اسم صاحب البحث : محمد حمدي سيد صالح
مقدمة

عنوان البحث : تعريف بالجهمية والمعتزلة

الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا.
نتكلم إن شاء الله عن المدرسة العقلية متى نشأت وأين نشأت ومن أول من تكلم بالعقل بحيث يقدمه على النقل من الجهمية والمعتزلة ومن أين جاءت هذه التسميات (الجهمية والمعتزلة)

1- ظهور المدرسة العقلية
2- بدعة الجهمية
3- كيف ظهرت المعتزلة وقوة انتشار المدرسة العقلية


البحث
1- ظهور المدرسة العقلية
عندما ظهر الجعد بن درهم من هو :
الجعد بن درهم : عداده في التابعين مبتدع ضال زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً ولم يكلم موسى تكليما وهو أول من ابتدع القول بخلق القرآن، وتعطيل الله عن صفاته. [1]
قال: وقف الجعد على وهب بن منبه، فجعل يسأله عن الصفة، فقال: ياجعد، ويلك، أنقص من المسألة، إني لأظنك من الهالكين، لو لم يخبرنا الله في كتابه أنه له يداً، ما قلنا ذلك، وأن له عيناً، ما قلنا ذلك، ثم لم يلبث الجعد أن صلب. قال أبو الحسن المدائني: كان الجعد زنديقاً[2]
من شيوخه :قيل إن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان وأخذها أبان عن طالوت بن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي، وكان الجعد بن درهم هذا فيما قيل من أهل حران، وكان فيهم خلق كثير من الصابئة والفلاسفة بقايا أهل دين نمرود والكنعانيين الذين صنف بعض المتأخرين في سحرهم) [3]
كيف قتل الجعد بن درهم : يروى أن خالد بن عبد الله القسري خطب في الناس يوم الأضحى بواسطة وقال أيها الناس ضحوا تقبل الله منكم ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليماً ثم نزل وذبحه وهي قصة مشهورة رواها
قتيبة بن سعيد والحسن بن الصباح وذلك في حدود سنة عشرين ومائة[4]
2-بدعة الجهمية
بعد أن عاش الجعد بن درهم بالفساد والضلال وبعد أن قتل اخذ عنه مذهبه تلميذه الجهم بن صفوان كما قال شيخ الإسلام
" أساس البلاء وسبب الشقاء وحامل لواء مقدمي الآراء على كتاب الله وسنة رسوله r رجل يدعى الجهم بن صفوان الخرساني الذي توفى في نهاية الربع الأول من القرن الثاني الهجري[5]"
قال ابن تيمية:
(أصل مقالة التعطيل للصفات إنما هو مأخوذ عن تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصابئين، فان أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام أعنى أن الله سبحانه وتعالى ليس على العرش حقيقة، وأن معنى استوي بمعنى استولى ونحو ذلك هو الجعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم ابن صفوان وأظهرها فنسبت مقالة الجهمية إليه [6]
ومن هنا حدث بدعة الجهمية في أواخر عصر التابعين ظهر التكلم ببدعة الجهمية حدثت في أواخر الدولة الأموية
وأما الجهمية نفاة الأسماء والصفات:
وكثيٌر من السلف لم يدخلهم في الثنتين وسبعين فرقة؛
منهم: يوسف بن أسباط، وعبد الله بن المبارك؛
قالوا: أصول البدع أربع: الخوارج، والشيعة، والقدرية، والمرجئة

