا هنا أن نتدبر في أسباب هذا النصر العظيم..
    لقد شرحنا بالتفصيل خطوات قطز رحمه الله في إعداد الأمة والجيش لهذا النصر..وهنا - في إيجاز شديد - نعرض لبعض الأسباب التي أخذ بها قطز رحمه الله ومن معه من أبطال ومن علماء الإسلام وأدت في النهاية إلى هذا الانتصار المبهر..

    السبب الأول(وهو أعظم الأسباب):
    الإيمان بالله، والاعتقاد الجازم بأن النصر لا يكون إلا من عنده سبحانه وتعالى..ولذلك اهتم قطز رحمه الله بالناحية الإيمانية عند الجيش وعند الأمة، وعظّم دور العلماء، وحفز شعبه لحرب التتار من منطلق إسلامي وليس من منطلق قومي أو عنصري، ولخص ذلك في عين جالوت بكلمته الموفقة "واإسلاماه"، ولم يقل: وامصراه.. وامُلْكاه.. واعروبتاه!!..لقد كانت الغاية واضحة جداً عند قطز رحمه الله، وكانت هويتُه إسلامية تماماً..ووضوح الرؤية ونقاء الهوية كان سبباً مباشراً من أسباب النصر، بل هو أعظمها على الإطلاق..
    وقد ظهر رسوخ هذا الأمر في نفس قطز رحمه الله عندما لجأ إلى الله بوضوح عند الأزمة الخطيرة في عين جالوت, حيث وقف متضرعًا يناجي ربه ويقول: "يا الله..انصر عبدك قطز على التتار".. فالدعاء هو العبادة..الدعاء اعتراف من العبد بعبوديته لله عز وجل.. الدعاء إعلان صريح من العبد أنه فقير لرب العالمين..
    لقد كان قطز رحمه الله يدرك في كل خطوة من خطوات إعداده أنه لن يفلح إلا إذا أراد الله عز وجل، ولذلك لابد أن يطلب منه باستمرار وبإلحاح وبخشوع وبتضرع.. ولم ينسب النصر إلى نفسه أبداً.. بل كان دائما ينسبه إلى الله عز وجل؛ لأنه يعلم أنه كثيراً ما طلب من الله عز وجل، وأن الله عز وجل قد تفضّل وتكرّم عليه بالنصر والتوفيق..فلله تعالى المنّة والفضل..

    السبب الثاني: الوحدة بين المسلمين
    فالأمة المتفرقة لا تُنصر، وقد حرص قطز رحمه الله منذ اليوم الأول لارتقائه عرش مصر أن يوحّد المسلمين قدر ما يستطيع؛ فعفا عن المماليك البحرية، وجمعهم مع المماليك المعزّية، وراسل ملوك الشام الأيوبيين، وتقرب منهم، وضم إلى قواته الشاميين والخوارزمية والمتطوعين بصرف النظر عن أصولهم وأعراقهم...وبذلك نجح في تحقيق ما كان يعتقد الكثيرون أنه مستحيل.

    السبب الثالث: إذكاء روح الجهاد في الأمة..
    فقد تيقن قطز رحمه الله أن السبيل الأساسي لاستعادة حقوق المسلمين هو الجهاد، وأن السلام إذا صلح أن يكون اختياراً في بعض الظروف، إلا أنه لا يمكن أن يُختار إذا انتُهبت حقوق المسلمين، وإذا سُفكت دماؤهم، وإذا شُرّدوا في الأرض..السلام لا يكون إلا باستعادة كامل الحقوق، ولا يكون إلا ونحن أعزّاء، ولا يكون إلا ونحن نمتلك قوة الردع الكافية لدحر العدو إذا خالف معاهدة السلام..أما بدون ذلك فالسلام لا يكون سلاماً بل يكون استسلاماً، وهو ما لا يُقبل في نظر الشرع..
    والحق أن شعب مصر كان مؤهلاً للجهاد، ومعظماً له من جرّاء الحروب الصليبية المتتالية، ولذلك كان سهلاً على قطز رحمه الله أن يذكّر الناس بالجهاد كسبب رئيسي من أسباب النصر، ولابد أن تفقه الأمة الإسلامية أنها لا سبيل لها لرفع رأسها في الأرض إلا بالجهاد، ولذلك فالجهاد هو ذروة سنام الإسلام..أى أعلى ما فيه، ومن يتمسك به يكن أعلى الناس في الأرض..

