الفصـل الأول
المقـدمة

1 ـ مفهوم اللغة.
2 ـ نشأة اللغة العربية (أصلها).
3 ـ تعريف اللغة الأم.
4 ـ تعريف اللغة العربية.
5 ـ سمات اللغة العربية.
1ـ مفهوم اللغة
وردت آراء كثيرة لعلماء عرب وغربيين في تفسير أصل اللغات واختلفوا في ذلك، أما العلماء الغربيون فقالوا: إنها هبة الله إلى أهل الأرض ميّز بها الإنسان من سائر المخلوقات, أي إنّها من أصل إلهي، ومن قائل: إنها من صنع الإنسان واختراعاته، وقد أخذ بالرأي الأول الفيلسوف الفرنسي روسو،حين اعترف في رسالته التي ظهرت سنة(1750م ـ 1164هـ) بالأصل الإلهي حيث قال:"لقد تكلّم آدم وتكلّم جيداً، والذي علّمه الكلام هو الله نفسه" (3بشرـقضايا لغوية 116)، أما الفريق الثاني فقد تبناه العالم هيدر، الذي استدلّ على بطلان نظرية الأصل الإلهي، بما يوجد في اللغة الإنسانية من عيوب اللغة وبين مصدرها الإلهي، ثم جاء علماء فقه اللغة المحدثون فقالوا: "إن الإنسان لا يفكّر حتى فيما بينه وبين نفسه، إلا في أثواب من اللغة"(مجلة الأمة ربيع الأول1402مقال د.عبد العظيم ديب).
وقال الأخطل:
إنَّ الكلام بين الفؤاد وإنّما جعل اللسان على الفؤاد دليلا
ولعل الصواب يؤكد الصلة الحتمية بين الفكر واللغة.(1)
ويرى الدكتور محمود السيد أنّ مفهوم اللغة مفهوم شامل وواسع, لا يقتصرعلى اللغة المنطوقة, بل يشمل المكتوبة أيضا، ًوالإشارات، والإيماءات، والتعبيرات الوجهية التي تصاحب عادة سلوك الكلام.(2)
وهكذا اختلف العلماء الغربيون, والعرب القدامى, والمحدثين في تفسير أصل اللغات. وفي الحقيقة إنّ الله خلق الإنسان في أحسن تكوين وتقويم, وهو قادرعلى جعله يتكلم بأحسن لغة وأجودها.
2ـ نشأة اللغة العربية:
ما أصل اللغة؟ وكيف نشأت؟
يرى العلماء أن اللغة تأخذ ثلاثة اتجاهات:
الأول: اللغة توفيقية "من السماء بمعنى أن الله علّمها آدم فهي وحي من السماء".
الثاني: يتجه إلى أن اللغة مواضعة واصطلاح من صنع الإنسان.
الثالث: يوفّق بين الاتجاهين الأول والثاني.
وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها, إنّما هو من الأصوات المسموعات, كدوي الريح, وخرير الماء ونحو ذلك, ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد.(3)
أما الصاحبي فيقول إن لغة العرب توقيف، ودليله على ذلك قول الله عز وجل"وعلّم آدم الأسماء كلها" (البقرة2/31), فكان ابن عباس يقول: علّمه الأسماء كلها, وهي هذه الأسماء التي يتعارفها الناس من دابة وأرض وجمل وأشباه ذلك من الأمم وغيرها.(4)
نشأتها:
يرجّح العلماء أن أغلب الظن أن اللغة نشأت متدرجة من إيماء وإشارات، إلى مقاطع صوتية على أبسط ما تكون، ومنها محاكاة للأصوات، وكان للبيئة والزمان تأثيرهما الفعّال، فكان التشتت والتشعّب.(5)
وبعضهم نظر إلى موضوع اللغة من الناحية الصوتية، فحاول أن يكشف عمّا كانت عليه أصوات اللغة الإنسانية، في مبدأ نشأتها، وعن مراحل ارتقائها، فوجدوا أنها سارت في ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: مرحلة الصراخ.