فقيل لهم: الجهمية ؟
فقالوا: ليس هؤلاء من أمة محمد.
الجهمية ليسوا من الثنتين وسبعين فرقة
ولهذا تنازع من بعدهم من أصحاب أحمد، وغيرهم:
هل هم من الثنتين وسبعين؟
على قولين؛ ذكرهما عن أصحاب أحمد: أبو عبد الله بن حامد في كتابه في الأصول.
الجهمية ينفون الأسماء والصفات
والتحقيق: أنّ التجهّم المحض ؛ وهو نفي الأسماء والصفات؛ كما يُحكى عن جهم، والغالية من الملاحدة، ونحوهم ممّن نفى أسماء الله الحسنى كفرٌ، بيِّنٌ، مخالفٌ لما علم بالاضطرار من دين الرسول[7]
وقد استدرك الجهم بن صفوان حجة كحجة النصارى الذين يزعمون أن الروح الذي في عيسى هو الله ، وأن الله يحل فيه، فإذا أراد الله أمرا دخل في عيسى فتكلم على لسانه فيأمر بما يشاء وينهى عما يشاء، وهو روح غائبة عن الأبصار
فاستدرك الجهم حجة مثل هذه الحجة وقال لمن ناظره من السمنية:
ألست تزعم أن فيك روحا؟
قال السمني: نعم
فقال له: هل رأيت روحك ؟
قال: لا
قال: فسمعت كلامها؟
قال: لا
قال: فوجدت لها حسا ؟
قال: لا
قال: فكذلك الله لا يرى له وجه، ولا يسمع له صوت، ولا يشم له رائحة، وهو غائب عن الأبصار، وهو في كل مكان، فالمخلوقات بمثابة الجسد والله U في داخلها بمثابة الروح [8]
شككوه في دينه حتى ترك الصلاة أربعين يوما، وقال: لا أصلي لمن لا أعرفه ثم اشتق هذا الكلام فأنكر عليه الوالي فقال: إذا ثبت عندي من أعبده صليت له فضرب عنقه[9]
قال أبو معاذ البلخي:
"كان جهم على معبر ترمذ ـ بلد من نواحي إيران ـ وكان رجلا كوفي الأصل فصيح اللسان، لم يكن له علم ولا مجالسه لأهل العلم، وكان قد تناقل كلام المتكلمين وكلمه السمنية،
فقالوا له: صف لنا ربك الذي تعبده؟
فدخل البيت لا يخرج كذا وكذا، ثم خرج عليهم بعد أيام
فقال: هو هذا الهواء مع كل شيء وفي كل شيء، ولا يخلو منه شيء" [10]
تعالى الله عما قالوا علوا كبير
واعلم أن الجهمية المحضة، كالقرامطة ومن ضاهاهم؛ ينفون عنه تعالى اتصافه بالنقيضين حتى يقولون ليس بموجود، ولا ليس بموجود، ولا حي، ولا ليس بحي، ومعلوم أن الخلو عن النقيضين ممتنع في بدائه العقول [11]
__________________________________________________ ________________
8- بيان تلبيس الجهمية
والجهم بن صفوان إليه تنسب طائفة الجهمية الذين قالوا لا قدرة للعبد أصلا بل هو بمنزلة الجمادات، والجنة والنار تفنيان بعد دخول أهلهما حتى لا يبقى موجود سوى الله تعالى
وقال أبو الحسن الأشعري
:"قول الجهمية الذي تفرد به جهم القول بأن الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وأن الإيمان هو المعرفة بالله فقط، والكفر هو الجهل به فقط وأنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا لله وحده، وأنه هو الفاعل، وأن الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على المجاز، كما يقال: تحركت الشجرة ودارت السفينة وزالت الشمس وإنما فعل ذلك بالشجرة والسفينة والشمس الله سبحانه وتعالى، وكان جهم ينتحل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) [12]