    السبب الرابع: الإعداد الجيد للمعركة
    فقد أخذ قطز بكل الأسباب المادية لتقوية جيشه، من إعداد للسلاح وتدريب للجنود، وترتيب للصفوف، ووضع للخطة المناسبة، واختيار المكان المناسب، وعقد الأحلاف الدبلوماسية المناسبة، وتهيئة الجو على أفضل ما يكون، ويكفي أن نذكر هنا بالصورة الجميلة البهية الرائعة التى كانت عليها جيوش المماليك في عين جالوت، وكأنها تتجه إلى عرض عسكري، وليس إلى معركة ضارية..
    ومن لم يعدّ العدة وتوقَعَ النصر فلا شك أنه واهم.. ليس هذا من سنن الله عز وجل..

    السبب الخامس: القدوة
    التي ضربها قطز رحمه الله لجنوده ولأمته في كل الأعمال..وتربية القدوة أعلى آلاف المرات من تربية الخطب والمقالات..كان قطز رحمه الله قدوة في أخلاقه..قدوة في نظافة يده..قدوة في جهاده..قدوة في إيمانه..قدوة في عفوه...
    لم يشعر الجنود أبداً بأنهم غرباء عن قطز..لقد نزل قطز رحمه الله بنفسه إلى خندق الجنود وقاتل معهم، فكان حتماً أن يقاتلوا معه..

    السبب السادس: عدم موالاة أعداء الأمة..
    فلم يوال قطز رحمه الله التتار أبداً مع فارق القوة والإعداد بينهما.. كما لم يوال أمراء النصارى في الشام مع احتياجه لذلك.. لقد سقط الكثير من الزعماء قبل قطز في مستنقع الموالاة للكفار، وكان منطلقُهم في ذلك أنهم يجنّبون أنفسهم أساساً.. ثم يجنبون شعوبهم بعد ذلك - كما يدَّعون - ويلات الحروب..فارتكبوا خطأً شرعياً شنيعاً..بل ارتكبوا أخطاءً مركبة؛فتجنب الجهاد مع الحاجة إليه خطأ..وتربية الشعب على الخنوع لأعدائه خطأ آخر..وموالاة العدو واعتباره صديقاً خطأ ثالث...
    لكن قطز رحمه الله كان واضح الرؤية..وتحقق له هذا الوضوح في الرؤية بفضل تمسكه بشرع الله عز وجل.. لقد قرأ في كتاب الله:
    "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين"..
    وهذا تحذير خطير..بل خطير جداً..من رب العالمين..
    وكم هو أحمق -بل ضعيف الإيمان -من يستمع إلى هذا التحذير ثم لا يتلفت إليه..

    السبب السابع: بث روح الأمل في الجيش والأمة..
    فالأمة المحبطة من المستحيل أن تنتصر..والإحباط والقنوط واليأس ليست من صفات المؤمنين..
    "إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون"
    لقد عمل قطز رحمه الله على رفع الروح المعنوية للجيش وللأمة..ووضح لهم أن نصر الله عز وجل للأمة التي سارت في طريقه ليس أمراً محتملاً، بل هو أمر مؤكد، وأمر يقيني..وأمر عقائدي..
    "كتب الله لأغلبنّ أنا ورسلي.. إن الله قوى عزيز"
    هذه - أيها المؤمنون - قضية منتهية!!