المرحلة الثانية: مرحلة المدّ.
المرحلة الثالثة: مرحلة المقاطع.
أما العلامة شليجل فقد قسّم اللغات الإنسانية على ثلاثة أقسام: اللغات المتصرفة – اللغات اللصقية أو الوصلية ـاللغات غير المتصرّفة, وتابعه فيها جمهرة كبيرة من علماء اللغة.(6)
أما النظريات التي قيلت في نشأة اللغة فتتلخّص في:
1- الفضل في نشأة اللغة الإنسانية يرجع إلى إلهام إلهي هبط على الإنسان، فعلّمه النطق وأسماء الأشياء.
2- اللغة ابتدعت واستحدثت بالتواضع، والاتفاق، وارتجال ألفاظها ارتجالاً.
3- الفضل في نشأة اللغة يرجع إلى غريزة خاصة، زوّد بها في الأصل جميع أفراد النوع البشري.
4- اللغة الإنسانية نشأت من الأصوات الطبيعية، وسارت في سبيل الرقي شيئاً فشيئاً، تبعاً لارتقاء العقلية الإنسانية، وتقدّم الحضارة، واتساع نطاق الحياة الاجتماعية, وتعدّد حاجات الإنسان.(7)
فاللغة العربيةهي التي ما نزال نستخدمها في الكتابة، والتأليف، والأدب. وهي التي وصلتنا عن طريق الشعر الجاهلي، والقرآن، والسنّة النبوية. والواقع أن الإسلام واجه حين ظهوره لغة مثالية، مصطفاة، موحّدة، جديرة أن تكون أداة التعبير،عن خاصة العرب،لاعامتهم, فزاد من شمول تلك الوحدة، وقوّىمن أثرها بنزول قرآنه، بلسان عربي مبين، ذلك اللسان المثالي المصطفى. وكان تحديه لخاصة العرب, وبلغائهم أن يأتوا بمثله، أو بأي من مثله أدعى إلى تثبيت تلك الوحدة اللغوية، على حين دعا العامة إلى تدبّر آياته وفقهها وفهمها. وأعانهم على ذلك بالتوسعة في القراءات، ومراعاة اللهجات في أحرفه السبعة المشهورة.(8)
3ـ تعريف اللغة الأم:
تعدّدت الأقوال في تعريف اللغة واختلفت الآراء في أصل كلمة لغة, ففي معجم لسان العرب (لابن منظور المصري وفي الجزء 20-الطبعة 1- الصفحة116 ) جاء:" اللغة هي أصوات يعبّر بها كل قوم عن أغراضهم"، وثمة من يرى بأن كلمة لغة قد تكون مأخوذة من لوغوس اليونانية ومعناها كلمة (لويس معلوف- المنجد-بيروت- ط19-1966- ص726).
أما في الأنسكلوبيديا الفرنسية الكبرىEnscyclope die la grannde 1885-1901 art:parole) ), فقد أوردت أن اللغة أول الأمر استطالة للنشاط البدني كله، بما فيه من قسمات وتأشيرات بالأعضاء، لكن هذه الاستطالة قد تطورت شيئاً فشيئاً، لتصل إلى تلك الصور المجرّدة من الكلام، لتصبح كلاً قائماً بذاته حيث تشتق كلمة دلالتها من الكلمات الأخرى.
وفي دائرتي المعارف البريطانية والعلوم الاجتماعية (Social sciences encyclope dia, article,********)، جاء أن للغة الأصوات أفضلية عند الأمم،على بقية صور الاتصال الأخرى، من كتابة وإيحاءات وغيرها. وهذه الصور الأخرى تتمّم لغة الكلام، من غير أن تعوّض عنها كليّة.(9)