وقد تفرعت من فرقة الجهمية فرق عديدة انقسمت إلى أكثر من عشر فرق كل فرقة اتخذت لنفسها مسلكا فكريا خاصا وعقيدة مستقلة، لكن أبرز عقائد الجهمية هي القول بنفي صفات الله U، وأن الإنسان لا يقدر على شيء، وهو مجبور مسير مقهور في فعله لا يوصف بالاستطاعة والقدرة، وأن الجنة والنار تفنيان، وأن الإيمان هو معرفة الله حتى لو كفر الإنسان باللسان،
وقالوا أيضا بأن القرآن مخلوق [13]
وقد أضل الجهم بن صفوان خلقا كثيرا وتبعه على قوله رجل يقال له واصل بن عطاء، ورجل آخر يقال له عمرو بن عبيد وإليهما ينسب مذهب المعتزلة، فما هي قصة المعتزلة ؟ وكيف نشأت
3- كيف ظهرت المعتزلة وقوة انتشار المدرسة العقلية
علمنا مما سبق أن الجهم بن صفوان قدم عقله ورأيه على الأدلة القرآنية والنبوية عندما أجاب السمنية بجهله إجابة خاطئة كاذبة،
وزعم أن الله بذاته في كل مكان وأنه لا صفة له حتى لا يشبه الإنسان، ثم نظر هذا المفتون إلى القرآن فما تصور أنه يوافق مذهبه جعله دليلا وبرهان، وما خالفه صرح برده ونفيه من القرآن .
وقد تبنى فكر الجهمية واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وإليهما ينسب مذهب الاعتزال، فالمُعْتَزِلة أتباع واصل بن عطاء الغزال (ت:131هـ)
من هو واصل بن عطاءٍ :هو أبو حذيفةَ البصري الغزّال لأنه كان يدور في سوق الغّزل ليتصدَّق على النساء اللواتي يبعن الغزل، مولى بني مخزوم، وقيل مولى بني ضَبّة،
هو رأس المعتزلة وكبيرهم ورئيسهم وأوّلهم
كان تلميذَ الحسن البصري يقرأ عليه العلومَ، فدخل رجل على الحسن وقال له: قد ظهر في زماننا جَماعة يكفّرون أصحابَ الكبائر،
والكبيرة عندهم كفرٌ وهم وعيديَّة الخوارج وجماعةٌ يرجئون أصحابَ الكبيرة ويقولون: الكبيرة عندهم لا تضرّ الإيمان وإنه لا يضرّ مع الإيمان معصية، كما لا ينفَع مع الكفر طاعةٌ،
ففّكر الحسن في ذلك، فقال واصل قبل أن يُجيب الحسن بشيء: أنا أقول إن صاحب الكبيرة لا مؤمنٌ ولا كافرٌ، ثم قام واعتزل إلى أسطوانة المسجد يقرر جوابَه على جماعة من أصحاب الحسن،
فقال الحسن: اعتزل واصل عنّا فسمُّوا معتزلةً من ذلك الوقت بهذا السبب،وكان سبب سؤال السائل ذلك للحسن البصري
أنه لم يكن في زمن النبي rخوض في هذه المسائل ولا في صدر الإسلام وإنما حدث ذلك في أواخر عصر متأخِّري الصحابة yوأول حدوثه في مسألة القدر وفي الاستطاعة من
معبد الجُهنَي وغيلان الدمشقي والجَعد بن درهم،
وتبرّأ منهم متأخَروا الصحابة عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وأبو هريرة وتواصَوا وأوصَوا أخلافهم أن لا يسلموا عليهم ولا يصلّوا على جنائزهم ولا يعودوا مَرضاهم وإنما حملهم على ذلك ما صحّ
عن رسول الله r من ذّم القدرية
وقد أجمع المعتزلة على أن الله تعالى قديمٌ والقِدَم أخصُّ وصف ذاته، واتفقوا على أن التحسين والتقبيح يجب معرفتهما بالعقل وأن شكر المنعم واجب عقلاً واختلفوا في الإمامة والقول فيها أيضاً واختياراً هذا ما اتفقوا على نفي الصفات القديمة عنه أصلاً
فقالوا: أن الباري تعالى
( عالمٌ لذاته لا بعلمٍ زائد على ذاته- قادرٌ لذاته لا بقدرة زائدة على ذاته- حيّ لذاته لا بحياةٍ زائدة على ذاته- مريدٌ لذاته لا بإدارة على ذاته)
وكذلك قالوا في باقي الصفات من السمع والبصر وغيرهما قالوا لأنّ هذه الصفات لو شاركته في القِدم الذي هو أخصُّ وصفِ ذاته لشاركته في الإلهية