    السبب الثامن: الشورى الحقيقية
    التي سار على هداها قطز رحمه الله في كل خطواته تقريباً.. الشورى التي تسعى - حقيقة - للوصول إلى أفضل الآراء، لا إلى تثبيت وتدعيم رأي الزعيم!!الشورى أصل من أصول الحكم في الإسلام..والذي لا يأخذ بها يضحّي بملايين الطاقات في شعبه، ويفترض في نفسه الكمال، ويخالف طريق الأنبياء، ويورث الضغينة في قلوب أتباعه، ويقع في الخطأ تلو الخطأ..وفوق ذلك كلِّه يخالف أمر الله عز وجل الذي جاء بلفظ صريح في كتابه العزيز..
    "وشاورهم في الأمر"

    السبب التاسع: توسيد الأمر لأهله..
    فقد ولَّى قطز رحمه الله أولئك الذين يتصفون بصفتين رئيسيتين هامتين لكل وظيفة ـ صغرت أم كبرت ـ هاتان الصفتان هما: الكفاءة والأمانة ..
    "إن خير من استأجرت: القويُّ.. الأمين"..
    القوي في مجال عمله..المتفوق على أقرانه..السابق لهم..المتقن لعمله المبدع فيه..
    والأمين الذي لا يضيع حق الله ولا حق العباد ولا حق الأمة ولا حق نفسه..
    وكم تخسر الأمم إذا وُسّد الأمر لغير أهله..بل هي من علامات الساعة..
    روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابياً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: متى الساعة؟ فقال: إذا ضُيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: كيف أضاعتها؟ قال: إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة.."
    فإذا تولى الأمورَ رجالٌ لا يمتلكون كفاءة ولا يتصفون بأمانة، ولم يصلوا إلى مكانهم إلا بوساطة أو قرابة أو رشوة..إذا حدث ذلك فاعلم أن النصر بعيد!!
    وقد رأينا في قصتنا هذه كيف ولَّى قطز رحمه الله فارس الدين أقطاي رئاسة الجيش مع كونه من المماليك البحرية، وكذلك ولى ركن الدين بيبرس على مقدمة جيش المسلمين في عين جالوت مع كونه منافسًا له وصاحب تاريخ وقوة, ومع كونه زعيمًا للمماليك البحرية، ورأينا كيف ولى أمراء الشام على بلادهم ولم يول أصحابه وأقاربه.. ومن كان على هذه الصورة فلابد أن يُنصر.. لأن من حفظ الأمانة حفظه رب العالمين..
    "احفظ الله يحفظك.." هذه قاعدة ثابتة من قواعد النصر..