وذكر ابن جني في الخصائص: "حدّ اللغة بأنَّها: أصوات يعبّر بها كل قوم عن أغراضهم. فاللغة هي الإنسان، وهي الوطن، وهي الأهل، وهي نتيجة التفكير، وهي ما يميّز الإنسان من الحيوان، وهي ثمرة العقل". والأصل في اللغة أن تكون مسموعة، لكن عندما عرفت الكتابة بالرسم، أو بالحرف، منقوشة على الحجر، أو مكتوبة على الورق، أصبحت هناك لغة مقروءة، أي أن الإنسان يقرؤها بعينه. وأصبحت هناك لغتان، إحداهما سمعية، والأخرى بصرية، كون الأصل في اللغة هو الصوت، بينما الكتابة رموز تمثيلية، ساعدت على تناقل الصوت اللغوي بين الأجيال والمجموعات اللغوية، أما تصريفها ومعرفة حروفها فهي فُعلة، من لَغَوَتْ أي تكلّمتْ، وأصلها لُغْوة، وقالوا فيها: لُغات ولُغون وقيل فيها لَغِيَ-يلغي. ويعدّ تعريف ابن جني هذا تعريفاً جامعاً مانعاً، حيث يتضمن العناصر الأساس للغة وهي كونها:
1- نظاماً من الأصوات المنطوقة.
2- يستخدمها مجتمع من بني الإنسان.
3- تستخدم للتفاهم والتعبير عن المشاعر والأفكار.
وقال ابن الحاجب في مختصره:" حدُّ اللغة كلُّ لفظٍ وُضع لمعنى".
وقال الأسنوي في شرح منهاج الأصول: "اللغات عبارة عن الألفاظ الموضوعة المعاني".(10)
أما ابن خلدون فقد قال: "اعلم أن اللغة في المتعارف، هي عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل اللسان، فلابد أن تصير ملكة متقرّرة في العضو الفاعل لها، هو اللسان، وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتهم.(11)
وعرّف ميللر(Miller) اللغة بأنها:" استعمال رموزصوتية مقطعية يعبّر بمقتضاها عن الفكر", Miller (g.a) :******** and communication, megraw, hill book coine USA) 1950), وقال جون كارول (Carooll john):" إنها ذلك النظام المتشكل من الأصوات اللفظية الاتفاقية، وتتابعات هذه الأصوات التي تستخدم أو يمكن أن تستخدم في الاتصال المتبادل بين جماعة من الناس، والتي يمكنها أن تصنّف بشكل عام الأشياء، والأحداث والعمليات في البيئة الإنسانية". (Carroll,john: The study of ********, Harvard university press, Cambridge, 1966), أما هيرلوك
(Hurlock) فقد قال:" إنها تشمل صور التعبير قاطبة, وأن التعبير بأصوات مقطعية ماهو إلا أحد أشكال اللغة" Hurlock(e.b):Clinical neurology) ivingstoneLTD,edimburgh.).(12)
وعرّفها آخرون بأنها وسيلة الفرد لتلبية حاجاته، وتنفيذ رغباته في المجتمع الذي يعيش فيه، وعن طريقها يمكنه التفاهم مع الآخرين، والاطلاع على تجاريبهم، وعلى تجاريب المجتمعات الأخرى ماضياً وحاضراً. وهي وسيلة لنقل المعارف العصرية في مختلف المجالات.(13)
وأكّد العالم اللغوي السويسري فردينان دي سوسير أنّ اللغة، والكلام، والصوت، والمعنى جزء من الكلام. وعرّفها بأنّها نظام من الرموز المختلفة، تشير إلى أفكار مختلفة.