واتفقوا على أن كلامه محدث مخلوق بحرفٍ وصوت، واتفقوا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة
واتفقوا على أن العبدَ خالقٌ لأفعاله خيرَها وشرِّها غير مخلوقة لله تعالى واتفقوا على أنه تعالى منزَّهٌ عن أن يضاف إليه الشرّ لأنه لو خلق الظلم لكان ظالماً كما أنه لو خلق العدل لكان عادلاً
واتفقوا على وجوب رِعاية مصالح العباد على الله تعالى ولهم خلافٌ في الأصلح واللطف واتفقوا على أن المؤمن إذا مات عن توبةٍ استحقّ الثواب والعِوَض، وإذا مات عن كبيرة ارتكبها استحقّ الخلود في النار لكن يكون عقابه أخفّ من عقاب الكفار. وسمَّوا هذا النمط وعداً ووعيداً فلهذا يسمَّون الوعيدية أيضاً،
واتفقوا عليه من المسائل في أصول الديانات، واختلفوا في مسائل فيما بينهم. وهم عشرون فرقةً كلّ فرقة تكفّر الأخرى. ,ومنهم الواصليّة نسبةً إلى واصل بن عطاء هذا[14]
وَقِيلَ : إِنَّ وَاصِلَ بْنَ عَطَاءٍ هُوَ الَّذِي وَضَعَ أُصُولَ مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ ، وَتَابَعَهُ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ تِلْمِيذُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ
فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ هَارُونَ الرَّشِيدِ صَنَّفَ لَهُمْ أَبُو الْهُذَيْلِ كِتَابَيْنِ وَبَيَّنَ مَذْهَبَهُمْ وبني مَذْهَبَهُمْ عَلَى الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ ، الَّتِي سَمَّوْهَا :
(الْعَدْلَ ، وَالتَّوْحِيدَ ، وَإِنْفَاذَ الْوَعِيدِ ، وَالْمَنْزِلَةَ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ ، وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ)
وَلَبَّسُوا فِيهَا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ إِذْ شَأْنُ الْبِدَعِ هَذَا، اشْتِمَالُهَا عَلَى حَقٍّ وَبَاطِلٍ
وَهُمْ مُشَبِّهَةُ الْأَفْعَالِ ؛ لِأَنَّهُمْ قَاسُوا أَفْعَالَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَفْعَالِ عِبَادِهِ ،
وَجَعَلُوا مَا يَحْسُنُ مِنَ الْعِبَادِ يَحْسُنُ مِنْهُ ، وَمَا يَقْبُحُ مِنَ الْعِبَادِ يَقْبُحُ مِنْهُ !
وَقَالُوا : يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ كَذَا ، وَلَا يَجُوزَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ كَذَا ، بِمُقْتَضَى ذَلِكَ الْقِيَاسِ الْفَاسِدِ !! فَإِنَّ السَّيِّدَ مِنْ بَنِي آدَمَ لَوْ رَأَى عَبِيدَهُ تَزْنِي بِإِمَائِهِ
وَلَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ لَعُدَّ إِمَّا مُسْتَحْسِنًا لِلْقَبِيحِ ، وَإِمَّا عَاجِزًا ، فَكَيْفَ يَصِحُّ قِيَاسُ أَفْعَالِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى أَفْعَالِ عِبَادِهِ ؟!
وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ .
فَأَمَّا الْعَدْلُ فَسَتَرُوا تَحْتَهُ نَفْيَ الْقَدَرِ
وَقَالُوا : إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْلُقُ الشَّرَّ وَلَا يَقْضِي بِهِ ، إِذْ لَوْ خَلَقَهُ ثُمَّ يُعَذِّبُهُمْ عَلَيْهِ يَكُونُ ذَلِكَ جَوْرًا !! وَاللَّهُ تَعَالَى عَادِلٌ لَا يَجُورُ . وَيَلْزَمُهُمْ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ الْفَاسِدِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَكُونُ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يُرِيدُهُ ، فَيُرِيدُ الشَّيْءَ وَلَا يَكُونُ ، وَلَازِمُهُ وَصْفُهُ بِالْعَجْزِ ! تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ .
وَأَمَّا التَّوْحِيدُ : فَسَتَرُوا تَحْتَهُ الْقَوْلَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ
إِذْ لَوْ كَانَ غَيْرَ مَخْلُوقٍ لَزِمَ تَعَدُّدُ الْقُدَمَاءِ !!
وَيَلْزَمُهُمْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْفَاسِدِ أَنَّ عِلْمَهُ وَقُدْرَتَهُ وَسَائِرَ صِفَاتِهِ مَخْلُوقَةٌ ، أَوِ التَّنَاقُضُ ! .
وَأَمَّا الْوَعِيدُ ، فَقَالُوا : إِذَا أَوْعَدَ بَعْضَ عَبِيدِهِ وَعِيدًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ وَيُخْلِفَ وَعِيدَهُ ، لِأَنَّهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ، فَلَا يَعْفُو عَمَّنْ يَشَاءُ ، وَلَا يَغْفِرُ لِمَنْ يُرِيدُ ، عِنْدَهُمْ !!
وَأَمَّا الْمَنْزِلَةُ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ : فَعِنْدَهُمْ أَنَّ مَنِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً يَخْرُجُ مِنَ الْإِيمَانِ وَلَا يَدْخُلُ فِي الْكُفْرِ !! .
وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ : فَهُوَ أَنَّهُمْ قَالُوا : عَلَيْنَا أَنْ نَأْمُرَ غَيْرَنَا بِمَا أُمِرْنَا بِهِ ، وَأَنْ نُلْزِمَهُ بِمَا يَلْزَمُنَا ، وَذَلِكَ هُوَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَضَمَّنُوهُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَلَى الْأَئِمَّةِ بِالْقِتَالِ إِذَا جَارُوا !!
وَعِنْدَهُمْ أَنَّ التَّوْحِيدَ وَالْعَدْلَ مِنَ الْأُصُولِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي لَا يُعْلَمُ صِحَّةُ السَّمْعِ إِلَّا بَعْدَهَا ، وَإِذَا اسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ سَمْعِيَّةٍ ، إِنَّمَا يَذْكُرُونَهَا لِلِاعْتِضَادِ بِهَا ، لَا لِلِاعْتِمَادِ عَلَيْهَا ، فَهُمْ يَقُولُونَ : لَا نُثْبِتُ هَذِهِ بِالسَّمْعِ ، بَلِ الْعِلْمُ بِهَا مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْعِلْمِ بِصِحَّةِ النَّقْلِ ! فَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَذْكُرُهَا فِي الْأُصُولِ ، إِذْ لَا فَائِدَةَ فِيهَا عِنْدَهُمْ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَذْكُرُهَا لِيُبَيِّنَ مُوَافَقَةَ السَّمْعِ لِلْعَقْلِ ، وَلِإِينَاسِ النَّاسِ بِهَا ، لَا لِلِاعْتِمَادِ عَلَيْهَا ! وَالْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ فِيهِ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الشُّهُودِ الزَّائِدَيْنِ عَلَى النِّصَابِ ! وَالْمَدَدِ اللَّاحِقِ بِعَسْكَرٍ مُسْتَغْنٍ عَنْهُمْ ! وَبِمَنْزِلَةِ مَنْ يَتَّبِعُ هَوَاهُ وَاتَّفَقَ أَنَّ الشَّرْعَ مَا يَهْوَاهُ !!
كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : لَا تَكُنْ مِمَّنْ يَتَّبِعُ الْحَقَّ إِذَا وَافَقَ هَوَاهُ ، وَيُخَالِفُهُ إِذَا خَالَفَ هَوَاهُ فَإِذًا أَنْتَ لَا تُثَابُ عَلَى مَا وَافَقْتَهُ مِنَ الْحَقِّ ، وَتُعَاقَبُ عَلَى مَا تَرَكْتَهُ مِنْهُ ، لِأَنَّكَ إِنَّمَا اتَّبَعْتَ هَوَاكَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ .
وَكَمَا أَنَّ " الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى " ،
وَالْعَمَلُ يَتْبَعُ قَصْدَ صَاحِبِهِ وَإِرَادَتَهُ ، فَالِاعْتِقَادُ الْقَوِيُّ يَتْبَعُ أَيْضًا عِلْمَ ذَلِكَ وَتَصْدِيقَهُ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ تَابِعًا لِلْإِيمَانِ كَانَ مِنَ الْإِيمَانِ كَمَا أَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ إِذَا كَانَ عَنْ نِيَّةٍ صَالِحَةٍ كَانَ صَالِحًا ، وَإِلَّا فَلَا ، فَقَوْلُ أَهْلِ الْإِيمَانِ التَّابِعُ لِغَيْرِ الْإِيمَانِ ، كَعَمَلِ أَهْلِ الصَّلَاحِ التَّابِعِ لِغَيْرِ قَصْدِ أَهْلِ الصَّلَاحِ . وَفِي الْمُعْتَزِلَةِ زَنَادِقَةٌ كَثِيرَةٌ ، وَفِيهِمْ مَنْ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [15]
خاتمة البحث
إن مذهب السلف الصالح قائما على تصديق خبر الله وتنفذ أمره فواجب علينا الأتي
إذا أخبرنا الله أنه على عرشه صدقنا، وإذا أخبرنا أنه يسمع ويرى صدقنا، وإذا أخبرنا أنه يأتي يوم القيمة صدقنا.............. إلى الخ
وإذا سكت الله عن شيء لا نبحث عنه حتى لا نقع في الشبهات
كما أمر الله U المؤمنين على أن لا يسلوا عن أشياء لم تكن تظهر بعد فقال لهم )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( (المائدة:101)
لما بحث الجهمية والمعتزلة عن هذه الأشياء ضلوا ضلال بعيدا وساروا على هذا الضلال حتى يومنا هذا فعطلوا صفات الباريU وتكلموا في القدر حتى قالوا ما قالوا بزعمهم أنهم ينزه الباري U
فقالوا انه لا يخلق أفعال الشر في العباد وإنما العباد هم الذين يخلق الشر فجعلوا للكون أكثر من اله ، فتكلموا في أشياء كثيرا لا تعد ولا تحصى وكان لازم عليهم بدلا من أن يتقولوا علي الله بدون أن يرجعوا إلى الفهم الصحيح الذي كان عليها الصحابةt
لكان خيرا لهم ولكن خلفوا المنهج فضلوا وأضلوا فندعو الله أن يسددنا ويوفقنا إلي المنهج الصحيح حتى نسير على الطريق المستقيم

والحمد لله

[1] - سير أعلام النبلاء ولسان الميزان

[2] - تاريخ الإسلام الذهبي

[3] - مجموع الفتاوى 5/20

[4] - الوافي بالوفيات الصفدي

[5] - انظر ترجمته في أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشتبهات لمرعي بن يوسف ألكرمي المقدسي ص230، إثبات صفة العلو لابن قدامه ص131

[6] - مجموع الفتاوى 5/20

[7] - النبوات

[8] - بيان تلبيس الجهمية

[9] - الوافي في الوفيات 1/1557-

[10] - - اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية (ابن قيم الجوزية)

[11] - مجموع الفتوى

[12] - انظر إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل لابن جماعة ص34

[13] - التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين، طاهر بن محمد الإسفراييني ص107..

[14] - الوافي بالوفيات

[15] - شرح الطحاوية في العقيدة السلفية بن أبي العز الحنفي