    السبب العاشر: الزهد في الدنيا
    وما يفشل الزعماء الوهميون - في زمان قطز أو في زماننا أو إلى يوم القيامة – إلا بغرقهم في الدنيا, وانغماسهم فيها.. وما ظلموا شعوبهم, وما والَوا أعداءهم.. إلا جريًا وراء المادة, وسعيًا وراء الدنيا..
    ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم التحذير من أمر الدنيا .. فقد روى البخاري ومسلم – على سبيل المثال – عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر, وجلسنا حوله.. فقال: "إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يُفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها.."
    ولم تكن تلك هي المرة الوحيدة التي حذرنا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر الدنيا؛ فهذا أمر متكرر كثيرًا, وبأكثر من صيغة, وفي أكثر من موقف, وليس كل ذلك إلا لخطورتها الشديدة على المسلمين.. بل على المؤمنين..
    وفي قصتنا هذه رأينا الذين تعلقوا بالدنيا كيف كانت حياتهم وطموحاتهم وأحلامهم، وكيف باعوا أنفسهم وشعوبهم وأخلاقهم، بل وعقيدتهم، من أجل أعراضٍ رخيصة من الدنيا.. ورأينا كيف عاشوا في ذلة وصغار، وكيف ماتوا في ذلة كذلك.. رأينا محمد بن خوارزم, وجلال الدين بن خوارزم, والناصر لدين الله الخليفة العباسي, والمستعصم بالله, وبدر الدين لؤلؤ, والناصر الأيوبي وغيرهم...
    أما قطز فقد فطن إلى هذا المرض الذي ابتلي به هؤلاء الضعفاء فزهد فيه وتجنبه، وعلم أن متاع الدنيا ـ مهما كثر ـ فهو قليل، وأن نعيمها ـ مهما كان له بريق ـ فهو زائف ومنقطع؛ فلذلك لم يُفتن بالدنيا لحظة، ولم يطمع فيها قيد أنملة، بل حرص على أن يبيع دنياه كلها، ويشتري الجنة، فترك المال الغزير الذي كان تحت يده، ولم يطمع فيه.. بل باع ما يمتلكه ليجهز جيوش المسلمين المتجهة لحرب التتار..
    ولم يطمع في كرسي الحكم, بل عرض القيادة على الناصر يوسف الأيوبي ـ على قلة شأنه ـ إذا قبل بالوحدة بين مصر والشام، ولم يطمع في استقرار عائلي أو اجتماعي أو أمن وأمان، فكرس حياته للجهاد والقتال، على صعوبته وخطورته، ولم يطمع في أن يمتد به العمر؛ فخرج بنفسه على رأس الجيوش ليحارب التتار في حرب مهلكة، ولا شك أنه يعلم أنه سيكون أول المطلوبين للقتل، ولا شك أنه يدرك كذلك أنه إذا لم يخرج بنفسه، وأخرج من ينوب عنه، فإن أحدًا لن يلومه؛ لأنه الملك الذي يجب أن يُحافظ على نفسه لأجل مصلحة الأمة، لكنه اشتاق بصدق إلى الجهاد في سبيل الله، وتمنى الموت بين صليل السيوف وأسنة الرماح، وزهد في هذه الدنيا الفانية؛ فلم يتردد لحظة، ولم يجزع أبدًا، وكانت حياته تطبيقًا عمليًا كاملاً لكلماته.. ولذلك أعطاه الله عز وجل الدنيا التي فر منها، وأعطاه الكرسي الذي زهد فيه، وأمده بالغنائم الهائلة، والمال الوفير الذي لم يفكر في الحصول عليه أبدًا!!..
    وهكذا عاش قطز رحمه الله عزيزًا شريفًا رافعًا رأسه، مُعِزًا لدين الله، محبوبًا من شعبه، مرهوبًا من أعدائه...
    لقد فقه قطز رحمه الله أن رزق العبد مكفول له قبل أن يولد، وأن نصيبه من المال والسلطة والملك سوف يصل إليه حتمًا، بل سيجري وراءه حثيثًا.. ولذلك لم يُذِلَّ نفسه أبدًا، وكان دائمًا يعتمد على الذي بيده الرزق والأمر سبحانه، وأجْمَلَ في الطلب؛ فلم يخضع لإنسان مهما بلغت قوته، ولم يرهب جيشًا مهما كانت عدته، وفقه بعمق كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه ابن ماجة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما, والذي قال فيه: "أيها الناس, اتقوا الله وأجملوا في الطلب؛ فإن نفسًا لن تموت حتى تستوفي رزقها, وإن أبطأ عنها.. فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب.. خذوا ما حَلَّ, ودعوا ما حَرُمَ..".
    رحم الله هذا العلم الجليل، والقائد الفذ "قطز".. الذي تعلمنا منه ـ ولا نزال نتعلم ـ كيف يعيش المسلم بالقرآن، وكيف تخالط كلمات الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم كل ذرة من كيانه.