كما أورد في علوم اللغة جملة من المفاهيم الجديدة، أهمها التفريق بين اللغة والكلام. وعدّ الأدب تابعاً للغة، وتنبّأ بالسيميولوجيا، وعدَّها نظاماّ من العلامات، وعلم اللغة جزء منها، فكانت علوم اللغة أساساً قامت عليه البنيوية، وربطت بين النقد واللغة،بوجود مستويات داخل النص كالمستوى الصوتي، ومخارج الحروف وأنساقها، والمستوى الصرفي للكلمة، والنحوي، والدلالي، ومستوى تداخل اللغة.(14)
والفكر اللغوي الحديث اهتم بالكشف عن ماهية البنية اللغوية العميقة، وتفسير عمل الآليات الدقيقة لمنظومة اللغة، فقد قامت البنيوية لدى دي سوسير على ثنائية الرمز ومدلوله،ليمهد بهذه الثنائية للقاء اللغة، مع المعلوماتية، وجوهرها الثنائي المعروف.
ولمّا كانت اللغة هي سندريلا العلوم، ورابطة العقد في خريطة المعرفة الإنسانية، فقد امتدت البنيوية إلى مجالات معرفية أخرى، طبقت في مجالات علم النفس، ونقد الأدب والشعر، والتنظيمات السياسية والاجتماعية،وقد يكون من المناسب في هذا المجال القول بأن عبد القاهر الجرجاني كان من أوائل كتّاب العربية،ممّن وضع أسساً علمية (نظرية) لنقد الأدب والشعر، وهي تلك التي أشار إليها في نظريته للنّظم.
ومن هنا تشيرعبارة (اللغة الأم في التعليم) إلى استخدام الدارسين لها وسيلة للتعلّم، أو تعليمها مادة دراسية، أما بعض الخبراء فيرون أن عبارة اللغة الأم في التعليم, ينبغي أن تشمل تعليم هذه اللغة, والتعليم بوساطتها على حد سواء. وقد يشار إليها بعبارة اللغة الأصلية، حيث بيّنت الدراسات أن استخدامها في التعليم في حالات كثيرة، عامل مساعد على اكتساب المهارات اللغوية، وعلى التحصيل الدراسي في المواد الدراسية الأخرى وعلى تعلّم لغة ثانية.(15)
وتبقى اللغة شريكة ثدي الأم في إيضاح وعي الصغير، وراعية المتعلّم، وملهمة المبدع، وهادية المتلقي. فـ"حب اللغة وممارسة اللغة "عبارتان مفتاحيتان ساحرتان لهما أكبر الأثر في حياة اللغة أو موتها، فاللغة نظام صوتي، رمزي، تستخدمه الجماعة في التفكير, والتعبير, والاتصال. واللغة تحمل المجتمع في جوفها، فهي الهواء الذي تتنفسه الجماعة، وهي النظام الذي يترجم مافي ضمائرها من معان، وأفكار، لتستحيل بدورها إلى وسائل وأدوات تشكّل حياتها، وتوجّه سلوك أفرادها، وتكشف عن طبقاتهم وجذور نشأتهم، وعن حدود عقليانيتهم، وميولهم الفكرية.
وهي قدر الإنسان، وعالمه، وحدود لغته هي الهوية، وهي أداة صنع المجتمع، وثقافة كل مجتمع كافية في لغتها، وفي معجمها ونحوها ونصوصها وفنها وأدبها، فلا حضارة إنسانية من دون نهضة لغويّة.
ولايخفى علينا أن اللغة هي الأم التي تنسج الغزل المجتمعي، في شبكة من علاقات الوفاق، التي تقيمها بين أفراد المجتمع، وجماعاته، ومؤسساته، ونظمه، ومعتقداته، فلا وفاق بلا لغة، ولامجتمع بلا وفاق. كما تساهم في صياغة المجتمع الذي يساهم بدوره في صياغتها، حيث تؤكد الفلسفة اللغوية الحديثة, أنّه لا يمكن التصدّي لدراسة العلاقة بين الذات المعبّرة، والمعنى المعبّرعنه، دون رصدها. وهي تعمل في سياقها الاجتماعي. فالجماعة الناطقة باللغة هي التي تهب الألفاظ معانيها خلال استعمالها اللغة في غمرة قيامها بأنشطتها اللغوية.فاللغة هي الأم التي ترعى كل ناطق بها، ولاتضيق ذرعاً بصراحة كلماتها، وتغفر للعامة تجاوزها، ولاتحرم النخبة من تميّزها.(16)
4ـ تعريف اللغة العربية:
اختلفت الآراء في تعريف اللغة العربية, فعلماء المعاجم العرب أجمعوا على أن كلمة (لغة) كلمة عربية أصيلة, ذات جذور عربية, بينما ذهب فريق آخر إلى أن الكلمة منقولة من اللغة اليونانية (لوجوس), ومعناها الكلام أو اللغة, ثمّ عرّبوها إلى لوغوس وأعملوا فيها الإعلال والإبدال, وغيرهما من الظواهر الصرفية, على النحو الذي رسمه (ابن جني) بقوله: "انتحاء سمت كلام العرب من إعلال, أو إبدال, أو حذف, أو إعراب, أو بناء" حتى اندرجت ضمن الكلمة العربية على الوجه الذي نراه".(17)
أما الخليل بن أحمد الفراهيدي فقد ذهب إلى أن العرب تشتق في كثير من كلامها أبنية المضعف في بناء الثلاثي المثقل بحرف التضعيف, وكلام العرب مبني على أربعة أصناف: الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي.(18)
وآخرون قالوا بأن اللغة العربية مغرقة في القدم, فهي لغة مكتملة النمو, استطاعت أن تعبّر عن دقائق المشاعر الإنسانية, والصور, والأحاسيس. وهي التي حدّدت هوية العربي, وهي تنحو في ثنايا تكوينها وخصائصها الذاتية منحى إنسانياً, وعالمياً, يصل إلى آفاق العالمية والإنسانية, وقد تجسّد هذا المنحى عندما أصبحت لغة الوحي الإلهي, واختارها الله ـ سبحانه وتعالى ـ لغة التنزيل العزيز إذ يقول في محكم آياته: "عربي مبين" (الشعراء2/195), وكذلك أوحينا إليك قرآناعربياً" (الشورى7).
وهكذا وجدت اللغة العربية مجالها الحيوي في عالمية الدعوة الإسلامية بوصفها لغة القرآن.(19)
وأكّد بعضهم الآخر بأنها ليست أصواتاً, ورموزاً, ومواصفات, وتراكيب فقط, بل هي منطق, وأسلوب تفكير, ورؤية للحياة. وهي أداة أساسية للعلاقات الثقافية الخارجية, حيث تملك كل المقومات التي تؤهلها. فهي منهج ونظام للتفكير, والتعبير, والاتصال, إنها علاقة دالّة بين المعاني والألفاظ, بما يشكل نظاماً ونسقاً خاصاً, له قوانينه الداخلية الخاصة.
وهي سمة إنسانية لجنسنا البشري, فهي خاصة إنسانية, لاتعبّر فقط عن الأفكار بل تشكّلها. والتفكير ليس إلا لغة صامتة. واللغة تولّد الفكر.
وهي نظام دقيق, يتطلّب الكثير من المعارف, والمهارات, لأن عملية الاتصال بين المتكلم والمستمع, أو الكاتب والقارئ, تمرّ بعدة خطوات في غاية الدقة, وكل خطوة من خطوات عملية الاتصال هذه, تحتاج إلى تعليم, وتدريب, بطريقة مباشرة, وغير مباشرة, في الأسرة, ومن خلال المناهج المدرسية, والإعلام والفنون والآداب.(20)
هنا نستنتج بأن "مفهوم اللغة منهج ونظام للتفكير, والتعبير, والاتصال, وقد اهتم الفكر اللغوي الحديث, بالكشف عن ماهية البنية اللغوية العميقة, وتفسير عمل الآليات الدقيقة لمنظومة اللغة, تميّزت عندها اللغة العربية"بأنها واحدة من اللغات الإنسانية المعاصرة,التي يتحدّث بها الملايين من العرب, والمسلمين, وهي إحدى لغات منظمة الأمم المتحدة".(21)
5ـ سمات اللغة العربية:
تعدّ اللغة العربية أهم مقومات الثقافة العربية الإسلامية, وهي أكثر اللغات الإنسانية ارتباطاً بعقيدة الأمة, وهويتها, وشخصيتها. لذلك صمدت أكثر من سبعة عشر قرناً سجلاً أميناً لحضارة أمتها, وازدهارها, وشاهداً على إبداع أبنائها, وهم يقودون ركب الحضارة التي سادت الأرض حوالي تسعة قرون.(22)
لذلك اتسمت بسمات متعددة في حروفها, ومفرداتها, وإعرابها, ودقة تعبيرها, وإيجازها, وهذه السمات جعلت أرنست رينان يقول فيها:"من أغرب المدهشات أن تنبت تلك اللغة القومية، وتصل إلى درجة الكمال وسط الصحارى, عند أمة من الرحّل, تلك اللغة التي فاقت أخواتهابكثرة مفرداتها, ودقة معانيها, وحسن نظام مبانيها".
أما الأمريكي (وليم ورل) فيقول:"إن اللغة العربية من اللين, والمرونة, مايمكنها من التكيّف وفق مقتضيات هذا العصر, وهي لم تتقهقر فيما مضى أمام أية لغة أخرى, من اللغات التي احتكّت بها. وستحافظ على كيانها في المستقبل, كما حافظت عليه في الماضي(أنور الجندي- اللغة العربية بين حماتها وخصومها- مطبعة الرسالة ص28- القاهرة).
ويرى المستشرق الايطالي (جويدي) "إن اللغة العربية الشريفة آية للتعبير عن الأفكار, فحروفها تميّزت بانفرادها بحروف لا توجد في اللغات الأخرى, كالضاد والظاء والعين والغين والحاء والطاء والقاف, وبثبات الحروف العربية الأصيلة, وبحركة البناء في الحرف الواحد بين المعنيين, وبالعلاقة بين الحرف والمعنى الذي يشير إليه.
أما مفرداتها فتميّزت بالمعنى, والاتساع, والتكاثر, والتوالد, وبمنطقيتها(منطقية في قوالبها), ودقة تعبيرها, من حيث الدقة في الدلالة والايجاز, ودقة التعبيرعن المعاني.(23)
لذلك قال الايطاليون:"إن لغة العرب تمتاز بجمالها, وموسيقاها, والتفاضل بين اللغات يكون في كثرة إنتاجها الأدبي والفكري لا في عدد ألفاظها.
والعالم الألماني (فرينباغ) يشير إلى غنى اللغة العربية في قوله:"ليست لغة العرب أغنى لغات العالم فحسب, بل الذين نبغوا في التأليف بها لا يمكن حصرهم, وإن اختلافنا عنهم في الزمان, والسجايا, والأخلاق, أقام بيننا نحن الغرباءعن العربية, وبين ما ألفوه, حجاباً لا نتبيّن ماوراءه إلا بصعوبة" (أنور الجندي/اللغة العربية بين حماتها وخصومها – مطبعة الرسالة- القاهرة- ص28).
أما الفرنسيون فيقولون عن العرب:"إن لغتهم تمتاز بالوضوح".(24)
ممّا سبق نرى بأنّ مايميز اللغة العربية من اللغات الأخرى, قدرتها الفائقة على الاشتقاق, وتوليد المعاني, والألفاظ, وقدرتها على التعريب, واحتواء الألفاظ من اللغات الأخرى, إلى جانب غزارة صيغها, وكثرة أوزانها. وهذه السعة في المفردات والتراكيب, أكسبتها السعة والقدرة على التعبير بدقة ووضوح.
قال حافظ إبراهيم في اللغة العربية (أم اللغات):