    ونسأل الله عز وجل أن يصلح آخرته كما أصلح دنياه، وأن يعزه أمام الخلق يوم العرض الأكبر، كما أعزه في عين جالوت، وأن يكتب اسمه في سجل الصادقين المخلصين المجاهدين، كما كتب اسمه في سجل الخالدين.. إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    كان هذا هو السبب العاشر من أسباب النصر في هذه الموقعة الجليلة.... فتلك عشرة كاملة.. وأسأل الله أن ينصر الإسلام والمسلمين.

    فقول الحق للطاغي *** هو العزى هو البشرى

    هو الدرب إلى الدنيا *** هو الدرب إلى الأخرى

    فإن شئت فمت عبدا *** وإن شئت فمت حرًّا


    ~ ~ ~

    كرهت عيش النفاق كرهت عيش الدجل

    كرهت عيش السهول أريد عيش الجبل

    اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي

  10. #50
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    الدولة
    والله ما عارف بلدى ولا بلدهم !!
    المشاركات
    4,546

    افتراضي رد: د. راغب السرجانى : سلسلة : التتار .. من البداية إلى عين جالوت

    وبعد..

    هذه قصة التتار..
    وهذه قصة عين جالوت..
    دورة طبيعية من دورات التاريخ..
    فالتاريخ من طبيعته أن يصعد بأمة إلى أعلى الدرجات ثم يهوي بها إلى أسفل سافلين.."وتلك الأيام نداولها بين الناس"، صعد التتار ثم هبطوا، وهبط المسلمون ثم صعدوا، وسيكون بعد الصعود هبوط، وسيكون بعد الهبوط صعود...وهكذا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها..
    وإنما نعرض التاريخ لا لمشاهدة الصعود والهبوط فقط..ولكن لدراسة الأسباب التي أدّت إلى رفعة قوم وإلى ذلّة آخرين..والتاريخ يتكرر بصورة عجيبة..ومن قرأ التاريخ أضاف إلى خبراته خبرات السنين، وخبرات الأمم، وخبرات الزمان والمكان..

    في هذه القصّة رأينا كيف تحول مسار التاريخ تماماً بظهور رجل معين، هو قطز رحمه الله كما تحول مسار التاريخ قبل ذلك تماماً أيضاً بظهور جنكيزخان لعنه الله..وشتان بين الشخصيتين..ولكنهما يجتمعان في أن كليهما مؤثر..فكلاهما أثّر في الملايين..كلاهما أثر في جغرافية الأرض..كلاهما أثر في حركة التاريخ..ولكن شتّان بين الأثرين..أما الأثر الأول فقد استمد قوته من قوة الجسد والسلاح وشريعة الغاب..وأما الأثر الثاني فقد استمد قوته من قوة الإيمان والروح وشريعة الإسلام..
    من السهل جداً يا إخواني أن تدمِّر، ولكن من الصعب جداً أن تبني...
    من السهل جداً أن تظلم، لكن من الصعب جداً أن تعدل..
    من السهل جداً أن تغضب، لكن من الصعب جداً أن تعفو..
    وهذه هي روعة الإسلام..
    قطز إنسان، وجنكيزخان إنسان..
    لكنَّ الأوّل جُمِّلَ بالإسلام، والثاني حُرِم الإسلام..
    فتغيّرت حركة التاريخ تبعاً لذلك..
    قطز بنى حضارة الإنسان واستحق أن يكون خليفةً في الأرض..
    "إنى جاعل في الأرض خليفة"
    وجنكيزخان هدم حضارة الإنسان واستحق بذلك أن يكون مسخاً ملعوناً..
    "قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا "
    وأمثال جنكيزخان في الأرض كثير.. وعلى عكس ذلك: أمثال قطز في الأرض قليل؛ لأنه كما ذكرنا: ما أسهلَ التدمير، وما أصعبَ البناء!!
    "وإن تطع أكثر من في الأرض، يضلوك عن سبيل الله"
    "وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين"
    ومن المؤرخين من يشكك في أن التاريخ لا يُصنع بإنسان بعينه..وأن الإنسان الفرد لا يقوى على تغيير المجتمعات..وتغيير حركة التاريخ..
    ولكن التاريخ نفسه يثبت عكس ذلك..
    تغيّرت حركة التاريخ تماماً في أزمان كثيرة، وفي أماكن متعددة بظهور أشخاص بعينهم..ولا أقول لك تغيرت بحياة رسول أو نبي فهذا واضح ومفهوم، ووجود الوحي والتوجيه الرباني المباشر يجعل المقارنة مع بقية فترات التاريخ مستحيلة..لكن أقول لك تتغير حركة التاريخ بأشخاص معينة ليسوا أنبياء ولا رسلاً..تغيرت حركة التاريخ بوجود رجل مثل أبى بكر الصديق، وراجعوا حروب الردة..تغيرت حركة التاريخ بوجود رجل مثل عمر ابن الخطاب وراجعوا فتوح الإسلام.. تغيرت حركة التاريخ بظهور عمر بن عبد العزيز، وبظهور موسى بن نصير، وبظهور عبد الرحمن الداخل، وبظهور عبد الرحمن الناصر، وبظهور عماد الدين زنكي، وبظهور نور الدين محمود، وبظهور صلاح الدين الأيوبي، وبظهور قطز وبظهور عبد الله بن ياسين، وبظهور يوسف بن تاشفين، وبظهور محمد الفاتح..وبظهور غيرهم....رحمهم الله جميعاً..
    نعم يظهرون على فترات متباعدة ..ولكن يمتد أثرهم إلى آماد بعيدة.
    روى البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إِنَّمَا النَّاسُ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً"
    ولكن هذه الراحلة إن وجدت، فيا سعادة أهل الأرض بوجودها!..
    روى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
    "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها".
    وقطز -ولا شك -كان من هؤلاء المجددين..
    إن شئت فتحدث عن إيمانه وخشوعه، وإن شئت فتحدث عن زهده وعفافه، وإن شئت فتحدث عن كفاءته ومهارته، وإن شئت فتحدث عن صدقه وإخلاصه، وإن شئت فتحدث عن جهاده وتضحيته، وإن شئت فتحدث عن صبره ومصابرته، وإن شئت فتحدث عن حلمه وتواضعه..
    لقد كان رجلاً مجدداً بمعنى الكلمة..
    كان كما وصفه الإمام الذهبي رحمه الله في سير أعلام النبلاء حيث قال: "كان فارساً شجاعاً، سائساً، ديِّناً، محبباً إلى الرعية، هزم التتار، وطهّر الشام منهم يوم عين جالوت، ويَسْلَم له إن شاء الله جهادُه، وكان شاباً أشقر، وافر اللحية، تامّ الشكل، وله اليد البيضاء في جهاد التتار، فعوَّض الله شبابه بالجنة، ورضي عنه".
    وكان كما وصفه ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية: "كان شجاعاً بطلاً، كثيرَ الخير، ناصحاً للإسلام وأهلِه، وكان الناس يحبونه، ويدعون له كثيرًا".
    ولَاحِظْ أن المؤرخين المسلمين يعلّقون دائماً على مسألة حب الناس للشخص، وحب الرعية للزعيم..وهو مقياس دقيق من مقاييس العظمة الحقيقية..فالصالحون من هذه الأمة لا يحبون إلا صالحاً..ولا يبغضون إلا فاسداً..ومن أجمع الصالحون على حبه فهو محبوب عند الله، ومن أجمع الصالحون على بغضه، فهو بغيض عند الله..
    روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال: إنى أحب فلاناً فأحبَّه.. قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلاناً فأحبوه.. فيحبه أهل السماء. قال: ثم يُوضع له القَبول في الأرض. وإذا أبغض عبداً دعا جبريل فيقول: إنى أُبغض فلاناً فأبغضه، قال: فيُبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، قال: فيُبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض".
    وهكذا يا إخواني نرى بوضوح في حركة التاريخ أن هناك رجالاً بأعينهم يغيرون فعلاً من مسار التاريخ..ولكن مع وضوح هذا الأمر فإن العجيب أن الناس دائماً يبحثون عن هذا الرجل في خارج بيوتهم وشوارعهم ومدنهم.. يعتقدون أن هذا الرجل سيأتي من بعيد..من بعيد جداً..من بعيد في المكان، ومن بعيد في الزمان..أو لعله يأتي من خارج الأرض!!لماذا لا يعدّ كل واحد منا نفسه وأهله وأبناءه وإخوانه ليكونوا هذا الرجل؟!
    لماذا لا يكون قطز أنت؟!
    لماذا لا يكون قطز ابنك؟!
    لماذا لا يكون قطز أخاك؟!
    لماذا ندرس التاريخ يا إخواني؟؟
    ألسنا ندرسه لكي نسير على درب الصالحين ونتجنب دروب الفاسدين؟!
    لماذا لا نسير على خطوات قطز رحمه الله الواضحة الثابتة لنصل إلى عين جالوت في زمان كثر فيه التتار وأشباه التتار؟
    والله ما عاد لدينا عذر..فقد أقيمت علينا الحجة!!!
    "ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيَّ عن بينة"
    تلك كانت قصة قطز رحمه الله..
    ولكن بقيت في القصة مفاجأة!!