وَسِعْتُ كتابَ الله لفظاً وحكمةً

وما ضِقْتُ عن آيٍ به وعظاتِ
فكيف أَضيق’ اليومَ عن وصفِ آلة

وتنسيقِ أسماءَ لمخترعاتِ
أنا البحرُ في أحشائِهِ الدُّرُ كامنٌ

فهل سألُوا الغواصَ عن صَدَفاتي؟
وهنا أيضاً تصدق مقولة العلماء:"إن اللغة كائن حي وكل كائن حي يخضع لقوانين الحياة ومنها: التطور, والصراع, والتحدي, والتنافس, وتختم الحياة نواميسها بمقولة:
"يظل البقاء للأصلح والأقوى".(25)

(1)د. معروف، نايف محمود(خصائص العربية وطرائق تدريسها)- لبنان- 1998, ص (18-19-24-25).

(2)د.السيد، محمود أحمد(في طرائق تدريس اللغة العربية)- سورية/دمشق- 1988،ص (11).

(3)ابن جني, أبي الفتح عثمان (الخصائص), القاهرة,1913, ص (46-47).

(4)ابن فارس, أبو الحسن أحمد (كتاب الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها)-لبنان/ بيروت, ص (31-32-33).

(5) د. السيد, محمود (طرائق تدريس اللغة العربية), دمشق,1988, ص (12-17).

(6) الصالح, صبحي (دراسات في فقه اللغة), بيروت,1970, ص(59).

(7) د. وافي, علي عبد الواحد (علم اللغة), ص (96-104).

(8) الصالح, صبحي (دراسات في فقه اللغة), بيروت, 1970,ط4, ص (59).


(9) د.السيد, محمود (في طرائق تدريس اللغة العربية), ص (9-10).

(10) د.السيوطي, عبد الرحمن جلال (المزهر في علوم اللغة وأنواعها), ص (7-8-14-15).
- ابن جني, أبي الفتح عثمان (الخصائص), الجزء (1), ص (1/73).

(11) د. معروف, نايف محمود (خصائص العربية وطرائق تدريسها), 1998, ص (16).

(12) د.السيد, محمود (في طرائق تدريس اللغة العربية), 1988, ص (9-10).

(13) د.صالح, أحمد محمد (أهمية اللغات في العالم)-1996- ص (1).

(14) سبتي, إبراهيم (مقال موت المؤلف وخلود الأثر), الحوار المتمدن, العدد (1563).

(15) اليونسكو (التعليم في عالم متعدد اللغات), 2003, ص (15-16).

(16) مدكور, علي أحمد ( التربية وثقافة التكنولوجيا)- سلسلة الفكر العربي للتربية وعلم النفس- الكتاب رقم (27), الفصل (4), ص (155).

(17) أبي بكر,عثمان بن عمر (بغية الدعاة2/134), مصر 1571هـ
- مأخوذة من الأصل: د.صلاح روّاي (فقه اللغة وخصائص العربية وطرائق نموها), الباب الأول – ص (37-39).

(18) الفراهيدي, الخليل بن أحمد (كتاب العين)- الجزء الأول – ص (42).

(19) د.خليفة, عبد الكريم (عالمية اللغة العربية ومكانتها بين لغات العالم)- ص (2-4-5).

(20) د.القرعي, أحمد يوسف (لغتنا العربية وعاء ثقافتنا)صنعاء/اليمن- ص (1-2).

(21) د. قمحاوي, عبد البديع (اللغة العربية للجميع)-ايسسكو- ص (1/3).

(22) د.مدكور, أحمد علي (التربية وثقافة التكنولوجيا)-القاهرة/مصر- ص(182).

(23) أ.د.السيد, محمود (طرائق تدريس اللغة العربية)- دمشق 1988- ص (2002-203-208-209).

(24)د.حسين, محمود كامل (اللغة العربية المعاصرة)- ص(58).

(25)د.خليفة, عبد الكريم (عالمية اللغة العربية ومكانتها بين لغات االعالم)- ص (2-4-5).