    الفصل الأخير!!
    المفاجأة العجيبة في قصة قطز رحمه الله..
    أنه لم يبق في كرسي الحكم إلا أحد عشر شهراً وسبعة عشر يوماً فقط!!لم يُكمل السنة!!
    كل هذا التاريخ المجيد، والإعداد المتقن، والتربية العالية، والانتصار المذهل، والنتائج الهائلة، والآثار العظيمة..كل هذا في أقل من سنة!!
    لقد مات قطز رحمه الله بعد انتصار عين جالوت بخمسين يوماً فقط..
    ومع أنه حكم هذه الفترة البسيطة فقط.. إلا أنه كان من أعظم رجال الأرض..
    إنقيمة الرجال وعظمتهم لا تقاس بطول العمر، ولا بكثرة المال، ولا بأبهة السلطان..إنما تقاس بالأعمال الخالدة التي تغيّر من وجه التاريخ، ومن جغرافية العالم، وهى في ذات الوقت تثقل في ميزان الله عز وجل..
    مَن قطز إذا لم يتمسك بشرع الله، وينتصر في عين جالوت بفضل تمسكه بهذا الشرع، والتزامه في السير في طريق الله عز وجل؟
    من قطز بغير هذا الطريق؟
    لا شك أن التاريخ كان سيُغفل اسمه كما أغفل أسماء الكثيرين الذين كانوا كغثاء السيل، بل كانوا وبالاً على شعوبهم وأوطانهم مع حكمهم الفترات الطويلة والأعمار المديدة..لا شك أن حفر الاسم في سجل التاريخ يحتاج إلى رجال عظماء..
    وليس بالضرورة أن يحتاج إلى وقت طويل..
    الناس تعتقد أن التغيير لابد أن يأخذ فترات طويلة جداً..ولذلك يُحبطون..والحق غير ذلك..التغيير لا يعتمد على الزمن..إنما يعتمد على نوعية الرجال المغَيِّرين..إن وُجد هؤلاء العظماء فالنصر القريب والتغيير ممكن..بل أكيد.. إن شاء الله.
    وإن لم يُوجد أمثال هؤلاء..فقد تمر على الأمة عشرات السنين وهى لا تتقدم خطوة بل تتأخر الخطوات..
    لقد كان الشيخ العز بن عبد السلام يخشى على الأمة بعد أن فقدت قطز رحمه الله بهذه السرعة..كان يخشى أن يضيع النصر الكبير، وتنهار الأمة من جديد.. لقد قال بعد موت قطز وهو يبكى بشدة: "رحم الله شبابه، لو عاش طويلاً لجدد للإسلام شبابه"
    ولكن قطز رحمه الله جدد فعلاً للإسلام شبابه، مع أنه لم يعش طويلاً..
    لقد ظلت دولة المماليك قرابة ثلاثة قرون تذود عن حمى المسلمين، وترفع راية الإسلام..لقد وضع قطز رحمه الله الأساس المتين..وعليه سيبني الآخرون بناءً راسخاً..وبغير الأساس لا يرتفع البناء..
    يقول الشيخ العز بن عبد السلام رحمه الله: "ما ولي أمر المسلمين بعد عمر بن عبد العزيز رحمه الله من يعادل قطز رحمه الله صلاحاً وعدلاً"
    ونقول: كيف صنع قطز رحمه الله هذا المجد؟!
    بل نقول: كيف صُنع "قطز"رحمه الله؟!
    لقد صُنع قطز رحمه الله بكتاب الله القرآن، وبسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم..
    أعظم معجزات هذا الدين هي "صناعة الرجال"!!
    مَنْ عمر بغير الإسلام؟
    مَنْ خالد بغير الإسلام؟
    مَنْ طارق بن زياد بغير الإسلام؟
    مَنْ قطز بغير الإسلام؟
    والكتاب بين أيدينا، وكذلك سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم..
    حفظهما الله لنا..وسيظلان كذلك إلى يوم القيامة..
    ولن تضل الأمة أبداً ما دامت تتمسك بهما..
    روى الإمام مالك في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
    "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتابَ الله وسنةَ نبيه"
    ومَعين الأمة لا ينضب أبداً..
    والله الذي خلق للأمة خالداً والقعقاع وطارقاً وصلاحاً وقطز سيخلق لها دوماً رجالاً يغيّرون من واقعها، ويجددون لها دينها وشبابها، ويبعثون في نفوس أبنائها الأمل، ويقودونها إلى صدارة الأمم وقيادة العالم..بل يقودونها إلى جنات النعيم..
    ففي الإسلام - والله - عزّ الدنيا، وعزّ الآخرة..

    وأخيرًا...
    فقد انتهت قصة التتار.. وانتهت قصة عين جالوت..
    ومات الصالحون..ومات الطالحون..مات الجند الظالمون، ومات الجند المؤمنون..ومرت الأعوام والأعوام والقرون والقرون..
    ذهبت الديار والرجال والقلاع والحصون..
    ذهبت الأفراح والأتراح.. والضحكات والدموع..
    ذهب كل شيء..ولم تبق إلا العبرة..
    "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب".
    الذي بقي هو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: "تكفّل الله لمن جاهد في سبيله، لا يُخرجه إلا الجهادُ في سبيله وتصديقُ كلماته بأن يدخلَه الجنة، أو يُرجعَه إلى مَسْكَنِه الذي خرج منه مع ما نال من أجرٍ أو غنيمة"..
    الذي بقي هي السنة الإلهية التي لا تتبدل ولا تتغير..
    "إن ينصركم الله فلا غالب لكم"..
    ونسأل الله أن يجعل حياتنا كلَها في سبيله..
    وأن يجعل كلامنا وواقعنا ككلام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وواقعهم عندما أجابوا الرسول صلى الله عليه وسلم وقالوا:
    نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبداً..
    وأسأل الله أن يجعل لنا في التاريخ عبرة!!


    فقول الحق للطاغي *** هو العزى هو البشرى

    هو الدرب إلى الدنيا *** هو الدرب إلى الأخرى

    فإن شئت فمت عبدا *** وإن شئت فمت حرًّا


    ~ ~ ~

    كرهت عيش النفاق كرهت عيش الدجل

    كرهت عيش السهول أريد عيش الجبل

    اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي

صفحة 5 من 7 الأولىالأولى ... 34567 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •