النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: رسالة ماجستير فى >> الفقه الإسلامي عنوانها (الظفر بالحق )

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    7

    افتراضي رسالة ماجستير فى >> الفقه الإسلامي عنوانها (الظفر بالحق )

    بسم الله الرحمن الرحيم


    إخواني الكرام أعضاء المنتدى المبارك / السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
    يسعدني أن أقدم لكم رسالتي التي وفقني الله للحصول بها على درجة الماجستير في الشريعة الإسلامية
    آملا من الله تعالى أن ينفع بها كل من اطلع عليها .
    وموضوع الرسالة يتناول قضية : استيفاء الحق بغير قضاء , وشروط ذلك , وضوابطه الشرعية ، وبعض التطبيقات المعاصرة . وعنوان الرسالة هو
    ( مبدأ الظفر بالحق , ضوابطه الفقهية وتطبيقاته المعاصرة )
    أسأل الله التوفيق للجميع
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته


    و فيما يلى محتوي الرسالة
    ====================
    مبدأ
    الظفر بالحق
    ضوابطه الفقهية و تطبيقاته المعاصرة
    بحث نال به صاحبه درجة الماجستير
    في
    الشريعة الإسلامية بتقدير امتياز
    إعداد الباحث :
    البخاري إبراهيم وهيب



    المقدمة
    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهد الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمداً عبده و رسوله , فقد جاءت شريعة الإسلام لتحقيق مصالح البشر في دنياهم وأخراهم, وهي شريعة خالدة, صالحة لكل جنس, و كل زمان و مكان.
    ومما جعلها كذلك أنها اتسمت بصفتي الشمول و اليسر, و معنى شمولها أنه لا يجد أمر, ولا تحدث قضية و لا تنزل نازلة لأي إنسان إلا وجد لها في شريعة الله حكماً, إما بنص صريح واضح, أو عن طريق قاعدة كلية و أصل جامع، أياً كان جنس هذا الإنسان أو البيئة أو العصر الذي يعيش فيه.
    و معنى كونها شريعة متصفة باليسر:
    أن المكلف يستطيع أن يسير تحت مظلتها في كل لحظة من لحظات حياته و في كل شأن من شؤون دنياه, دون أن يشعر بعنت أو مشقة و لا يعاني حرجاً.
    من أجل ذلك كانت الشريعة محققة مصالح البشر في دنياهم و أخراهم.
    فيستطيع الإنسان أن يستغني بها عن كل المناهج الأرضية و التصورات البشرية.
    كما قال الإمام الشافعي – رحمه الله - : "فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا و في كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها"([1]).
    و قال الإمام الخطابي – رحمه الله - : "الله تعالى لم يترك شيئاً يجب له حكم إلا وقد جعل فيه بياناً, و نصب عليه دليلاً"([2]).
    فالإسلام دين واقعي متكامل ينظر إلى واقع الناس فينظمه بما يحقق مصالحهم و سعادتهم, و لذلك تميزت الشريعة الإسلامية الخالدة بصلاحيتها لكل زمان و مكان, و استيعابها لسائر النوازل و الأحكام, منذ أن شرعها العليم الحكيم على لسان نبيه j إلى أن يرث الأرض و من عليها.
    فما من قضية تحدث, و لا نازلة تحل بالأمة إلا و لها حكم في هذه الشريعة العظيمة, إما نصاً أو استنباطاً من خلال تلك النصوص على ضوء مبادئ الشريعة و مقاصدها العامة.
    و قد كان من توفيق الله تبارك و تعالى لي أن شرح صدري لدراسة العلم الشرعي الذي هو أفضل العلوم و أشرفها, ثم فتح لي في دراسة الفقه الإسلامي و القواعد الفقهية, و لا يخفى ما لدراسة الفقه من الفوائد الغزيرة التي من أبرزها ما يورثه من زيادة طمأنينة في النفس بصلاحية هذا الدين للتطبيق في أي زمان و مكان.
    و قد اتفقت كلمة أهل العلم قاطبة على أن أشرف العلوم جمعاً, و أعظمها خيراً و نفعاً, علم الفقه الذي هو علم أحكام أفعال العبيد المشمول بعموم قوله j: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" متفق عليه – من حديث معاوية رضي الله عنه.
    و عظمة علم الفقه و شرفه تجل عن الوصف و الإحاطة فهي أحكام تلازم المسلم في حياته كلها, سواء ما يتعلق منها بما بينه و بين ربه أو بما بينه و بين الخلق.
    لذلك كان أحسن ما يقضيه المرء من عمره, الاشتغال بهذا الفن الجليل, لذا يقول ابن الجوزي – رحمه الله - : "فإن اتسع الزمان للتزود من العلم, فليكن من الفقه فإنه الأنفع" أهـ.
    فالفقه في دين الله كالغيث إذا هطل على الأرض الطيبة أنبتت الخير فيها للناس.
    و يقول الإمام الغزالي – رحمه الله - : "الفقيه هو العالم بقانون السياسة و طرق التوسط بين الخلق إذا تنازعوا بحكم الشهوات.... و طريق الضبط في فصل الحكومات بالفقه"([3]). فالفقه هو ثمرة العلوم الشرعية و جناها, و عليه مدارها و رحاها, بل هو واسطة عقدها, و رابطة حلها و عقدها, إذ به يعرف الحلال و الحرام, و له يدين الخاص و العام, و أشرف ما يذكر في بيان منزلته و فضله قول نبينا j: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين"([4]).
    و حقيقة الفقه هو الاستنباط, و حصول الملكة الفقهية, لا مجرد حفظ الفروع و المسائل, و ترجيع التعليلات و الدلائل, و إن كان هذا مطلوباً, و هو مما يؤهل المتفقه و يرقى به في درجات الفقاهة, لكن الأول هو المقصد و الحقيقة, و الغاية و النتيجة.
    قال إمام الحرمين الجويني – رحمه الله تعالى –: "أهم المطالب في الفقه التدرب في مآخذ الظنون في مجال الأحكام, و هو الذي يسمى فقه النفس, و هو أنفس صفات علماء الشريعة"([5]).
    ذلك أن هذا التدرب من أهم ما يفتح المدارك, و يربي الملكة المؤهلة, و يكون العقل الفقهي المتطلع للقدرة على الاستنباط و الترجيح, و تفريع الجزئيات على الكليات.
    و من أجل ما يزيد في العقل الفقهي و ينمي الملكة, و يوسع المدارك: علم القواعد الفقهية, فبإدامة بحثها, و ترجيع درسها, يتمهر المتفقه في فهم الفقه و استحضاره, و يطلع منه على مآخذه و أسراره.
    فـ "هذه القواعد مهمة في الفقه, عظيمة النفع, و بقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه و يشرف, و يظهر رونق الفقه و يعرف, و تتضح مناهج الفتوى و تكشف, فيها تنافس العلماء, و تفاضل الفضلاء, و برز القارح على الجذع, و حاز قصب السبق فيها من برع"([6]).
    و ما ذاك إلا لكونها معبرة عن مبادئ كلية, و مفاهيم مقررة في الفقه الإسلامي, فرعت عن اعتبارها و لحظها الأحكام و المسائل, و نزلت على رعي مقاصدها الحوادث و النوازل.
    "والطالب إذا تلقى هذه القواعد, و تفهم جيداً مدلولاتها و مدى تطبيقاتها: يشعر في ختام دراسته لها كأنما وقف فوق قمة من الفقه تشرف على آفاق مترامية الأطراف, من الفكر الفقهي نظرياً و عملياً, و يرى امتداداته التطبيقية في جميع الجهات"([7]).
    فعلم القواعد الفقهية, علم جليل قدره, عظيم شأنه, عميم نفعه, عالٍ شرفه و فخره, اكتحلت بإثمده عيون الأعلام, و تزينت بحلته أعطاف ذوي الأفهام, و استبصرت بنوره أنظار أولي النهي و الأحلام, إذ هو قاعدة الأحكام, و الفاصل بين الحلال و الحرام, و به تتحقق مصالح الأنام, و تحكم المسائل غاية الإحكام.
    لا يستغنى عنه كل مجتهد فقيه, و لا يرغب عنه كل عالم نبيه, لأنه العمدة في الاجتهاد, و القاعدة التي عليها الاستناد و الاعتماد, و الأصل الذي يرجع إليه جميع المواد.
    و قد أشاد كثير من العلماء بشأنه, و نوهوا بأمره, و بينوا عظيم فائدته. يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي – رحمه الله –: "أما بعد: فهذه قواعد مهمة, و فوائد جمة, تضبط للفقيه أصول المذهب, و تطلعه من مآخذ الفقه على ما كان عنه قد تغيب, و تنظم له منثور المسائل في سلك واحد, و تقيد له الشوارد, و تقرب عليه كل متباعد"([8]).
    و جردوا في مسالكه العناية, و بلغوا في مآخذه النهاية, حيث خرجوا الفروع على الأصول و القواعد, و بينوا مسالك الأنظار و مدارك المعاقد, و كيفية ائتلاف النظائر, و اختلاف المآخذ و اجتماع الشوارد.
    بل إن الراسخ في علم الفقه و مداركه و مآخذه و مناسباته, القائم على قواعده و أصوله يتيقن: أن "كل فقهٍ لم يخرج على القواعد فليس بشيءٍ"([9]).
    و لقد بين الأئمة الفقهاء أهمية هذه القواعد و الضوابط في بيان الأحكام الشرعية, حيث قال الإمام ابن السبكي – رحمه الله –: "حق على طالب التحقيق و من يتشوق إلى المقام الأعلى في التصور و التصديق, أن يحكم قواعد الأحكام, ليرجع إليها عند الغموض, و ينهض بعبء الاجتهاد أتم نهوض, ثم يؤكدها بالاستكثار من حفظ الفروع, لترسخ في الذهن مثمرة عليه بفوائد غير مقطوع فضلها و لا ممنوع"([10]).
    و مع ضخامة هذا التراث الفقهي العظيم, و انتشار المذاهب الفقهية في بلدان المسلمين المترامية الأطراف، أصبح لكل مذهب من المذاهب الأربعة المشتهرة مناهج وكتب ومصطلحات متخصصة، يندر أن يحيط بها فقيه واحد، لذا أصبحت الحاجة ماسة إلى بلورة، وتصنيف، وتيسير هذا التراث العظيم، وذلك واجب على المسلمين بحسب قدرتهم، وما مكن الله لكل منهم من الوعي والقدرات المادية والمعنوية.
    ومن هنا برزت أهمية دراسة هذه القواعد، لاسيما القواعد والضوابط الفقهية التي تشمل أحكام المعاملات المالية في الفقه الإسلامي حتى تسد ثغرة كبيرة، لاسيما في نطاق المعاوضات والمبادلات المالية.
    ولما كانت الحوادث متجددة لا تنتهي، والنصوص متناهية محصورة، نقب الفقهاء الأوائل في التركة العظيمة الضخمة التي تركها رسول الله jفأظهروا الأصول والقواعد، وبينوا الأشباه والنظائر، وأوضحوا الفروق والاستثناءات.
    ولما كانت القواعد الكلية الفقهية مبتناة على الأدلة – حيث إن لكل قاعدة أدلتها – كانت هي بمجموع أدلتها للمسائل الجزئية المندرجة تحت هذه القاعدة، وقد نهض الفقهاء في عصور متلاحقة بجمع الكثير منها، وبتدوينها في كتب خاصة تسمى باسم: كتب القواعد الفقهية، أو الأشباه والنظائر، أو الفروق أحياناً، وقصدوا منها ضبط الأحكام والفروع، ولكن لم تستوعب هذه الكتب المادة العلمية المنبثة المتعلقة بالقواعد في مراجعها الأصلية من أمهات الكتب الفقهية، لأن عمل أولئك المؤلفين والمدونين بقي محصوراً في دائرة مذهب من المذاهب الأربعة، فكانت الحاجة ملحة إلى غربلة الكنوز العلمية من جديد، لكي يستصفى منها ما هو مهم نافع في هذا المجال.
    ولعل من أعظم أبواب الفقه التي يجدر بالعلماء وطلبة العلم أن يولوها اهتمامهم، ما ينظم علاقات الناس مع بعضهم البعض، لاسيما فيما يتعلق بفقه المعاملات والعلاقات المالية التي تعتبر قوام الحياة.
    والوقوف على أحكام هذه الأمور أدعى إلى الراحة والاطمئنان وبث الأمان بين عباد الرحمن، وقطع سبل الشيطان.
    وفي ظل التطور السريع الذي امتازت به الحياة المعاصرة بمفاهيمها وأساليبها وحاجتها، برزت على الساحة قضايا فقهية عديدة مستجدة تأثرت بها حياة الناس في سرعة مذهلة، تحتاج بلا شك إلى بحث ودارسة، مما يجعل الحاجة ماسة إلى دراسة هذه القواعد دراسة تأصيلية شاملة، واعية لمعالجة كثير من القضايا المعاصرة المعروضة على فقهاء العصر، ولاسيما في النوازل الطارئة المرتبطة بالعقود والمبادلات المالية المركبة، إلى جانب سد فجوات وثغرات لا تزال باقية في الموضوع نفسه.
    ونظراً لأهمية هذه القواعد والأصول وإدراكاً لما يفرضه واقع الاقتصاد الإسلامي المعاصر، وما تحتاجه المصارف والمؤسسات والشركات التجارية التي تحرص على إدارة أعمالها وفق الأحكام الشرعية، جاءت هذه الدراسة حول ما يتعلق بمبدأ (الظفر بالحق وتطبيقاته المعاصرة) مبينة ضرورة هذه القاعدة للفقهاء والاقتصاديين والخبراء، والمستشارين، وأعضاء الهيئات الشرعية المشرفين على سلامة أعمال الشركات والمصارف الإسلامية من المحاذير الشرعية، لكي يتسنى لهم معالجة القضايا المستجدة وإبداء الحكم الشرعي حول الاستفتاءات المعروضة عليهم، لاسيما فيما يتعلق بالرهن، والعقود، والضمانات، والالتزامات المتشابكة التي تمخضت عن تطورات مدهشة في عالمنا التجاري اليوم، فإنه لا محيص حينئذٍ من الرجوع إلى مثل هذه القواعد العظيمة التي تمثل روعة التشريع الحكيم في أساليبه القويمة، المشتملة على علل وتوجيهات للأحكام، فالأمر كما قال ابن رشد – الجد – رحمه الله: (ولله أحكام تحدث عند أسباب لم تكن موجودة في الصدر الأول)([11]).
    ولما كان الفقه كما يقول ابن القيم رحمه الله: (والفقه تنزيل مشروع على الواقع)([12]) وهو القائل أيضاً: (إنما خاصية الفقيهة إذا حدثت به حادثة أن يتفطن لاندراجها تحت الحكم العام الذي يعلمه هو وغيره)([13]).
    ومن المعلوم أن الأمر الحادث الجديد لا يمكن معرفة حكمه في الشرع إلا بفقه نصوص الوحي من الكتاب والسنة، ثم بدراية القواعد التي كانت وليدة استنباطات الفقهاء واجتهاداتهم عبر العصور، وإلى هذا يشير قول الإمام ابن العربي: (بأن الله سبحانه وتعالى لم يجعل طرق الأحكام نصاً يدركه الجفلى (غير المختصين)، إنما جعله مظنوناً يختص به العلماء، ليرفع الله تعالى الذين أمنوا منهم والذين أوتوا العلم درجات)، وهذا ما عناه القرافي بقوله: (فكم من علم لا يوجد بفصه ونصه أبداً، ولا يقدر على نقله، وهو موجود فيما نص من القواعد ضمناً على سبيل الاندراج، وكذلك نصوص الوحي في الكتاب والسنة، يتفطن لاندراجه آحاد الفقهاء دون عامتهم)
    أما عن موضوع البحث فهي قاعدة بديعة تتناول قضية مهمة معروفة لدى الفقهاء بمسألة الظفر، ومحورها الأساسي استيفاء الحق، وتتجلى فيها عدالة التشريع الإسلامي والمقصود منها معرفة الطريق السليم لاسترداد الحق بدون تعد ولا ضرر.
    وقد أشار إليها الإمام الشافعي رحمه الله في كتابة الأم بقوله: "إن سنة رسول الله j,ثم إجماع أكثر من حفظت عنه من أهل العلم قبلنا يدل على أن كل من كان له حق على أحد منعه إياه فله أخذه منه"([14])، كما أشار إليها جمع من أهل العلم كما سيتضح من خلال البحث إن شاء الله.
    لقد ظل هذا الموضوع مثار البحث في كتب الفقه والقواعد في صورة مسألة فروعية، والواقع أنه حري بأن يشكل قاعدة مستقلة رغم كونه متنازعاً فيه بين الفقهاء، لأهميته في الفقه الإسلامي بوجه عام، و لاحتوائه على بعض المعاملات التي جرى فيها التمييز بين الأحكام القضائية وأحكام الديانة للسيطرة على الحق بدون مزيد معاناة.
    ومن رحمة الله بعباده أن أنزل عليهم دين الإسلام، ديناً قيماً، وأكمله لهم وأتمه عليهم فضلاً منه ونعمة, وشرع لهم ما فيه صلاح دينهم ودنياهم وجعل لهم منهجاً كاملاً شاملاً يفي بمتطلباتهم ويعالج مشكلاتهم، فحرم الدماء والأموال والأعراض إلا بحقها، وشدد على ضرورة إعطاء كل ذي حق حقه ورغب في ذلك وحرم أكل أموال الناس بالباطل، وحرم تعدي الناس بعضهم على بعض وشرع من الحدود والتعازير ما فيه زجر لكل من سولت له نفسه أن يمنع حقاً لأحد أو يجحده أو يماطل في أدائه، وشرع الله من التدابير ما يعين على إيصال الحقوق إلى أهلها فشرع القضاء وفصل أحكامه، للفصل بين الناس فيما ينشأ بينهم من منازعات، فكان القضاء هو الطريق الثاني لحفظ حقوق العباد واستيفائها بعد الطريق الأول وهو الاستيفاء برغبة من عليه الحق واختياره وطيب نفسه فإن لم يكن ذلك كان الطريق الإجباري وهو طريق القضاء، وهو الأصل في استيفاء الحق ممن هو عليه حال التنازع، لكن ماذا لو أن صاحب الحق لم يتمكن من الحصول على حقه برضا من عليه الحق، ولا عن طريق القضاء فهل له أن يستقل باستيفاء حقه بنفسه أو بطريقته الخاصة؟
    وهل له ذلك حتى ولو لم يتعذر عليه طريق القضاء؟
    وهل يشمل حكم ذلك كل الحقوق أم أن هناك فرقاً بين الحق المالي وحق القصاص والحدود والجنايات وغيرها؟
    وهل هناك من قاعدة فقهية نص عليها الفقهاء تضبط لنا بيان هذه الأحكام بحيث نستفيد منها في معرفة أحكام ما يستجد من نوازل مما له تعلق بهذه القضية؟
    هذا ما سنحاول بيانه من خلال تناولنا لهذا البحث إن شاء الله تعالى، وقد رغبت في أن يلامس الموضوع واقع المسلمين اليوم من خلال بحثه وتطبيقه على الحوادث المستجدة التي لم يرد لها حكم مفصل أو ضوابط محددة في كتب الأقدمين، لذا جاء العنوان على النحو التالي: (مبدأ الظفر بالحق، ضوابطه الفقهية وتطبيقاته المعاصرة).
    سائلاً الله تبارك وتعالى التوفيق والسداد والصواب والإخلاص في القول والعمل.

    أسباب اختيار هذا الموضوع:
    1. تعلق هذا الموضوع بحقوق العباد، ولا يخفى ما لها من أهمية بالغة شدد فيها الشرع وأمر بحفظها وأدائها لأصحابها. وحرم أكلها بالباطل، لاسيما ونحن في عصر كثر فيه أكل أموال الناس بالباطل، وشق فيه طريق التقاضي على البعض.
    2. أن الباحث في كتب الفقه والفروع يجد أن العلماء يشيرون إلى هذا الموضوع دون وضع ضوابط محددة له إلا نادراً، وغالباً ما يذكرون فروعاً فقهية، ويشيرون إلى أنها من جملة مسائل الظفر دون أن يكون هناك تصوراً مكتملاً عند القارئ لقضية الظفر، فأردت في بحثي هذا أن أضع تصوراً أمام القارئ يزيل غموضه وينجلي به بعض الإبهام.
    3. أن موضوع الظفر بالحق لم يأخذ حقه في البحث بصورة مستقلة في كتب المتقدمين ولا المعاصرين باستثناء بعض الدراسات المعاصرة التي تناولت الموضوع من بعض جوانبه – سنشير إليها قريباً في هذه المقدمة – إلا أنها لم تعط التصور المطلوب للموضوع، ولم تستوف كافة جوانبه فهو من المواضيع التي لم تزل بحاجة شديدة إلى بحثها وجمعها في سلك واحد يظهر أهميَّتها ويبرز ما يمكن أن تساهم به في مصالح العباد.
    4. أن عدم ضبط قضية استيفاء الحقوق بالضوابط الشرعية يؤدي إلى النزاع والخصام والتعدي على الحقوق، مما يجعل الحاجة ماسة إلى إبراز ما تنضبط به هذه القضية حسماً لمادة النزاع بين العباد.
    5. ما لاحظته من إمكانية مساهمة هذه القاعدة – قاعدة الظفر – في حل كثير من المنازعات المالية المعاصرة وإيجاد حلول شرعية للقضاء على مشكلة المماطلة بالديون التي أزعجت كثير من المؤسسات المالية الحديثة وأرقت مضاجعهم، مما يستدعي من الباحث الإلمام بها و فهمها و دراستها لكي يخرج بنتائج يستفيد منها و يفيد بها المجتمع الإسلامي.
    6. تعلق الموضوع بالقواعد الفقهية، التي شغفت بدراستها منذ بدأت في طلب العلم الشرعي، وقد مر بنا بيان طرف من فضلها وشرفها وعلو مكانتها، فهي أهم ما ينبغي الاشتغال به حيث إن تطور الفقه وتجديده متوقف على ضبط أصوله وكلياته وقواعده وعلى استيعاب النوازل والاستنباطات السابقة للاستفادة منها في الطوارئ والنوازل اللاحقة، وهذا كله يتأتى بضبط القواعد الفقهية فنستغني بها عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها فيها كما تقدم، فإن أمر القواعد والضوابط الفقهية وأهميتها، وجلالة العلم بها وشرفه، قد غدا من مأثورات أهل العلم وطلابه، وأكتفي هنا بكلام الإمام القرافي – رحمه الله تعالى – حيث يقول: (هذه القواعد: عظيمة النفع في أبواب الفقه، يحتاج إليها الفقيه حاجة شديدة، إن أراد أن يكون من فحول العلماء، وبسبب الإحاطة بهذه القواعد تتضح المدارك، ويتميز الصواب في المذاهب من الخطأ، وتنشأ الفروق والتراجيح، وفي مثل هذه المواطن يتميز الجذع من القارح، والصالح لضبط الفقه من الطالح)([15]).

    الدراسات السابقة:
    لم أجد في هذا الموضوع حينما قمت بوضع خطته أي رسالة علمية مستقلة, إلا مسائل متفرقة في كتب الفقهاء القدامى, و إشارات في بعض مصنفات المعاصرين. فيما يخص القسم الأول منه و هو الجانب النظري فقط, حيث لم يفرد فقهاؤنا القدامى – رحمهم الله تعالى – هذا الموضوع في كتاباتهم بشكل مستقل, إلا أنهم تناولوا بعض أجزائه في أبواب متناثرة في بطون الكتب الفقهية و لم يقسموا الموضوع تقسيماً منهجياً بحيث يسهل على القارئ الرجوع إلى ما يريد بسهولة و يسر.
    و أما الفقهاء المعاصرون فبالرغم من أهمية هذا الموضوع إلا أنه لم ينل الاهتمام والعناية الكافية من قبلهم إذ لم أجد خلال إطلاعي و بحثي دراسة مستقلة لهذا الموضوع, عدا ما وجدت في موسوعة القواعد و الضوابط الفقهية للدكتور أحمد الندوي, حيث تطرقت إلى عرض الموضوع بشكل مختصر لا يشفي غليل الباحث.
    و بعد أن قطعت شوطاً لا بأس به في بحث الموضوع و جمع المصادر التي لها صلة به, اطلعت عن طريق محركات البحث الالكترونية على بعض العناوين التي يمكن أن يكون لها صلة بموضوع الرسالة, فحاولت جاهداً الوصول إلى ما استطعته منها لكني كنت أفاجأ أن أكثرها يبحث الموضوع من وجهة قانونية أو يكون حظ مسألة الظفر بالحق من الرسالة بضع صفحات تعد على أصابع اليد الواحدة, أو أن أحدها ناقل عن الآخر, مما يصيبني بنوع من الأسف على ما بذلته من جهد ووقت و مال للحصول على بعض هذه الرسائل استغرقت سفرات طويلة من دولة إلى أخرى.
    وكانت هناك بعض الدراسات الجيدة تناولت موضوع الظفر بشيء من التفصيل لكن جميعها كان فيما يتعلق بجانب من القسم الأول من هذه الرسالة و هو الجانب النظري في تقرير القضية من الناحية الفقهية دون التعرض لتقعيدها أو ذكر دوافعها.

    و من بين هذه الدراسات:
    1) نظرية الدعوى بين الشريعة الإسلامية و قانون المرافعات المدنية و التجارية للدكتور/ محمد نعيم يس.
    عقد فصلاً في التمهيد عن المواضع التي يجوز فيها استيفاء الحق بغير دعوى. لكنه مقتصر على تقرير المسألة من الناحية الفقهية و ذكر أقوال الفقهاء فيها و قد انتهى في نهاية عرضه إلى القول بمنع الظفر في جميع الأحوال, و إن كان يؤخذ عليه تصريحه بأن القول بالمنع هو مذهب الحنابلة, و التحقيق أنه مذهب المتقدمين منهم على خلاف بينهم في تفصيل بعض فروع المسألة كما سيتضح من دراستنا في هذا البحث.
    إلا أنه بحق يعتبر من الرواد الذين تناولوا هذه القضية بالبحث و المناقشة فكل من جاء بعده أحال عليه و استفاد منه بلا استثناء حتى من لم يصرح بالاستفادة منه فأمره مكشوف و تدليسه بيِّن.
    2) استيفاء الحق بغير دعوى "مسألة الظفر" دراسة مقارنة بين الشريعة والقانون، رسالة دكتوراه مسجلة في كلية الشريعة و القانون بجامعة الأزهر للدكتور/ علي عبد الجبار يس السروري 1989م.
    و قد تناول المسألة من الجهة الشرعية و الجهة القانونية كما يتضح من عنوان البحث، وقد أشار إلى استفادته من كتاب "نظرية الدعوى" في المقدمة. و هو بحث جيد حوى فوائد جمة يبرز فيها ما بذله الباحث من جهد متميز, إلا أنه لم يتعرض لشيء من التطبيقات المعاصرة و توصل إلى ترجيح مذهب الشافعية المتوسعين في إباحة الظفر.
    3) استيفاء الحقوق من غير قضاء, رسالة ماجستير قدمت لكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض, قدمها/ د. فهد عبد الرحمن اليحيى, و قد أجاد المصنف فيها و تعرض في بعض مباحثها لقضية الظفر بالحق و توصل إلى ترجيح القول بالمنع و لم يتعرض للتطبيقات المعاصرة. و قد أشار مؤلف هذا الكتاب إلى وقوفه على كتاب بعنوان النظام القضائي في الفقه الإسلامي للدكتور محمد رأفت عثمان, و ذكر أنه تطرق للموضوع بشيء من الإيجاز و عزا في بعض الفقرات لكتاب نظرية الدعوى و توصل إلى ترجيح الجواز, و لكن لم أستطع الوقوف على هذا الكتاب
    4) الموسوعة الفقهية الكويتية: تناولت الكلام بصورة مختصرة عند الحديث عن كلمة ظفر, كذلك عند الحديث عن كلمة استيفاء.
    5) موسوعة القواعد و الضوابط الفقهية, تناول مؤلفها الدكتور علي أحمد الندوي موضوع الظفر و هو أول من أشار إلى اعتبارها قاعدة – فيما وقفت عليه – من المعاصرين.
    و إليه يعود الفضل في تنبيهي إلى كونها قاعدة فقهية و من ثم اجتهدت في إثبات ذلك بطريقة علمية.
    1) أحكام الظفر بالحق بين الشريعة والقانون: د. محمود عبد الرحيم الديب.
    و أكثر تناوله للموضوع من جهة قانونية و الجانب الشرعي فيه معظمه مقتبس من نظرية الدعوى و توصل فيه إلى ما توصل إليه صاحب نظرية الدعوى بل و نقل نص كلامه في معرض الترجيح, و يؤخذ عليه تحامله الشديد على صاحب الحق, و بروز تعززه واعتداده الواضح بالقانون الوضعي في ثنايا حديثه, و عدم اعتداده كثيراً بأقوال الفقهاء المبيحين للظفر.
    2) الظفر بالحق: د. جابر مهران.
    و هو بحث مختصر تناول القضية من الناحية الفقهية و خلص إلى ترجيح مذهب الشافعية المبيحين لاستيفاء الحق بطريق الظفر بضوابطه الشرعية.
    3) استيفاء الحق بغير قضاء, دراسة فقهية مقارنة بين الشريعة و القانون, إعداد قيوم جندل.
    و هو بحث مقدم لنيل درجة الماجستير من الجامعة الإسلامية العالمية – إسلام أباد, كلية الشريعة و القانون, تناولت فيه مؤلفته موضوع الظفر في قرابة عشرين صفحة منه, و أكثره نقل عن كتاب نظرية الدعوى دون الإشارة إليه لا في الهوامش و لا في مصادر البحث.
    4) وسائل حمل المدين المماطل على الوفاء مع التطبيقات القضائية, لعامر بن صالح بن حمود اللحيدان.
    و هو بحث أعد لنيل درجة الماجستير من المعهد العالي للقضاء بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض, تناول فيه صاحبه الكلام عن الظفر بالحق في نحو أربعة عشر صفحة باختصار لكن له شخصيته في البحث و كلامه جيد و قد توصل إلى ترجيح مذهب متأخري الحنابلة القائلين بجواز الظفر إذا كان سبب الحق ظاهراً, و منع الظفر إذا تمكن من الرجوع إلى القضاء.
    و هناك أبحاث تناولت الموضوع لكنها في مجملها ما هي إلا نسخة مما في كتاب نظرية الدعوى, و مما يؤسف له أنهم لم يشيروا من قريب أو من بعيد إلى استفادتهم من الكتاب رغم أنهم ينقلون عبارات المصنف كاملة كاستيفاء الحق بغير قضاء في الشريعة الإسلامية, د. عبد الودود محمد السريتي, و هو بحث صغير ناقل بالنص في معظم فقراته عن كتاب نظرية الدعوى و لكنه – للأسف – لم يشر من قريب أو من بعيد للكتاب إلا ما ندر في بعض هوامشه, حتى أن القارئ يتحير أيهما ناقل عن صاحبه لعدم وجود تاريخ للنشر يبين ذلك لكنه يتأكد نقل صاحبنا عن كتاب نظرية الدعوى لأنه أحال عليه في مواضع نادرة جداً من كتابهلذلك آثرنا عدم ذكر هذه الدراسات إذ أنها لم تقدم جديداً للمكتبة الإسلامية.
    هذا فيما يتعلق بالقسم الأول من هذا البحث أما قسمه الثاني فلم أجد فيما وقفت عليه – رغم طول بحثي – من سبق إلى الكتابة فيه.

    منهج البحث:
    1- حرصت على التزام المنهج العلمي, البعيد عن التعصب للرأي, و عن التجريح للمخالف.
    2- الاعتماد على توثيق الأقوال من المصادر الأصلية في كل مسألة بحسبها.
    3- حرصت على الاستقراء التام لمصادر المسألة و مراجعتها المتقدمة و المتأخرة.
    4- أبدأ في كل مسألة بالتمهيد لها بما يوضحها إن استدعى المقام, أو عرضها و تصويرها ليتضح المقصود من تناولها بالدراسة. مع ذكر الجزئيات و الفروع الفقهية رغبة في توضيح أبعاد المسألة من الناحية الفقهية.
    5- إذا كانت المسألة متفقاً عليها اكتفيت بذكر حكمها مع دليله مع الالتزام بتوثيق الاتفاق من مظانه المعتبرة.
    6- إذا كانت المسألة خلافية, أحرر محل الخلاف ثم أذكر الأقوال في المسألة مع نسبتها لمن قال بها من أهل العلم مقتصراً في ذلك على المذاهب الفقهية السنية المعتبرة.
    7- طلباً للاختصار فإني لا أنقل نص كلام الأئمة و عباراتهم مكتفياً بالعزو إليهم, ما لم تدع الحاجة إلى ذلك لاسيما إذا كان القول لواحد من الأئمة الأربعة عليهم رحمة الله. و إلا كانت الكتابة بأسلوبي مستنيراً بأقوالهم.
    8- الحرص على التزام الأمانة العلمية في عزو الأقوال لقائليها مع استقصاء أدلتها – حسب الإمكان – مع بيان وجه الاستدلال, و ذكر ما يرد عليها من مناقشات وما يجاب به عنها إن وجدت إجابات, والالتزام بما هو متعارف عليه من قواعد كتابة البحوث العلمية في النقل والعزو والاقتباس والتوثيق والترجيح. وإذا لم أنسب التعليل أو المناقشة أو الجواب لصاحبه فهو من فهمي القاصر.
    9- التزمت بعزو الآيات القرآنية إلى مواضعها من كتاب الله تعالى، ذاكراً اسم السورة ورقم الآية بين معقوفتين عقب ذكر الآية في المتن، رغبة في عدم إثقال الهوامش وتيسيراً على القارئ.
    10- تخريج الأحاديث من مصادرها الأصلية فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت ببيان ذلك والإحالة عليهما. وإن كان في غيرهما ذكرت مصادره مع الإشارة إلى درجته صحة وضعفاً وذلك بالنقل عن أصحاب الشأن من المحدثين.
    11- التزمت في التخريج بذكر الكتاب والباب ورقم الحديث أو الأثر في الغالب مع ذكر الجزء والصفحة بغية تيسير الرجوع للحديث حتى وإن اختلفت الطبعات إضافة للاستفادة من تبويب الأئمة – رحمهم الله – للحديث.
    12- حرصت على أن أعترف بالسبق لأهله سواء في نصب دليل أو مناقشة أو تفريع على قول أو تخريج عليه أو تكييف مسألة أو ضرب مثال أو تقرير فكرة أو ترجيح، إما عن طريق ذكره في المتن، أو الإشارة إليه في الهامش.
    13- وثقت المعاني اللغوية من معجمات اللغة المعتمدة، وتكون الإحالة بالمادة والجزء والصفحة في الغالب.
    14- حرصت على تحديد المصطلحات وبيان معناها لغةً واصطلاحاً لاسيما ماله صلة وثيقة بالبحث، و كذلك حرصت على شرح الكلمات الغريبة مع التوثيق بحسب الإمكان.
    15- الترجمة لجميع الأعلام الذين ترد أسماؤهم في صلب البحث باختصار، خلا الأنبياء عليهم الصلاة و السلام, والأعلام المعاصرين.
    16- عند ذكر المرجع للمرة الأولى في الهامش – باستثناء المقدمة – أسجل بياناته كاملة (اسم المؤلف، والمحقق، ودار النشر، وتاريخه إن وجد)، ثم بعد ذلك أكتفي بالإحالة بذكر اسم الكتاب فقط وإن كان اسم الكتاب موافقاً لغيره أو يمكن أن يشتبه به، فإني أميز بينهما بذكر اسم المؤلف مختصراً. مع اعتماد الاسم المشهور للكتاب مثل: تفسير القرطبي، تفسير ابن كثير، حاشية ابن عابدين ..... وهكذا.
    17- اعتنيت بضبط الألفاظ التي قد يترتب على عدم ضبطها لبس أو غموض أو احتمال بعيد، مع العناية بعلامات الترقيم في مواضعها الصحيحة ما أمكن مع تحري الدقة من الناحية اللغوية والإملائية.
    18- أتبعت الرسالة بفهارس علمية تسهيلاً للاستفادة منها وسرعة الرجوع إلى مسائلها، وهي كالتالي:
    ‌أ- فهرس الآيات القرآنية.
    ‌ب- فهرس الأحاديث النبوية.
    ‌ج- فهرس الأعلام.
    ‌د- فهرس المصادر والمراجع.
    هـ - فهرس الموضوعات.

    خطة البحث:
    تتكون هذه الرسالة من مقدمة وبابين وخاتمة، على النحو التالي:
    - المقدمة و أتناول فيها بعد الاستهلال, بيان منزلة الفقه الإسلامي و القواعد الفقهية و الإعلان عن الموضوع و بيان أهميته و أسباب اختياره و منهج البحث و خطته وهي التي نحن بصددها.
    - الباب الأول: الظفر بالحق وضوابطه، وفيه ثلاثة فصول:
    - الفصل الأول: حقيقة الظفر بالحق ومدى اعتباره قاعدة فقهية وأهميته ومسوغاته، وفيه ثلاثة مباحث:
    - المبحث الأول: في حقيقة الظفر بالحق والألفاظ ذات العلاقة به، وفيه ثلاثة مطالب:
    - المطلب الأول: الظفر بالحق باعتباره مركباً إضافياً. وفيه فرعان:
    - الفرع الأول: تعريف الظفر
    - الفرع الثاني: تعريف الحق
    - المطلب الثاني: الظفر بالحق باعتباره لقباً.
    - المطلب الثالث: الألفاظ ذات الصلة بالظفر بالحق, وفيه ثلاثة فروع:
    - الفرع الأول: الاستيفاء
    - الفرع الثاني: القضاء
    - الفرع الثالث: الدعوى
    - المبحث الثاني: مدى اعتبار مسألة الظفر بالحق قاعدة فقهية، وفيه تمهيد وخمسة مطالب:
    - التمهيد: الظفر بالحق بين المسألة الفرعية و القاعدة الفقهية.
    - المطلب الأول: تعريف القواعد الفقهية، وفيه فرعان:
    - الفرع الأول: تعريف القواعد الفقهية باعتبارها مركباً وصفياً
    - الفرع الثاني: تعريف القواعد الفقهية باعتبارها علماً ولقباً على قواعد مخصوصة
    - المطلب الثاني: أقسام القواعد الفقهية.
    - المطلب الثالث: الضوابط الفقهية، مفهومها والعلاقة بينها وبين القواعد الفقهية، وفيه فرعان:
    - الفرع الأول: مفهوم الضوابط الفقهية
    - الفرع الثاني: العلاقة بين الضوابط الفقهية والقواعد الفقهية.
    - المطلب الرابع: عناصر القاعدة الفقهية وشروط تطبيقها.
    - المطلب الخامس: مدى انطباق عناصر القاعدة الفقهية وشروطها على مسألة الظفر بالحق, وفيه فرعان:
    - الفرع الأول: صياغة القاعدة.
    - الفرع الثاني: صيغة قاعدة الظفر.
    - المطلب السادس: الظفر بالحق قاعدة فقهية أم مبدأ فقهي؟ و فيه فرعان:
    - الفرع الأول: حقيقة المبدأ الفقهي.
    - الفرع الثاني: حكم اقتباس المصطلحات في الإسلام.
    - المبحث الثالث: أهمية مبدأ الظفر بالحق ودوافعه، وفيه مطلبان:
    - المطلب الأول: أهمية مبدأ الظفر بالحق ودوره في حل كثير من المنازعات المالية
    - المطلب الثاني: دوافع تحصيل الحق بطريق الظفر. وفيه تمهيد وفرعان:
    - التمهيد: طرق استيفاء الحقوق
    - الفرع الأول: ظاهرة البطء في التقاضي
    - الفرع الثاني: علاقة ظاهرة البطء في التقاضي بالظفر بالحق.
    - الفصل الثاني: تقرير مبدأ الظفر بالحق من الناحية الفقهية، وفيه مبحثان:
    - المبحث الأول: الأساس الذي بني عليه مبدأ الظفر بالحق.
    - المبحث الثاني: مذاهب الفقهاء في جواز تحصيل الحق بطريق الظفر، و فيه ثلاثة مطالب:
    - المطلب الأول: ماهية الحقوق التي تستوفى بالظفر.
    - المطلب الثاني: حكم استيفاء حق الدين بأخذه من مال المدين بغير قضاء.
    - المطلب الثالث: اختلافات بين القائلين بالجواز، وفيه ستة فروع:
    - الفرع الأول: هل تعذر الاستيفاء في القضاء شرط في جواز الظفر؟
    - الفرع الثاني: هل اتحاد الجنس شرط في جواز الظفر؟
    - الفرع الثالث: هل يشترط أن يكون سبب الدين ظاهراً لجواز الظفر؟
    - الفرع الرابع: هل يجوز الظفر إذا كان المال المستوفى منه من جنس الأمانات كالودائع؟
    - الفرع الخامس: هل يجوز للظافر إتلاف شيء من مال المستوفى منه للوصول للحق المطلوب؟
    - الفرع السادس: ما مدى صحة اعتبار قول من ذهب إلى وجوب الظفر بالحق؟
    - الفصل الثالث: الضوابط الفقهية للظفر بالحق، وفيه ثلاثة مباحث:
    - المبحث الأول: أركان الظفر، وفيه تمهيد وثلاثة مطالب:
    - تمهيد: مفهوم الأركان
    - المطلب الأول: الركن الأول (الظافر)
    - المطلب الثاني: الركن الثاني (المظفور منه)، وفيه ثمانية فروع وهي:
    - الفرع الأول: الظفر من المنكر الجاحد للحق.
    - الفرع الثاني: إذا كان المظفور منه مماطلاً.
    - الفرع الثالث: الظفر من المعسر.
    - الفرع الرابع: الظفر من الشخصية الاعتبارية.
    - الفرع الخامس: الظفر من الصبي أو المجنون.
    - الفرع السادس: الظفر من مدين المدين.
    - الفرع السابع: الظفر من المؤتمن بالأخذ مما تحت يده من مال استأمنه عليه من عليه الحق.
    - الفرع الثامن: الظفر من المرابي باسترجاع الزيادة الربوية في القرض الربوي
    - المطلب الثالث: الركن الثالث (المظفور به)
    - المبحث الثاني: الضوابط الفقهية لإباحة الظفر بالحق، وفيه تمهيدومطلبان:
    - تمهيد: ضوابط الظفر وحماية المدين
    - المطلب الأول: ضوابط تتعلق بعملية الظفر بصفة عامة
    - المطلب الثاني: ضوابط متعلقة بأركان الظفر، و فيه ثلاثة فروع:
    - الفرع الأول: ضوابط تتعلق بالظافر
    - الفرع الثاني: ضوابط تتعلق بالمظفور منه
    - الفرع الثالث: ضوابط تتعلق بالمظفور به
    - المبحث الثالث: وسائل الظفر وضوابطها، وفيه مطلبان:
    - المطلب الأول: وسائل الظفر، و فيه أربعة فروع:
    - الفرع الأول: مفهوم الوسائل.
    - الفرع الثاني: بيان حقيقة الوسائل.
    - الفرع الثالث: إباحة بعض الوسائل الممنوعة للضرورة.
    - الفرع الرابع: نماذج من وسائل الظفر بالحق.
    - المطلب الثاني: أحكام وسائل الظفر و ضوابطها، و فيه فرعان
    - الفرع الأول: أحكام وسائل الظفر
    - الفرع الثاني: ضوابط وسائل الظفر
    - الباب الثاني: التطبيقات المعاصرة لمبدأ الظفر بالحق، وفيه تمهيد وفصلان:
    - التمهيد: القواعد الفقهية ومعالجة القضايا المعاصرة، و فيه ثلاثة مباحث:
    - المبحث الأول: التطبيق هو ثمرة دراسة القاعدة الفقهية.
    - المبحث الثاني: شروط تطبيق القاعدة الفقهية
    - المبحث الثالث: معالجة القضايا المعاصرة في ضوء الفقه الإسلامي
    - الفصل الأول: تطبيقات فقهية تتعلق بالمؤسسات المالية المعاصرة. وفيه تمهيد وخمسة مباحث:
    - التمهيد: البيع المؤجل ومشكلة تعثر الديون
    - المبحث الأول: الرهن وعلاقته بالظفر بالحق. وفيه: تمهيد و ثلاثة مطالب.
    - التمهيد: وسائل التوثيق الاستيفائية.
    - المطلب الأول: الرهن وبعض أحكامه.
    - المطلب الثاني: الجانب الاستيفائي في الرهن.
    - المطلب الثالث: صلة الرهن بقاعدة الظفر بالحق. وفيه ثلاثة فروع:
    - الفرع الأول: الاستيفاء من الرهن عند تعذر القضاء.
    - الفرع الثاني: استيفاء المنفعة من الرهن إذا كان محلوباً أو مركوباً نظير النفقة عليه.
    - الفرع الثالث: صلة هذه المسألة بقاعدة الظفر بالحق.
    - المبحث الثاني: تطبيقات الرهن المعاصرة وصلتها بالظفر بالحق. وفيه مطلبان:
    - المطلب الأول: من صور الرهن المعاصر: (الرهن الرسمي)
    - المطلب الثاني: صلة الرهن الرسمي بقاعدة الظفر بالحق
    - المبحث الثالث: بيع المرابحة و صلته بقاعدة الظفر بالحق، وفيه تمهيد وثلاثة مطالب:
    - التمهيد: أهمية بيع المرابحة
    - المطلب الأول: بيع المرابحة و حقيقته
    - المطلب الثاني: بيع المرابحة للآمر بالشراء، وفيه فرعان:
    - الفرع الأول: حقيقة بيع المرابحة للآمر بالشراء
    - الفرع الثاني: حكم بيع المرابحة للآمر بالشراء
    - المطلب الثالث: علاقة بيع المرابحة للآمر بالشراء بقاعدة الظفر بالحق
    - المبحث الرابع: بيع التقسيط وعلاقته بالظفر بالحق, وفيه وثلاثة مطالب:
    - المطلب الأول: حقيقة بيع التقسيط.
    - المطلب الثاني: أهمية بيع التقسيط.
    - المطلب الثالث: علاقة بيع التقسيط بالظفر بالحق.
    - المبحث الخامس: الاعتمادات المستندية وصلتها بقاعدة الظفر بالحق. وفيه تمهيد وثلاثة مطالب:
    - التمهيد: التجارة الخارجية وظهور الاعتماد المستندي.
    - المطلب الأول: حقيقة الاعتمادات المستندية.
    - المطلب الثاني: الاعتمادات المستندية في المصارف الإسلامية.
    - المطلب الثالث: صلة الاعتمادات المستندية بالظفر بالحق.
    - الفصل الثاني: تطبيقات قضائية ونوازل معاصرة، و فيه تمهيد و مبحثان:
    - تمهيد: قضاء القاضي و فتوى المفتي
    - المبحث الأول: تطبيقات قضائية معاصرة.
    - المبحث الثاني: فتاوى و نوازل معاصرة، وفيه تمهيد ومطلبان:
    - التمهيد: مصنفات الفقهاء في الفتاوى ميدان فسيح لفقه النوازل
    - المطلب الأول: فتاوى للفقهاء المتقدمين.
    - المطلب الثاني: فتاوى و نوازل معاصرة.
    - الخاتمة وفيها تلخيص مركز لأهم النقاط التي تناولها البحث، مع بعض التوصيات والمقترحات.

    و في ختام هذه المقدمة يسعدني أن أتوجه بالشكر الجزيل و عظيم الامتنان والتقدير لكل من قدم لي أي عون و مساعدة لإنجاز هذا العمل و إبرازه, و أخص بالشكر الجزيل و الدعاء بالمثوبة و الأجر من الله فضيلة الأستاذ الدكتور/ محمد عبد الستار الجبالي، على تفضله بالإشراف على هذه الرسالة, و الذي كان لتوجيهاته السديدة و ملحوظاته الدقيقة الموفقة، مع تواضع جم، وعلم وافر وكرم وكريم خصال, أعظم الأثر علي للوصول بالبحث إلى هذه المرحلة, فجزاه الله عني خير الجزاء.
    كما أخص بالشكر الجزيل و عظيم الامتنان سعادة الأستاذ المثقف المحب للعلم وأهله/ سالم بن حمد الشامسي, رئيس المجلس الاستشاري الأسبق بالشارقة, على ما بذله من أجلي في سبيل إنجاح هذا البحث فجزاه الله عني خير الجزاء.
    و الشكر موصول للأخوة في مكتب الشهباء للطباعة والترجمة القانونية بالشارقة، على تفضلهم بطباعة هذا البحث في مراحله الأولى و بذلهم أقصى الجهد لإخراجه هذا الإخراج الجيد.
    كما أشكر كل من أفادني و أرشدني ووجهني في رحلتي مع هذا البحث فجزى الله الجميع خير الجزاء.
    ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله،،

    وأخيراً، فليس من زلة الفكر أمان، ولا يرتفع عن الملحوظات عمل الإنسان، كما قيل قديماً: "الكتاب كالمكلف لا يسلم من المؤاخذة، ولا يرتفع عنه القلم"([16])، فرحم الله من وقف في هذا الكتاب على خطأ، فأصلحه عاذراً لا عاذلاً، وعلى الله وحده أتوكل، ومنه أستمد العون والتوفيق والسداد.
    "و الله أسأل أن ينفع به من كتبه, أو قرأه, أو حصله, أو سعى في شيء منه, والله يعصمنا من الزلل و يوفقنا في القول و العمل.
    ثم أعتذر لذوي الألباب, من التقصير الواقع في هذا الكتاب, و أسأل بلسان التضرع و الخشوع, و خطاب التذلل و الخضوع: أن يُنْظر بعين الرضا و الصواب, فما كان من نقص كمّلوه, و من خطئٍ أصلحوه, فقلما يخلص مصنف من الهفوات, أو ينجو مؤلف من العثرات"([17]).
    و صلى الله و سلم و بارك على سيدنا و نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم و الحمد لله رب العالمين.

    البخاري إبراهيم وهيب
    الشارقة - الإمارات العربية المتحدة
    بعد صلاة ظهر يوم الخميس
    الموافق 19 جمادى الأول 1427 هـ
    15 يونيه 2006 م
    ==========

    تابع ...

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    7

    افتراضي رد: رسالة ماجستير فى >> الفقه الإسلامي عنوانها (الظفر بالحق )

    المطلب الثاني

    الظفر بالحق باعتباره لقباً

    التعريف الاصطلاحي للظفر بالحق:

    بعد الرجوع للمصادر وكتب التعاريف، ومعاجم المصطلحات والألفاظ الفقهية، لم أجد فيما تيسَّر لي الوقوف عليه من عرَّف حق الظفر تعريفاً إصطلاحياً من الفقهاء القدامى – رحمهم الله – .

    ويمكن تعليل ذلك بأنهم وجدوا المعنى الإصطلاحي لا يخرج عن المعنى اللغوي([71]).

    حيث أن الظافر فائز بحقه، وواجد له بعد خروجه من يده.

    يُضاف إلى ذلك أنهم ذكروا صور الظفر وبيَّنوا شروطه، فكأنهم اكتفوا بذلك عن تعريفه، فالمعنى الذي يفهم من كلامهم عند التعرض لبيان حكم الظفر لا يخرج عن المعنى اللغوي في عمومه.

    وقد وجدت بعض التعريفات – على قلتها – لباحثين معاصرين، نقوم بعرضها والتعليق على ما يستحق التعليق، ثم نبين التعريف المختار. وفيما يلي بيان ذلك:-

    1. تعريف الدكتور جابر مهران.

    قال بعد بيان التعريف اللغوي: "المعنى الاصطلاحي يتفق مع المعنى اللغوي أي: هو فوز الإنسان بحق له على غيره"([72]).

    وواضح أنه حاول تعريف الظفر بالحق انطلاقاً من معناه اللغوي، إلا أنه جاء قاصراً جداً، غير مانع من دخول غيره فيه، فليس معنى وضوح المعنى اللغوي في المدلول الاصطلاحي للظفر أن يتطابق التعريفان، لأن الفقهاء الذين تعرضوا لبيان أحكام الظفر - كما سبقت الإشارة - أضافوا إلى المعنى اللغوي تصوير مسألة الظفر مع بيان شروطه. مما جعلهم يكتفون بذلك عن التعريف الاصطلاحي و إلا فإن هذا التعريف لم يبين لنا هل هذا الحق المطلوب واجب الأداء أم لم يجب أداؤه (سواء لم يحن أجله أو كان على معسر معذور)، فقد يكون للرجل حق على غيره لكنه لم يجب أداؤه بعد، فلا يحق له الظفر به، ولا علاقة له بمسألة الظفر، ومن جهة أخرى هل هذا الغير(من عليه الحق) ممتنع عن الأداء، أم باذل للحق معترف به؟

    ومن أهم ما يؤخذ على هذا التعريف أنه لم يبين لنا طريقة فوز صاحب الحق بحقه هل بطريقة الوفاء الاختياري أم بطريقة الوفاء الإجباري؟ وهل هذا الوفاء الإجباري عن طريق القضاء، أم أنه بغير الرجوع للقضاء ولا شك أن بيان هذا هو الذي يجعل التعريف مانعا لدخول غيره فيه. حيث أن كلمة (فوز) جنس في التعريف يشمل ما كان بطريق القضاء أو بغيره، ويشمل ما كان إجبارياً وما كان اختيارياً.

    والأصل في التعريف أن يكون جامعاً مانعاً، بعيداً عن الألفاظ الموهمة كاشفاً لحقيقة الشيء المعرف.

    2. تعريف الدكتور : محمود عبد الرحيم الديب:

    قال بعد أن عرَّف الظفر في اللغة مباشرة: "والظفر بالحق هو أن يظفر رجل بمال لغريم له جحده حقه، ولا بينة للظافر بهذا الحق المجحود. كأن يكون له على رجل دين، ولا بينة له بهذا الدين، ولهذا المدين وديعة عند صاحب الحق، فيطلب صاحب الحق حقه من المدين فيجحد، ولا بينة له به، فيجحد هو الوديعة التي عنده للمدين، ظافراً بذلك حقه أو جزء من حقه. أو يظفر بمال لغريمه - دون استلام - فينقص منه حقه ويرد إليه ما زاد عن حقه، أو بتحقيق الفرصة لظفره أخرى، إذا كانت الأولى لا تعادل قيمة حقه.

    فالظفر بالحق على هذا النحو ما هو إلا الفوز بالحق المجحود بأي طريق كان..."([73]).

    فأنت ترى كيف أنه ذكر هذا بعد التعريف اللغوي، وكأنه عنى به التعريف الاصطلاحي، و إلا كان يمكنه أن ينص على أنه لم يعثر على تعريف اصطلاحي، فلجأ إلى هذا التقريب، ورغم ما يكتنف هذا الكلام من غموض نوعاً ما، وإبهام في بعض ألفاظه إلا أنه لم يستوعب صور الظفر، بل خلط بين التعريف وتصوير المسألة. ولم يكشف حقيقة الظفر بالحق للقارئ، فهو مجرد تصوير لبعض مسائل الظفر، وهذا لا يكون تعريفا للظفر بحال. ومن العجيب استخدامه لأسلوب الحصر في قوله "ما هو إلا ...." وكأنه استوعب صور الظفر بتعريف جامع مانع، ثم أعجب منه قوله "بأي طريق كان..."، والظفر بالحق على ما بينه الفقهاء (وهم الجماهير من أهل العلم) له ضوابط وطرق وشروط مما يبين فساد هذه العبارة (بأي طريق كان) - كذلك تقييده للحق المظفور به بأنه الحق المجحود فقط لا يستقيم له ذلك لأنه لم يشمل الحق الممطول أو المغصوب أو المسروق وغير ذلك.

    وفي إطار التعريف العلمي ينبغي التدقيق في انتقاء الكلمات واختيار المصطلحات، ذات الدلالة الواضحة التي لا تحدث التباساً ولا غموضاً ولا إشكالاً. كما يتوجه إليه نفس الانتقادات التي وردت على التعريف السابق.

    3. تعريف الدكتور : علي عبد الجبار يس السروري:

    قال بعد أن بين أنه لم يعثر على تعريف للظفر بالحق: "ويمكنني أن أقترح تعريفاً لحق الظفر فأقول: هو فوز صاحب الحق أو من يقوم مقامه بحقه الواجب الأداء من ممتنع دون لجوء إلى القضاء بشروط مخصوصة"([74]).

    وهذا التعريف على جودته، وسبق صاحبه به، إلا أنه هو الآخر لا يخلو من ملاحظات - لا تنقص من قدره - بل يبقى له فضل السبق والريادة في هذا التعريف([75]).

    من جملة هذه الملاحظات:

    *أ- أنه استعمل المرادف اللغوي لكلمة (ظفر) وهي كلمة (فوز) واستعمالها في التعريف قد يكون غير دقيق في موضعه([76]) لأنها غير كافية في تقريب المعنى للقارئ فهناك من الألفاظ ما هو أدق منها في تقريب المعنى.

    ومن جهةٍ أخرى فإنه لا يلزم من الترادف في المعنى بين الكلمتين استعمال هذا الترادف الحرفي في التعريف فقد يكون كلا اللفظين فيه نوع إبهام رغم ترادفهما فلا يتضح المعنى إلا باستخدام كلمة أخرى هي أبسط وأقرب في المعنى، وهذه الكلمة فيما يتصل بهذا التعريف يمكن أن تكون (أخْذ) بدلاً من (فوز) وهي التي وردت في النصوص الشرعية المتعلقة بالظفر([77]) بل لا يكاد يخلو منها قول من أقوال العلماء في الظفر، فيؤخذ على هذا التعريف أنه عرف الكلمة بمرادفها، وهذا أقرب للتعريف اللغوي منه إلي التعريف العلمي.

    كما لو عرفت الأسد بأنه السبع. مما يشعر بنوع من الدور الذي يعيب التعريفات([78]).

    *ب- قوله (أو من يقوم مقامه) حشو في التعريف يستقيم المعنى بدونه لأن هذا لا يختص بالظفر وحده بل هي قاعدةٌ عامة في كثيرٍ من أحكام التصرفات المالية وغيرها، ونصها: " كل ما جاز للإنسان التصرف فيه بنفسه بملك أو ولاية جاز له أن يوكل فيه"([79])

    وطالما جاز لصاحب الحق المالي الظفر بحقه جاز له أن يوكل غيره فيه. ويصبح هذا الوكيل له حق في الظفر بطريق الوكالة أو الولاية فلا حاجة للنص عليه هنا. والأصل في التعاريف الاختصار والإيجاز فلا مسوغ لهذه الزيادة، والله أعلم. حتى لو سلمنا بضرورتها فإنه يكفي عنها كلمة واحدة وهي (أو من يمثله) بدلاً من (أو من يقوم مقامه).

    *ج- كذلك قوله في وصف الحق المظفور به (واجب الأداء) فهذه زائدةٌ أيضاً في التعريف يغني عنها قوله بعد ذلك: (من ممتنع) ، إذ أن من عليه حق لا يصدق وصفه بأنه ممتنع إلا إذا كان ما عليه من الحق صار واجب الأداء، و إلا فقد يكون معسراً لا حيلة له، وقد يكون ما عليه من الحق لم يحل موعد سداده، أو غير ذلك من الحالات التي يسقط عن صاحبها وجوب الأداء إذا تعرض لها، وبالتالي لا يعد عدم دفعه الحق لصاحبه امتناعاً يبيح الظفر منه، مما يبرهن على ارتباط الامتناع بوجوب الأداء فيكفي ذكر إحداهما في التعريف لذلك فإن قوله (واجب الأداء) زائد في التعريف مما يتنافى مع طلب الاختصار والإيجاز في التعريفات عامة.

    *د- قوله (دون لجوءٍ إلى القضاء) يمكن اختصارها إلى أبسط من هذا في مثل هذه العبارة (بلا قضاء) أو (بغير قضاء)، تحقيقاً للإيجاز المطلوب في كافة التعريفات.

    *ه- قوله (بشروط مخصوصة) قيد ليس من الضروري النص عليه في التعريف. إذ أن غالب المصطلحات الخاصة بالأحكام والمواضيع الفقهية سواء ما يتعلق منها بالعبادات أو المعاملات لا تنفك عن تعلقها بشروط مخصوصة ومع ذلك لم نجد الفقهاء يدرجون هذا القيد في التعريف إلا ما ندر جداً([80]) ، رغم أنهم عند حديثهم عن تفصيل أحكامها يبينون توقفها على شروط كثيرة. فكأن هذه العبارة (بشروط مخصوصة) صارت مستقرة في الأذهان و إن لم ينصوا عليها، لتوقف تحقيق المناط في الأحكام الشرعية على شروط وضوابط خاصة بكل حكم أو موضوع فقهي.

    من جهة أخرى فقد نص هو نفسه على بعض الشروط أو الضوابط في ثنايا التعريف كقوله (حق) و (واجب الأداء) وقوله (من ممتنع) مما يشعر ببعض التكرار الذي ينبغي أن ينتفي في التعريفات العلمية. حتى لو قلنا بضرورة وجود مثل هذه العبارة في التعريف فإنه يكفي كلمة (بشروط) فقط ولا حاجة لكلمة مخصوصة لأنها تفهم بداهةً أن الشروط متعلقة بالظفر، خاصة به دون غيره لتوجه التعريف برمته للظفر بالحق.

    تعريف الدكتور/ نزيه حماد: قال: "أما مصطلح (الظفر بالحق) عند الفقهاء فالمراد به : استيفاء الحق المالي بدون موافقة المستوفى منه أو حكم القاضي به"([81]) وهذا التعريف رغم تميزه عن غيره بالوجاز في اللفظ وتقييده للحق المستوفى بوصف الحق المالي إلاّ أنه ينقصه إضافة ما يدل على أن هذا الحق صار واجب الأداء ومن ثم يتضح لنا هل المستوفى منه ممتنع عن الأداء أم لا، فلا يكفي أن يكون الاستيفاء دون موافقته، لأنه يحتمل أن موعد الأداء لم يحن بعد فيكون محقاً في عدم موافقته على الأداء، كما قد يكون معسراً، والفقهاء متفقون على حرمة مطالبة من ثبت إعساره، فضلاً عن الظفر منه، وبالتالي يكون مجبراً على عدم الموافقة على الأداء، إذ لا سبيل أمامه سوى ذلك، يضاف إلى ذلك أن التعريف لم يبين لنا سبب استيفاء الحق بدون موافقة المستوفى منه، بمعنى ما الذي دفع المستوفي إلى استيفاء الحق بلا موافقة المستوفى منه؟، فلا بد من إبراز صفة الامتناع في التعريف تحاشياً لهذه التساؤلات. كما أن التعريف لم يتعرض للإشارة إلى الظافر فلم يبين من سيستوفى الحق من المظفور منه. هل هو صاحب الحق أو غيره.

    التعريف المختار:

    بعد هذا العرض لما ورد من تعريفات للظفر بالحق، وما يمكن أن يؤخذ عليها من اعتراضات، نذكر هنا التعريف الذي يمكن أن يكون أسلم وأصح وأوفق مع مبادئ التعريفات العلمية، ثم نتلوه بشرح له.

    ومن الشرح يظهر وجه اختياره.

    الظفر بالحق هو " أخذ صاحب الحق المالي حقه من ممتنعٍ بلا قضاء".

    شــرح التعريف:

    (أخـْذ) جنس في التعريف يشمل كل أنواع الأخذ سواء عن طريق الظفر أو بأي طريق أخر.

    (صاحب الحق) يخرج به من كان ليس له حق في الشيء المظفور به، فيصبح في هذه الحالة سارقاً، أو مغتصباً، أو مختلساً، أو غير ذلك بحسب صورته.

    (المالي) قيد يخرج به غيره من أنواع الحقوق التي لا يجوز استيفاؤها بطريق الظفر([82]).

    (حـقه) يخرج به ما إذا أخذ شيئاً ليس من حقه أصالة، أو ليس من حقه أخذه في هذا الوقت، لعدم حلول أجله، أو لإعسار من عليه الحق، أو غيرها من الأعذار.

    (من ممتنع) قيد في التعريف يبين مجال الظفر بالحق وهو أن يكون من عليه الحق ممتنعاً عن أدائه بعد وجوب الأداء بلا عذر يبيح الامتناع كإعسار وغيره، و إلا لم يكن ممتنعاً، فيخرج بهذا القيد كل باذل للحق وكل معذور شرعاً في عدم الأداء.

    (بلا قضاء) يخرج به حصول صاحب الحق على حقه من ممتنع عن طريق القضاء([83]).




    المطلب الثالث

    الألفاظ ذات الصلة بالظفر بالحق

    وفيه ثلاثة فروع:

    الفرع الأول: الاستيفاء.

    الفرع الثاني: القضاء.

    الفرع الثالث: الدعوى.

    هناك ألفاظ ومصطلحات يكثر استعمالها في موضوع الظفر بالحق، كالاستيفاء والقضاء، والدعوى، وفيما يلي بيان لكل منها:

    الفرع الأول

    الاستيفاء

    1. الاستيفاء في اللغة:

    الاستيفاء من وفى، وهي كلمة تدل على الإكمال والإتمام([84]).

    يقال (استوفيت الشيء) إذا أخذته كله حتى لم تترك منه شيئاً([85]).

    ويقال: ( وفى فلاناً حقه): أعطاه وافياً، كوفاه ووافاه فاستوفاه وتوفاه([86]).





    2. الاستيفاء في الاصطلاح:

    لا يخرج معنى كلمة الاستيفاء في الاصطلاح عن معناها اللغوي، فيقصد به الحصول على الشيء كله كاملاً تاماً غير منقوص.

    الفرع الثاني

    القضــاء

    الأصل في استيفاء الحقوق هو الرفع إلى القضاء، واللجوء إلى أخذ الحق بطريق الظفر أمر استثنائي من هذا الأصل، مما يبين العلاقة بين القضاء وبين الظفر بالحق، وبذلك تتضح أهمية معرفة معنى القضاء لغةً واصطلاحاً، والتي نبينها كالتالي:

    1. تعريف القضاء في اللغة:

    يأتي القضاء في اللغة على معان متعددة ومتقاربة، و (قضى) أصل صحيح يدل على إحكام الأمر و إتقانه ونفاذه لجهته، قال تعالى: ﴿فقضاهن سبع سماوات في يومين﴾ [فصِّلت:12] أي: أحكم خلقهن.

    ويأتي القضاء بمعنى الحكم والإلزام، قال تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه، وبالوالدين إحساناً﴾ [الإسراء:23] أي أمر وحكم.

    وقال تعالى: ﴿فاقض ما أنت قاض﴾ [طه:72] أي اصنع واحكم.

    ومن أجل هذا سميَّ القاضي قاضياً لأنه يحكم الأحكام وينفذها، فهو القاطع للأمور، المُحكم لها([87])، المُلزم بها.

    2. تعريف القضاء في الاصطلاح:

    تنوعت عبارات الفقهاء في مصنفاتهم في تعريف القضاء بناءً على تنوع الزاوية التي ينظرون منها، فمن نظر إلى القضاء على أنه صفة حكمية يتصف بها القاضي، تستلزم إمضاء حكمه، عرف القضاء على أنه صفة في القاضي، كما ورد في شرح حدود إبن عرفة([88]) في تعريفه بأنه: "صفة حكمية توجب لموصوفها نفوذ حكمه الشرعي، ولو بتعديل أو تجريح لا في عموم مصالح المسلمين"([89]). وأما من نظر إلى القضاء باعتباره فعلاً يقوم به القاضي فقد عرفه على أنه فعل القاضي، من فصل للخصومات وإلزام بها ، وقد ورد هذا المعنى في كافة المذاهب الفقهية السنية، وهو قريب من معناه اللغوي، فالقضاء في اللغة كما تقدم معناه: الحكم والإلزام، والقاضي هو الحاكم والملزم لما يحكم به. وفيما يلي أمثلة لتعريف القضاء انطلاقاً من هذا الاعتبار:

    1- (إنهاء الخصومات وقطع المنازعات على وجه الخصوص)([90]).

    2- (الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام)([91]).

    3- (إظهار حكم الشرع في الواقعة فيمن يجب عليه إمضاؤه فيه)([92]).

    4- (الإلزام بالحكم الشرعي وفصل الخصومات)([93]).

    وواضح مدى التقارب الشديد بين هذه التعريفات مما يبين أن الخلاف بينها يكاد يكون لفظياً فقط.

    وخلاصة القول في تعريف القضاء أن القضاء: هو ما توفر فيه الآتي:

    أ- بيان الحكم الشرعي في الوقائع المعروضة. ومعنى كونه حكماً شرعياً أن يكون مستمداً من نصوص الكتاب والسنة والأحكام الفقهية المستنبطة منهما. وإظهار هذا الحكم بالقول أو ما يقوم مقام القول. "وهكذا فإن القضاء الصحيح لا يبتني إلا على حكم مستخرج من الكتاب الكريم، أو مضت عليه السنة الشريفة، أو أجمع عليه علماء المسلمين، أو اقتضته روح الشريعة. وكل قضاء بني على ما يخالف ذلك فهو باطل عند الله وعند المؤمنين، وواجب على المؤمنين الحيلولة دون وقوعه وإزالة كل أثر له إن وقع"([94])، لأنه لا يعتبر قضاء من جهة الاصطلاح الشرعي، حتى ولو أطلق عليه أهله مصطلح القضاء.

    ب- الإلزام بهذا الحكم الشرعي: وهذا الإلزام مستمد من الولاية الشرعية للقاضي وهذه خاصية هامة تميز القضاء عن الإفتاء فكلاهما إخبار عن حكم الشارع في الوقائع المعروضة، إلا أن القضاء ينفرد بهذه الخاصية الهامة مع بعض الفوارق الأخرى سنذكرها بعد قليل إن شاء الله.

    التعريف المختار:

    وبناء على ما تقدم نختار هذا التعريف للقضاء:

    (فصل الخصومات بإظهار حكم الشارع فيها على سبيل الإلزام)([95]).

    الفرق بين القضاء والإفتاء:

    نظراً لأننا سنتعرض في ثنايا الرسالة للحديث عن بعض المسائل هل هي من قبيل الفتيا أم من قبيل القضاء، فإنه من المناسب هنا أن نبين الفرق بين القضاء والإفتاء.

    وقد تقدم تعريف القضاء آنفاً، وأما الإفتاء فهو- كما عرفه أهل العلم - (بيان الحكم الشرعي من غير إلزام به).

    فالقضاء والإفتاء يشتركان في بيان الحكم الشرعي، ألا أن القضاء يتميز في قيد الإلزام بالحكم، وليس للمتقاضين الخيار في ترك الحكم بل هم ملزمون بتنفيذه.

    لكن الإفتاء يخلو من هذا الإلزام وإنما يكتفي ببيان الحكم الشرعي فحسب([96]).

    من جهة أخرى فإن الحكم في القضاء حكم جزئي خاص لا يتعدى المحكوم له أو المحكوم عليه إلى غيره. لكن فتوى المفتي شريعة عامة تتعلق بالمستفتي وبغير المستفتي. فقضاء القاضي خاص ملزم وفتوى العالم عامة غير ملزمة، وكلاهما أجره عظيم وخطره كبير([97]).

    وكذلك فإن القاضي يعتمد في إصدار حكمه على حجاج الخصوم من بينة أو إقرار أو غيرهما من الأدلة ليكتشف منها ما ينبغي تكييفه واعتباره من الأوصاف وبالتالي تطبيق الحكم الشرعي عليه.

    أما المفتي فلا يحتاج إلى النظر في هذه الحجاج بل يكفيه أن يصور له المستفتي سؤاله فينزل عليه الحكم الشرعي.

    ويتبين من هذا أن القاضي ينبغي أن تتوفر فيه صفات ربما لا يلزم المفتي كثير منها، فلكي ينجح القاضي في إصابة الحق لابد له من فراسة عظيمة ويقظة وافرة، وقريحة باهرة، وخبرة واسعة، حيث يأتيه الخصوم وربما تعمدوا إخفاء الواقع وتمويه الحجج والجدال بالباطل.

    بينما يأتي المستفتي إلى المفتي بقلب أسلم ونية أصفى، وحرص أكثر على إصابة الحق.

    مما يبين أن طريق القاضي في اكتشاف ما ينبغي اعتباره من الأوصاف أصعب من طريق المفتي، ولذلك احتاج القاضي إلى تلك الصفات دون المفتي([98]).

    الفرع الثالث

    الدعوى

    تعريف (الدعوى) في اللغة: الدعوى في اللغة اسم من الادعاء، وهو المصدر، وتجمع على دعاوى، ودعاوي، بكسر الياء أو فتحها، فهي اسم لما يدَّعي([99]).

    ولها إطلاقات كثيرة في اللغة، يرجع معظمها إلى معنى واحد هو "الطلب"، قال تعالى: ﴿ولهم فيها ما يدَّعون﴾ [يس:57] أي ما يطلبون.

    وتستعمل الدعوى بمعنى الدعاء: ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم.... ﴾ [يونس:10]، وتأتي الدعوى بمعنى الزعم: ومنه (الادعاء)، (ومدعوا النبوة)، لكنها لا تطلق على القول المؤيد بالحجة والبرهان بل يصير حينئذ حقاً.

    وتستعمل الدعوى في أكثر استعمالاتها بمعنى: إضافة الإنسان إلى نفسه شيئاً سواء كان ملكاً أو استحقاقاً من غير تقييدها بحال المنازعة أو المسالمة([100]).

    وهذا قريب من تفسير بعضهم الدعوى بأنها (قول يقصد به صاحبه إيجاب حق له على غيره)([101]).

    تعريف الدعوى في الإصطلاح:

    الدعوى وسيلة أباحها الشارع لكل فرد لحماية حقه من العدوان، أو استرداده، وهي تصرف مباح لا يجب على الأفراد القيام به، أباحه الشرع للناس لحماية حقوقهم التي اعترف لهم بها حتى يكون لهذا الاعتراف معنى بحراسة الحق وتمكين صاحبه من الانتفاع به.

    فمشروعية الدعوى وإباحتها من جهة الشرع، و إضافة الحق العام للأفراد في التقاضي يضفيان هيبة لكل حق معترف به، فيفرض احترامه على جميع الناس، ومن ثم يسود الأمن والاستقرار.

    فالدعوى حسبما نظر إليها الفقهاء المسلمون([102]) تصرف من التصرفات القولية التي يعتبر لصحتها شروط معينة، فهي تصرف شرعي لكونه قد أباحه الشرع، وتصرف قولي لأنه يدور حول المطالبة والطلب، أو الأخبار والخبر أو الإضافة، وكلها تصرفات قولية، وهي بهذا قريبة من مدلول الدعوى اللغوي، فهي في اللغة طلب أيضاً. لكنها تميزت عن المفهوم اللغوي بما وضعه لها الفقهاء من قيود وشروط جعلتها قاصرة على نوع خاص من التصرفات القولية.

    وعلى هذا فإننا نختار هذا التعريف للدعوى:

    (قول مقبول في مجلس القضاء يطلب فيه صاحبه حقاً له أو لمن يمثله أو حمايته).

    فيخرج بتقييد القول بالقبول كل دعوى فاسدة لم تستكمل شروط صحتها.

    والحق هنا نقصد به معناه الجامع الواسع الذي يشمل الحق الوجودي والحق العدمي([103]). كما يدخل في هذا التعريف الدعاوي التي يرفعها من ينوب عن صاحب الحق من وكيل أو ولي و نحوهما، ويخرج من هذا التعريف دعوى الفضولي الذي لا يطالب لنفسه ولا يمثل غيره، كما يتميز هذا التعريف بأنه نص على تقييد الطلب بكونه في مجلس القضاء، وهذا هو الفرق الجوهري بين الدعوى بمعناها الاصطلاحي، والدعوى بمعناها اللغوي([104]).




    تابع>>>

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    7

    افتراضي رد: رسالة ماجستير فى >> الفقه الإسلامي عنوانها (الظفر بالحق )

    المطلب الثاني

    الظفر بالحق باعتباره لقباً

    التعريف الاصطلاحي للظفر بالحق:

    بعد الرجوع للمصادر وكتب التعاريف، ومعاجم المصطلحات والألفاظ الفقهية، لم أجد فيما تيسَّر لي الوقوف عليه من عرَّف حق الظفر تعريفاً إصطلاحياً من الفقهاء القدامى – رحمهم الله – .

    ويمكن تعليل ذلك بأنهم وجدوا المعنى الإصطلاحي لا يخرج عن المعنى اللغوي([71]).

    حيث أن الظافر فائز بحقه، وواجد له بعد خروجه من يده.

    يُضاف إلى ذلك أنهم ذكروا صور الظفر وبيَّنوا شروطه، فكأنهم اكتفوا بذلك عن تعريفه، فالمعنى الذي يفهم من كلامهم عند التعرض لبيان حكم الظفر لا يخرج عن المعنى اللغوي في عمومه.

    وقد وجدت بعض التعريفات – على قلتها – لباحثين معاصرين، نقوم بعرضها والتعليق على ما يستحق التعليق، ثم نبين التعريف المختار. وفيما يلي بيان ذلك:-

    1. تعريف الدكتور جابر مهران.

    قال بعد بيان التعريف اللغوي: "المعنى الاصطلاحي يتفق مع المعنى اللغوي أي: هو فوز الإنسان بحق له على غيره"([72]).

    وواضح أنه حاول تعريف الظفر بالحق انطلاقاً من معناه اللغوي، إلا أنه جاء قاصراً جداً، غير مانع من دخول غيره فيه، فليس معنى وضوح المعنى اللغوي في المدلول الاصطلاحي للظفر أن يتطابق التعريفان، لأن الفقهاء الذين تعرضوا لبيان أحكام الظفر - كما سبقت الإشارة - أضافوا إلى المعنى اللغوي تصوير مسألة الظفر مع بيان شروطه. مما جعلهم يكتفون بذلك عن التعريف الاصطلاحي و إلا فإن هذا التعريف لم يبين لنا هل هذا الحق المطلوب واجب الأداء أم لم يجب أداؤه (سواء لم يحن أجله أو كان على معسر معذور)، فقد يكون للرجل حق على غيره لكنه لم يجب أداؤه بعد، فلا يحق له الظفر به، ولا علاقة له بمسألة الظفر، ومن جهة أخرى هل هذا الغير(من عليه الحق) ممتنع عن الأداء، أم باذل للحق معترف به؟

    ومن أهم ما يؤخذ على هذا التعريف أنه لم يبين لنا طريقة فوز صاحب الحق بحقه هل بطريقة الوفاء الاختياري أم بطريقة الوفاء الإجباري؟ وهل هذا الوفاء الإجباري عن طريق القضاء، أم أنه بغير الرجوع للقضاء ولا شك أن بيان هذا هو الذي يجعل التعريف مانعا لدخول غيره فيه. حيث أن كلمة (فوز) جنس في التعريف يشمل ما كان بطريق القضاء أو بغيره، ويشمل ما كان إجبارياً وما كان اختيارياً.

    والأصل في التعريف أن يكون جامعاً مانعاً، بعيداً عن الألفاظ الموهمة كاشفاً لحقيقة الشيء المعرف.

    2. تعريف الدكتور : محمود عبد الرحيم الديب:

    قال بعد أن عرَّف الظفر في اللغة مباشرة: "والظفر بالحق هو أن يظفر رجل بمال لغريم له جحده حقه، ولا بينة للظافر بهذا الحق المجحود. كأن يكون له على رجل دين، ولا بينة له بهذا الدين، ولهذا المدين وديعة عند صاحب الحق، فيطلب صاحب الحق حقه من المدين فيجحد، ولا بينة له به، فيجحد هو الوديعة التي عنده للمدين، ظافراً بذلك حقه أو جزء من حقه. أو يظفر بمال لغريمه - دون استلام - فينقص منه حقه ويرد إليه ما زاد عن حقه، أو بتحقيق الفرصة لظفره أخرى، إذا كانت الأولى لا تعادل قيمة حقه.

    فالظفر بالحق على هذا النحو ما هو إلا الفوز بالحق المجحود بأي طريق كان..."([73]).

    فأنت ترى كيف أنه ذكر هذا بعد التعريف اللغوي، وكأنه عنى به التعريف الاصطلاحي، و إلا كان يمكنه أن ينص على أنه لم يعثر على تعريف اصطلاحي، فلجأ إلى هذا التقريب، ورغم ما يكتنف هذا الكلام من غموض نوعاً ما، وإبهام في بعض ألفاظه إلا أنه لم يستوعب صور الظفر، بل خلط بين التعريف وتصوير المسألة. ولم يكشف حقيقة الظفر بالحق للقارئ، فهو مجرد تصوير لبعض مسائل الظفر، وهذا لا يكون تعريفا للظفر بحال. ومن العجيب استخدامه لأسلوب الحصر في قوله "ما هو إلا ...." وكأنه استوعب صور الظفر بتعريف جامع مانع، ثم أعجب منه قوله "بأي طريق كان..."، والظفر بالحق على ما بينه الفقهاء (وهم الجماهير من أهل العلم) له ضوابط وطرق وشروط مما يبين فساد هذه العبارة (بأي طريق كان) - كذلك تقييده للحق المظفور به بأنه الحق المجحود فقط لا يستقيم له ذلك لأنه لم يشمل الحق الممطول أو المغصوب أو المسروق وغير ذلك.

    وفي إطار التعريف العلمي ينبغي التدقيق في انتقاء الكلمات واختيار المصطلحات، ذات الدلالة الواضحة التي لا تحدث التباساً ولا غموضاً ولا إشكالاً. كما يتوجه إليه نفس الانتقادات التي وردت على التعريف السابق.

    3. تعريف الدكتور : علي عبد الجبار يس السروري:

    قال بعد أن بين أنه لم يعثر على تعريف للظفر بالحق: "ويمكنني أن أقترح تعريفاً لحق الظفر فأقول: هو فوز صاحب الحق أو من يقوم مقامه بحقه الواجب الأداء من ممتنع دون لجوء إلى القضاء بشروط مخصوصة"([74]).

    وهذا التعريف على جودته، وسبق صاحبه به، إلا أنه هو الآخر لا يخلو من ملاحظات - لا تنقص من قدره - بل يبقى له فضل السبق والريادة في هذا التعريف([75]).

    من جملة هذه الملاحظات:

    *أ- أنه استعمل المرادف اللغوي لكلمة (ظفر) وهي كلمة (فوز) واستعمالها في التعريف قد يكون غير دقيق في موضعه([76]) لأنها غير كافية في تقريب المعنى للقارئ فهناك من الألفاظ ما هو أدق منها في تقريب المعنى.

    ومن جهةٍ أخرى فإنه لا يلزم من الترادف في المعنى بين الكلمتين استعمال هذا الترادف الحرفي في التعريف فقد يكون كلا اللفظين فيه نوع إبهام رغم ترادفهما فلا يتضح المعنى إلا باستخدام كلمة أخرى هي أبسط وأقرب في المعنى، وهذه الكلمة فيما يتصل بهذا التعريف يمكن أن تكون (أخْذ) بدلاً من (فوز) وهي التي وردت في النصوص الشرعية المتعلقة بالظفر([77]) بل لا يكاد يخلو منها قول من أقوال العلماء في الظفر، فيؤخذ على هذا التعريف أنه عرف الكلمة بمرادفها، وهذا أقرب للتعريف اللغوي منه إلي التعريف العلمي.

    كما لو عرفت الأسد بأنه السبع. مما يشعر بنوع من الدور الذي يعيب التعريفات([78]).

    *ب- قوله (أو من يقوم مقامه) حشو في التعريف يستقيم المعنى بدونه لأن هذا لا يختص بالظفر وحده بل هي قاعدةٌ عامة في كثيرٍ من أحكام التصرفات المالية وغيرها، ونصها: " كل ما جاز للإنسان التصرف فيه بنفسه بملك أو ولاية جاز له أن يوكل فيه"([79])

    وطالما جاز لصاحب الحق المالي الظفر بحقه جاز له أن يوكل غيره فيه. ويصبح هذا الوكيل له حق في الظفر بطريق الوكالة أو الولاية فلا حاجة للنص عليه هنا. والأصل في التعاريف الاختصار والإيجاز فلا مسوغ لهذه الزيادة، والله أعلم. حتى لو سلمنا بضرورتها فإنه يكفي عنها كلمة واحدة وهي (أو من يمثله) بدلاً من (أو من يقوم مقامه).

    *ج- كذلك قوله في وصف الحق المظفور به (واجب الأداء) فهذه زائدةٌ أيضاً في التعريف يغني عنها قوله بعد ذلك: (من ممتنع) ، إذ أن من عليه حق لا يصدق وصفه بأنه ممتنع إلا إذا كان ما عليه من الحق صار واجب الأداء، و إلا فقد يكون معسراً لا حيلة له، وقد يكون ما عليه من الحق لم يحل موعد سداده، أو غير ذلك من الحالات التي يسقط عن صاحبها وجوب الأداء إذا تعرض لها، وبالتالي لا يعد عدم دفعه الحق لصاحبه امتناعاً يبيح الظفر منه، مما يبرهن على ارتباط الامتناع بوجوب الأداء فيكفي ذكر إحداهما في التعريف لذلك فإن قوله (واجب الأداء) زائد في التعريف مما يتنافى مع طلب الاختصار والإيجاز في التعريفات عامة.

    *د- قوله (دون لجوءٍ إلى القضاء) يمكن اختصارها إلى أبسط من هذا في مثل هذه العبارة (بلا قضاء) أو (بغير قضاء)، تحقيقاً للإيجاز المطلوب في كافة التعريفات.

    *ه- قوله (بشروط مخصوصة) قيد ليس من الضروري النص عليه في التعريف. إذ أن غالب المصطلحات الخاصة بالأحكام والمواضيع الفقهية سواء ما يتعلق منها بالعبادات أو المعاملات لا تنفك عن تعلقها بشروط مخصوصة ومع ذلك لم نجد الفقهاء يدرجون هذا القيد في التعريف إلا ما ندر جداً([80]) ، رغم أنهم عند حديثهم عن تفصيل أحكامها يبينون توقفها على شروط كثيرة. فكأن هذه العبارة (بشروط مخصوصة) صارت مستقرة في الأذهان و إن لم ينصوا عليها، لتوقف تحقيق المناط في الأحكام الشرعية على شروط وضوابط خاصة بكل حكم أو موضوع فقهي.

    من جهة أخرى فقد نص هو نفسه على بعض الشروط أو الضوابط في ثنايا التعريف كقوله (حق) و (واجب الأداء) وقوله (من ممتنع) مما يشعر ببعض التكرار الذي ينبغي أن ينتفي في التعريفات العلمية. حتى لو قلنا بضرورة وجود مثل هذه العبارة في التعريف فإنه يكفي كلمة (بشروط) فقط ولا حاجة لكلمة مخصوصة لأنها تفهم بداهةً أن الشروط متعلقة بالظفر، خاصة به دون غيره لتوجه التعريف برمته للظفر بالحق.

    تعريف الدكتور/ نزيه حماد: قال: "أما مصطلح (الظفر بالحق) عند الفقهاء فالمراد به : استيفاء الحق المالي بدون موافقة المستوفى منه أو حكم القاضي به"([81]) وهذا التعريف رغم تميزه عن غيره بالوجاز في اللفظ وتقييده للحق المستوفى بوصف الحق المالي إلاّ أنه ينقصه إضافة ما يدل على أن هذا الحق صار واجب الأداء ومن ثم يتضح لنا هل المستوفى منه ممتنع عن الأداء أم لا، فلا يكفي أن يكون الاستيفاء دون موافقته، لأنه يحتمل أن موعد الأداء لم يحن بعد فيكون محقاً في عدم موافقته على الأداء، كما قد يكون معسراً، والفقهاء متفقون على حرمة مطالبة من ثبت إعساره، فضلاً عن الظفر منه، وبالتالي يكون مجبراً على عدم الموافقة على الأداء، إذ لا سبيل أمامه سوى ذلك، يضاف إلى ذلك أن التعريف لم يبين لنا سبب استيفاء الحق بدون موافقة المستوفى منه، بمعنى ما الذي دفع المستوفي إلى استيفاء الحق بلا موافقة المستوفى منه؟، فلا بد من إبراز صفة الامتناع في التعريف تحاشياً لهذه التساؤلات. كما أن التعريف لم يتعرض للإشارة إلى الظافر فلم يبين من سيستوفى الحق من المظفور منه. هل هو صاحب الحق أو غيره.

    التعريف المختار:

    بعد هذا العرض لما ورد من تعريفات للظفر بالحق، وما يمكن أن يؤخذ عليها من اعتراضات، نذكر هنا التعريف الذي يمكن أن يكون أسلم وأصح وأوفق مع مبادئ التعريفات العلمية، ثم نتلوه بشرح له.

    ومن الشرح يظهر وجه اختياره.

    الظفر بالحق هو " أخذ صاحب الحق المالي حقه من ممتنعٍ بلا قضاء".

    شــرح التعريف:

    (أخـْذ) جنس في التعريف يشمل كل أنواع الأخذ سواء عن طريق الظفر أو بأي طريق أخر.

    (صاحب الحق) يخرج به من كان ليس له حق في الشيء المظفور به، فيصبح في هذه الحالة سارقاً، أو مغتصباً، أو مختلساً، أو غير ذلك بحسب صورته.

    (المالي) قيد يخرج به غيره من أنواع الحقوق التي لا يجوز استيفاؤها بطريق الظفر([82]).

    (حـقه) يخرج به ما إذا أخذ شيئاً ليس من حقه أصالة، أو ليس من حقه أخذه في هذا الوقت، لعدم حلول أجله، أو لإعسار من عليه الحق، أو غيرها من الأعذار.

    (من ممتنع) قيد في التعريف يبين مجال الظفر بالحق وهو أن يكون من عليه الحق ممتنعاً عن أدائه بعد وجوب الأداء بلا عذر يبيح الامتناع كإعسار وغيره، و إلا لم يكن ممتنعاً، فيخرج بهذا القيد كل باذل للحق وكل معذور شرعاً في عدم الأداء.

    (بلا قضاء) يخرج به حصول صاحب الحق على حقه من ممتنع عن طريق القضاء([83]).




    المطلب الثالث

    الألفاظ ذات الصلة بالظفر بالحق

    وفيه ثلاثة فروع:

    الفرع الأول: الاستيفاء.

    الفرع الثاني: القضاء.

    الفرع الثالث: الدعوى.

    هناك ألفاظ ومصطلحات يكثر استعمالها في موضوع الظفر بالحق، كالاستيفاء والقضاء، والدعوى، وفيما يلي بيان لكل منها:

    الفرع الأول

    الاستيفاء

    1. الاستيفاء في اللغة:

    الاستيفاء من وفى، وهي كلمة تدل على الإكمال والإتمام([84]).

    يقال (استوفيت الشيء) إذا أخذته كله حتى لم تترك منه شيئاً([85]).

    ويقال: ( وفى فلاناً حقه): أعطاه وافياً، كوفاه ووافاه فاستوفاه وتوفاه([86]).





    2. الاستيفاء في الاصطلاح:

    لا يخرج معنى كلمة الاستيفاء في الاصطلاح عن معناها اللغوي، فيقصد به الحصول على الشيء كله كاملاً تاماً غير منقوص.

    الفرع الثاني

    القضــاء

    الأصل في استيفاء الحقوق هو الرفع إلى القضاء، واللجوء إلى أخذ الحق بطريق الظفر أمر استثنائي من هذا الأصل، مما يبين العلاقة بين القضاء وبين الظفر بالحق، وبذلك تتضح أهمية معرفة معنى القضاء لغةً واصطلاحاً، والتي نبينها كالتالي:

    1. تعريف القضاء في اللغة:

    يأتي القضاء في اللغة على معان متعددة ومتقاربة، و (قضى) أصل صحيح يدل على إحكام الأمر و إتقانه ونفاذه لجهته، قال تعالى: ﴿فقضاهن سبع سماوات في يومين﴾ [فصِّلت:12] أي: أحكم خلقهن.

    ويأتي القضاء بمعنى الحكم والإلزام، قال تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه، وبالوالدين إحساناً﴾ [الإسراء:23] أي أمر وحكم.

    وقال تعالى: ﴿فاقض ما أنت قاض﴾ [طه:72] أي اصنع واحكم.

    ومن أجل هذا سميَّ القاضي قاضياً لأنه يحكم الأحكام وينفذها، فهو القاطع للأمور، المُحكم لها([87])، المُلزم بها.

    2. تعريف القضاء في الاصطلاح:

    تنوعت عبارات الفقهاء في مصنفاتهم في تعريف القضاء بناءً على تنوع الزاوية التي ينظرون منها، فمن نظر إلى القضاء على أنه صفة حكمية يتصف بها القاضي، تستلزم إمضاء حكمه، عرف القضاء على أنه صفة في القاضي، كما ورد في شرح حدود إبن عرفة([88]) في تعريفه بأنه: "صفة حكمية توجب لموصوفها نفوذ حكمه الشرعي، ولو بتعديل أو تجريح لا في عموم مصالح المسلمين"([89]). وأما من نظر إلى القضاء باعتباره فعلاً يقوم به القاضي فقد عرفه على أنه فعل القاضي، من فصل للخصومات وإلزام بها ، وقد ورد هذا المعنى في كافة المذاهب الفقهية السنية، وهو قريب من معناه اللغوي، فالقضاء في اللغة كما تقدم معناه: الحكم والإلزام، والقاضي هو الحاكم والملزم لما يحكم به. وفيما يلي أمثلة لتعريف القضاء انطلاقاً من هذا الاعتبار:

    1- (إنهاء الخصومات وقطع المنازعات على وجه الخصوص)([90]).

    2- (الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام)([91]).

    3- (إظهار حكم الشرع في الواقعة فيمن يجب عليه إمضاؤه فيه)([92]).

    4- (الإلزام بالحكم الشرعي وفصل الخصومات)([93]).

    وواضح مدى التقارب الشديد بين هذه التعريفات مما يبين أن الخلاف بينها يكاد يكون لفظياً فقط.

    وخلاصة القول في تعريف القضاء أن القضاء: هو ما توفر فيه الآتي:

    أ- بيان الحكم الشرعي في الوقائع المعروضة. ومعنى كونه حكماً شرعياً أن يكون مستمداً من نصوص الكتاب والسنة والأحكام الفقهية المستنبطة منهما. وإظهار هذا الحكم بالقول أو ما يقوم مقام القول. "وهكذا فإن القضاء الصحيح لا يبتني إلا على حكم مستخرج من الكتاب الكريم، أو مضت عليه السنة الشريفة، أو أجمع عليه علماء المسلمين، أو اقتضته روح الشريعة. وكل قضاء بني على ما يخالف ذلك فهو باطل عند الله وعند المؤمنين، وواجب على المؤمنين الحيلولة دون وقوعه وإزالة كل أثر له إن وقع"([94])، لأنه لا يعتبر قضاء من جهة الاصطلاح الشرعي، حتى ولو أطلق عليه أهله مصطلح القضاء.

    ب- الإلزام بهذا الحكم الشرعي: وهذا الإلزام مستمد من الولاية الشرعية للقاضي وهذه خاصية هامة تميز القضاء عن الإفتاء فكلاهما إخبار عن حكم الشارع في الوقائع المعروضة، إلا أن القضاء ينفرد بهذه الخاصية الهامة مع بعض الفوارق الأخرى سنذكرها بعد قليل إن شاء الله.

    التعريف المختار:

    وبناء على ما تقدم نختار هذا التعريف للقضاء:

    (فصل الخصومات بإظهار حكم الشارع فيها على سبيل الإلزام)([95]).

    الفرق بين القضاء والإفتاء:

    نظراً لأننا سنتعرض في ثنايا الرسالة للحديث عن بعض المسائل هل هي من قبيل الفتيا أم من قبيل القضاء، فإنه من المناسب هنا أن نبين الفرق بين القضاء والإفتاء.

    وقد تقدم تعريف القضاء آنفاً، وأما الإفتاء فهو- كما عرفه أهل العلم - (بيان الحكم الشرعي من غير إلزام به).

    فالقضاء والإفتاء يشتركان في بيان الحكم الشرعي، ألا أن القضاء يتميز في قيد الإلزام بالحكم، وليس للمتقاضين الخيار في ترك الحكم بل هم ملزمون بتنفيذه.

    لكن الإفتاء يخلو من هذا الإلزام وإنما يكتفي ببيان الحكم الشرعي فحسب([96]).

    من جهة أخرى فإن الحكم في القضاء حكم جزئي خاص لا يتعدى المحكوم له أو المحكوم عليه إلى غيره. لكن فتوى المفتي شريعة عامة تتعلق بالمستفتي وبغير المستفتي. فقضاء القاضي خاص ملزم وفتوى العالم عامة غير ملزمة، وكلاهما أجره عظيم وخطره كبير([97]).

    وكذلك فإن القاضي يعتمد في إصدار حكمه على حجاج الخصوم من بينة أو إقرار أو غيرهما من الأدلة ليكتشف منها ما ينبغي تكييفه واعتباره من الأوصاف وبالتالي تطبيق الحكم الشرعي عليه.

    أما المفتي فلا يحتاج إلى النظر في هذه الحجاج بل يكفيه أن يصور له المستفتي سؤاله فينزل عليه الحكم الشرعي.

    ويتبين من هذا أن القاضي ينبغي أن تتوفر فيه صفات ربما لا يلزم المفتي كثير منها، فلكي ينجح القاضي في إصابة الحق لابد له من فراسة عظيمة ويقظة وافرة، وقريحة باهرة، وخبرة واسعة، حيث يأتيه الخصوم وربما تعمدوا إخفاء الواقع وتمويه الحجج والجدال بالباطل.

    بينما يأتي المستفتي إلى المفتي بقلب أسلم ونية أصفى، وحرص أكثر على إصابة الحق.

    مما يبين أن طريق القاضي في اكتشاف ما ينبغي اعتباره من الأوصاف أصعب من طريق المفتي، ولذلك احتاج القاضي إلى تلك الصفات دون المفتي([98]).

    الفرع الثالث

    الدعوى

    تعريف (الدعوى) في اللغة: الدعوى في اللغة اسم من الادعاء، وهو المصدر، وتجمع على دعاوى، ودعاوي، بكسر الياء أو فتحها، فهي اسم لما يدَّعي([99]).

    ولها إطلاقات كثيرة في اللغة، يرجع معظمها إلى معنى واحد هو "الطلب"، قال تعالى: ﴿ولهم فيها ما يدَّعون﴾ [يس:57] أي ما يطلبون.

    وتستعمل الدعوى بمعنى الدعاء: ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم.... ﴾ [يونس:10]، وتأتي الدعوى بمعنى الزعم: ومنه (الادعاء)، (ومدعوا النبوة)، لكنها لا تطلق على القول المؤيد بالحجة والبرهان بل يصير حينئذ حقاً.

    وتستعمل الدعوى في أكثر استعمالاتها بمعنى: إضافة الإنسان إلى نفسه شيئاً سواء كان ملكاً أو استحقاقاً من غير تقييدها بحال المنازعة أو المسالمة([100]).

    وهذا قريب من تفسير بعضهم الدعوى بأنها (قول يقصد به صاحبه إيجاب حق له على غيره)([101]).

    تعريف الدعوى في الإصطلاح:

    الدعوى وسيلة أباحها الشارع لكل فرد لحماية حقه من العدوان، أو استرداده، وهي تصرف مباح لا يجب على الأفراد القيام به، أباحه الشرع للناس لحماية حقوقهم التي اعترف لهم بها حتى يكون لهذا الاعتراف معنى بحراسة الحق وتمكين صاحبه من الانتفاع به.

    فمشروعية الدعوى وإباحتها من جهة الشرع، و إضافة الحق العام للأفراد في التقاضي يضفيان هيبة لكل حق معترف به، فيفرض احترامه على جميع الناس، ومن ثم يسود الأمن والاستقرار.

    فالدعوى حسبما نظر إليها الفقهاء المسلمون([102]) تصرف من التصرفات القولية التي يعتبر لصحتها شروط معينة، فهي تصرف شرعي لكونه قد أباحه الشرع، وتصرف قولي لأنه يدور حول المطالبة والطلب، أو الأخبار والخبر أو الإضافة، وكلها تصرفات قولية، وهي بهذا قريبة من مدلول الدعوى اللغوي، فهي في اللغة طلب أيضاً. لكنها تميزت عن المفهوم اللغوي بما وضعه لها الفقهاء من قيود وشروط جعلتها قاصرة على نوع خاص من التصرفات القولية.

    وعلى هذا فإننا نختار هذا التعريف للدعوى:

    (قول مقبول في مجلس القضاء يطلب فيه صاحبه حقاً له أو لمن يمثله أو حمايته).

    فيخرج بتقييد القول بالقبول كل دعوى فاسدة لم تستكمل شروط صحتها.

    والحق هنا نقصد به معناه الجامع الواسع الذي يشمل الحق الوجودي والحق العدمي([103]). كما يدخل في هذا التعريف الدعاوي التي يرفعها من ينوب عن صاحب الحق من وكيل أو ولي و نحوهما، ويخرج من هذا التعريف دعوى الفضولي الذي لا يطالب لنفسه ولا يمثل غيره، كما يتميز هذا التعريف بأنه نص على تقييد الطلب بكونه في مجلس القضاء، وهذا هو الفرق الجوهري بين الدعوى بمعناها الاصطلاحي، والدعوى بمعناها اللغوي([104]).




    تابع>>>

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    7

    افتراضي رد: رسالة ماجستير فى >> الفقه الإسلامي عنوانها (الظفر بالحق )

    المطلب الثاني

    الظفر بالحق باعتباره لقباً

    التعريف الاصطلاحي للظفر بالحق:

    بعد الرجوع للمصادر وكتب التعاريف، ومعاجم المصطلحات والألفاظ الفقهية، لم أجد فيما تيسَّر لي الوقوف عليه من عرَّف حق الظفر تعريفاً إصطلاحياً من الفقهاء القدامى – رحمهم الله – .

    ويمكن تعليل ذلك بأنهم وجدوا المعنى الإصطلاحي لا يخرج عن المعنى اللغوي([71]).

    حيث أن الظافر فائز بحقه، وواجد له بعد خروجه من يده.

    يُضاف إلى ذلك أنهم ذكروا صور الظفر وبيَّنوا شروطه، فكأنهم اكتفوا بذلك عن تعريفه، فالمعنى الذي يفهم من كلامهم عند التعرض لبيان حكم الظفر لا يخرج عن المعنى اللغوي في عمومه.

    وقد وجدت بعض التعريفات – على قلتها – لباحثين معاصرين، نقوم بعرضها والتعليق على ما يستحق التعليق، ثم نبين التعريف المختار. وفيما يلي بيان ذلك:-

    1. تعريف الدكتور جابر مهران.

    قال بعد بيان التعريف اللغوي: "المعنى الاصطلاحي يتفق مع المعنى اللغوي أي: هو فوز الإنسان بحق له على غيره"([72]).

    وواضح أنه حاول تعريف الظفر بالحق انطلاقاً من معناه اللغوي، إلا أنه جاء قاصراً جداً، غير مانع من دخول غيره فيه، فليس معنى وضوح المعنى اللغوي في المدلول الاصطلاحي للظفر أن يتطابق التعريفان، لأن الفقهاء الذين تعرضوا لبيان أحكام الظفر - كما سبقت الإشارة - أضافوا إلى المعنى اللغوي تصوير مسألة الظفر مع بيان شروطه. مما جعلهم يكتفون بذلك عن التعريف الاصطلاحي و إلا فإن هذا التعريف لم يبين لنا هل هذا الحق المطلوب واجب الأداء أم لم يجب أداؤه (سواء لم يحن أجله أو كان على معسر معذور)، فقد يكون للرجل حق على غيره لكنه لم يجب أداؤه بعد، فلا يحق له الظفر به، ولا علاقة له بمسألة الظفر، ومن جهة أخرى هل هذا الغير(من عليه الحق) ممتنع عن الأداء، أم باذل للحق معترف به؟

    ومن أهم ما يؤخذ على هذا التعريف أنه لم يبين لنا طريقة فوز صاحب الحق بحقه هل بطريقة الوفاء الاختياري أم بطريقة الوفاء الإجباري؟ وهل هذا الوفاء الإجباري عن طريق القضاء، أم أنه بغير الرجوع للقضاء ولا شك أن بيان هذا هو الذي يجعل التعريف مانعا لدخول غيره فيه. حيث أن كلمة (فوز) جنس في التعريف يشمل ما كان بطريق القضاء أو بغيره، ويشمل ما كان إجبارياً وما كان اختيارياً.

    والأصل في التعريف أن يكون جامعاً مانعاً، بعيداً عن الألفاظ الموهمة كاشفاً لحقيقة الشيء المعرف.

    2. تعريف الدكتور : محمود عبد الرحيم الديب:

    قال بعد أن عرَّف الظفر في اللغة مباشرة: "والظفر بالحق هو أن يظفر رجل بمال لغريم له جحده حقه، ولا بينة للظافر بهذا الحق المجحود. كأن يكون له على رجل دين، ولا بينة له بهذا الدين، ولهذا المدين وديعة عند صاحب الحق، فيطلب صاحب الحق حقه من المدين فيجحد، ولا بينة له به، فيجحد هو الوديعة التي عنده للمدين، ظافراً بذلك حقه أو جزء من حقه. أو يظفر بمال لغريمه - دون استلام - فينقص منه حقه ويرد إليه ما زاد عن حقه، أو بتحقيق الفرصة لظفره أخرى، إذا كانت الأولى لا تعادل قيمة حقه.

    فالظفر بالحق على هذا النحو ما هو إلا الفوز بالحق المجحود بأي طريق كان..."([73]).

    فأنت ترى كيف أنه ذكر هذا بعد التعريف اللغوي، وكأنه عنى به التعريف الاصطلاحي، و إلا كان يمكنه أن ينص على أنه لم يعثر على تعريف اصطلاحي، فلجأ إلى هذا التقريب، ورغم ما يكتنف هذا الكلام من غموض نوعاً ما، وإبهام في بعض ألفاظه إلا أنه لم يستوعب صور الظفر، بل خلط بين التعريف وتصوير المسألة. ولم يكشف حقيقة الظفر بالحق للقارئ، فهو مجرد تصوير لبعض مسائل الظفر، وهذا لا يكون تعريفا للظفر بحال. ومن العجيب استخدامه لأسلوب الحصر في قوله "ما هو إلا ...." وكأنه استوعب صور الظفر بتعريف جامع مانع، ثم أعجب منه قوله "بأي طريق كان..."، والظفر بالحق على ما بينه الفقهاء (وهم الجماهير من أهل العلم) له ضوابط وطرق وشروط مما يبين فساد هذه العبارة (بأي طريق كان) - كذلك تقييده للحق المظفور به بأنه الحق المجحود فقط لا يستقيم له ذلك لأنه لم يشمل الحق الممطول أو المغصوب أو المسروق وغير ذلك.

    وفي إطار التعريف العلمي ينبغي التدقيق في انتقاء الكلمات واختيار المصطلحات، ذات الدلالة الواضحة التي لا تحدث التباساً ولا غموضاً ولا إشكالاً. كما يتوجه إليه نفس الانتقادات التي وردت على التعريف السابق.

    3. تعريف الدكتور : علي عبد الجبار يس السروري:

    قال بعد أن بين أنه لم يعثر على تعريف للظفر بالحق: "ويمكنني أن أقترح تعريفاً لحق الظفر فأقول: هو فوز صاحب الحق أو من يقوم مقامه بحقه الواجب الأداء من ممتنع دون لجوء إلى القضاء بشروط مخصوصة"([74]).

    وهذا التعريف على جودته، وسبق صاحبه به، إلا أنه هو الآخر لا يخلو من ملاحظات - لا تنقص من قدره - بل يبقى له فضل السبق والريادة في هذا التعريف([75]).

    من جملة هذه الملاحظات:

    ‌أ- أنه استعمل المرادف اللغوي لكلمة (ظفر) وهي كلمة (فوز) واستعمالها في التعريف قد يكون غير دقيق في موضعه([76]) لأنها غير كافية في تقريب المعنى للقارئ فهناك من الألفاظ ما هو أدق منها في تقريب المعنى.

    ومن جهةٍ أخرى فإنه لا يلزم من الترادف في المعنى بين الكلمتين استعمال هذا الترادف الحرفي في التعريف فقد يكون كلا اللفظين فيه نوع إبهام رغم ترادفهما فلا يتضح المعنى إلا باستخدام كلمة أخرى هي أبسط وأقرب في المعنى، وهذه الكلمة فيما يتصل بهذا التعريف يمكن أن تكون (أخْذ) بدلاً من (فوز) وهي التي وردت في النصوص الشرعية المتعلقة بالظفر([77]) بل لا يكاد يخلو منها قول من أقوال العلماء في الظفر، فيؤخذ على هذا التعريف أنه عرف الكلمة بمرادفها، وهذا أقرب للتعريف اللغوي منه إلي التعريف العلمي.

    كما لو عرفت الأسد بأنه السبع. مما يشعر بنوع من الدور الذي يعيب التعريفات([78]).

    ‌ب- قوله (أو من يقوم مقامه) حشو في التعريف يستقيم المعنى بدونه لأن هذا لا يختص بالظفر وحده بل هي قاعدةٌ عامة في كثيرٍ من أحكام التصرفات المالية وغيرها، ونصها: " كل ما جاز للإنسان التصرف فيه بنفسه بملك أو ولاية جاز له أن يوكل فيه"([79])

    وطالما جاز لصاحب الحق المالي الظفر بحقه جاز له أن يوكل غيره فيه. ويصبح هذا الوكيل له حق في الظفر بطريق الوكالة أو الولاية فلا حاجة للنص عليه هنا. والأصل في التعاريف الاختصار والإيجاز فلا مسوغ لهذه الزيادة، والله أعلم. حتى لو سلمنا بضرورتها فإنه يكفي عنها كلمة واحدة وهي (أو من يمثله) بدلاً من (أو من يقوم مقامه).

    ‌ج- كذلك قوله في وصف الحق المظفور به (واجب الأداء) فهذه زائدةٌ أيضاً في التعريف يغني عنها قوله بعد ذلك: (من ممتنع) ، إذ أن من عليه حق لا يصدق وصفه بأنه ممتنع إلا إذا كان ما عليه من الحق صار واجب الأداء، و إلا فقد يكون معسراً لا حيلة له، وقد يكون ما عليه من الحق لم يحل موعد سداده، أو غير ذلك من الحالات التي يسقط عن صاحبها وجوب الأداء إذا تعرض لها، وبالتالي لا يعد عدم دفعه الحق لصاحبه امتناعاً يبيح الظفر منه، مما يبرهن على ارتباط الامتناع بوجوب الأداء فيكفي ذكر إحداهما في التعريف لذلك فإن قوله (واجب الأداء) زائد في التعريف مما يتنافى مع طلب الاختصار والإيجاز في التعريفات عامة.

    ‌د- قوله (دون لجوءٍ إلى القضاء) يمكن اختصارها إلى أبسط من هذا في مثل هذه العبارة (بلا قضاء) أو (بغير قضاء)، تحقيقاً للإيجاز المطلوب في كافة التعريفات.

    ‌ه- قوله (بشروط مخصوصة) قيد ليس من الضروري النص عليه في التعريف. إذ أن غالب المصطلحات الخاصة بالأحكام والمواضيع الفقهية سواء ما يتعلق منها بالعبادات أو المعاملات لا تنفك عن تعلقها بشروط مخصوصة ومع ذلك لم نجد الفقهاء يدرجون هذا القيد في التعريف إلا ما ندر جداً([80]) ، رغم أنهم عند حديثهم عن تفصيل أحكامها يبينون توقفها على شروط كثيرة. فكأن هذه العبارة (بشروط مخصوصة) صارت مستقرة في الأذهان و إن لم ينصوا عليها، لتوقف تحقيق المناط في الأحكام الشرعية على شروط وضوابط خاصة بكل حكم أو موضوع فقهي.

    من جهة أخرى فقد نص هو نفسه على بعض الشروط أو الضوابط في ثنايا التعريف كقوله (حق) و (واجب الأداء) وقوله (من ممتنع) مما يشعر ببعض التكرار الذي ينبغي أن ينتفي في التعريفات العلمية. حتى لو قلنا بضرورة وجود مثل هذه العبارة في التعريف فإنه يكفي كلمة (بشروط) فقط ولا حاجة لكلمة مخصوصة لأنها تفهم بداهةً أن الشروط متعلقة بالظفر، خاصة به دون غيره لتوجه التعريف برمته للظفر بالحق.

    تعريف الدكتور/ نزيه حماد: قال: "أما مصطلح (الظفر بالحق) عند الفقهاء فالمراد به : استيفاء الحق المالي بدون موافقة المستوفى منه أو حكم القاضي به"([81]) وهذا التعريف رغم تميزه عن غيره بالوجاز في اللفظ وتقييده للحق المستوفى بوصف الحق المالي إلاّ أنه ينقصه إضافة ما يدل على أن هذا الحق صار واجب الأداء ومن ثم يتضح لنا هل المستوفى منه ممتنع عن الأداء أم لا، فلا يكفي أن يكون الاستيفاء دون موافقته، لأنه يحتمل أن موعد الأداء لم يحن بعد فيكون محقاً في عدم موافقته على الأداء، كما قد يكون معسراً، والفقهاء متفقون على حرمة مطالبة من ثبت إعساره، فضلاً عن الظفر منه، وبالتالي يكون مجبراً على عدم الموافقة على الأداء، إذ لا سبيل أمامه سوى ذلك، يضاف إلى ذلك أن التعريف لم يبين لنا سبب استيفاء الحق بدون موافقة المستوفى منه، بمعنى ما الذي دفع المستوفي إلى استيفاء الحق بلا موافقة المستوفى منه؟، فلا بد من إبراز صفة الامتناع في التعريف تحاشياً لهذه التساؤلات. كما أن التعريف لم يتعرض للإشارة إلى الظافر فلم يبين من سيستوفى الحق من المظفور منه. هل هو صاحب الحق أو غيره.

    التعريف المختار:

    بعد هذا العرض لما ورد من تعريفات للظفر بالحق، وما يمكن أن يؤخذ عليها من اعتراضات، نذكر هنا التعريف الذي يمكن أن يكون أسلم وأصح وأوفق مع مبادئ التعريفات العلمية، ثم نتلوه بشرح له.

    ومن الشرح يظهر وجه اختياره.

    الظفر بالحق هو " أخذ صاحب الحق المالي حقه من ممتنعٍ بلا قضاء".

    شــرح التعريف:

    (أخـْذ) جنس في التعريف يشمل كل أنواع الأخذ سواء عن طريق الظفر أو بأي طريق أخر.

    (صاحب الحق) يخرج به من كان ليس له حق في الشيء المظفور به، فيصبح في هذه الحالة سارقاً، أو مغتصباً، أو مختلساً، أو غير ذلك بحسب صورته.

    (المالي) قيد يخرج به غيره من أنواع الحقوق التي لا يجوز استيفاؤها بطريق الظفر([82]).

    (حـقه) يخرج به ما إذا أخذ شيئاً ليس من حقه أصالة، أو ليس من حقه أخذه في هذا الوقت، لعدم حلول أجله، أو لإعسار من عليه الحق، أو غيرها من الأعذار.

    (من ممتنع) قيد في التعريف يبين مجال الظفر بالحق وهو أن يكون من عليه الحق ممتنعاً عن أدائه بعد وجوب الأداء بلا عذر يبيح الامتناع كإعسار وغيره، و إلا لم يكن ممتنعاً، فيخرج بهذا القيد كل باذل للحق وكل معذور شرعاً في عدم الأداء.

    (بلا قضاء) يخرج به حصول صاحب الحق على حقه من ممتنع عن طريق القضاء([83]).




    المطلب الثالث

    الألفاظ ذات الصلة بالظفر بالحق

    وفيه ثلاثة فروع:

    الفرع الأول: الاستيفاء.

    الفرع الثاني: القضاء.

    الفرع الثالث: الدعوى.

    هناك ألفاظ ومصطلحات يكثر استعمالها في موضوع الظفر بالحق، كالاستيفاء والقضاء، والدعوى، وفيما يلي بيان لكل منها:

    الفرع الأول

    الاستيفاء

    1. الاستيفاء في اللغة:

    الاستيفاء من وفى، وهي كلمة تدل على الإكمال والإتمام([84]).

    يقال (استوفيت الشيء) إذا أخذته كله حتى لم تترك منه شيئاً([85]).

    ويقال: ( وفى فلاناً حقه): أعطاه وافياً، كوفاه ووافاه فاستوفاه وتوفاه([86]).





    2. الاستيفاء في الاصطلاح:

    لا يخرج معنى كلمة الاستيفاء في الاصطلاح عن معناها اللغوي، فيقصد به الحصول على الشيء كله كاملاً تاماً غير منقوص.

    الفرع الثاني

    القضــاء

    الأصل في استيفاء الحقوق هو الرفع إلى القضاء، واللجوء إلى أخذ الحق بطريق الظفر أمر استثنائي من هذا الأصل، مما يبين العلاقة بين القضاء وبين الظفر بالحق، وبذلك تتضح أهمية معرفة معنى القضاء لغةً واصطلاحاً، والتي نبينها كالتالي:

    1. تعريف القضاء في اللغة:

    يأتي القضاء في اللغة على معان متعددة ومتقاربة، و (قضى) أصل صحيح يدل على إحكام الأمر و إتقانه ونفاذه لجهته، قال تعالى: ﴿فقضاهن سبع سماوات في يومين﴾ [فصِّلت:12] أي: أحكم خلقهن.

    ويأتي القضاء بمعنى الحكم والإلزام، قال تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه، وبالوالدين إحساناً﴾ [الإسراء:23] أي أمر وحكم.

    وقال تعالى: ﴿فاقض ما أنت قاض﴾ [طه:72] أي اصنع واحكم.

    ومن أجل هذا سميَّ القاضي قاضياً لأنه يحكم الأحكام وينفذها، فهو القاطع للأمور، المُحكم لها([87])، المُلزم بها.

    2. تعريف القضاء في الاصطلاح:

    تنوعت عبارات الفقهاء في مصنفاتهم في تعريف القضاء بناءً على تنوع الزاوية التي ينظرون منها، فمن نظر إلى القضاء على أنه صفة حكمية يتصف بها القاضي، تستلزم إمضاء حكمه، عرف القضاء على أنه صفة في القاضي، كما ورد في شرح حدود إبن عرفة([88]) في تعريفه بأنه: "صفة حكمية توجب لموصوفها نفوذ حكمه الشرعي، ولو بتعديل أو تجريح لا في عموم مصالح المسلمين"([89]). وأما من نظر إلى القضاء باعتباره فعلاً يقوم به القاضي فقد عرفه على أنه فعل القاضي، من فصل للخصومات وإلزام بها ، وقد ورد هذا المعنى في كافة المذاهب الفقهية السنية، وهو قريب من معناه اللغوي، فالقضاء في اللغة كما تقدم معناه: الحكم والإلزام، والقاضي هو الحاكم والملزم لما يحكم به. وفيما يلي أمثلة لتعريف القضاء انطلاقاً من هذا الاعتبار:

    1- (إنهاء الخصومات وقطع المنازعات على وجه الخصوص)([90]).

    2- (الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام)([91]).

    3- (إظهار حكم الشرع في الواقعة فيمن يجب عليه إمضاؤه فيه)([92]).

    4- (الإلزام بالحكم الشرعي وفصل الخصومات)([93]).

    وواضح مدى التقارب الشديد بين هذه التعريفات مما يبين أن الخلاف بينها يكاد يكون لفظياً فقط.

    وخلاصة القول في تعريف القضاء أن القضاء: هو ما توفر فيه الآتي:

    أ- بيان الحكم الشرعي في الوقائع المعروضة. ومعنى كونه حكماً شرعياً أن يكون مستمداً من نصوص الكتاب والسنة والأحكام الفقهية المستنبطة منهما. وإظهار هذا الحكم بالقول أو ما يقوم مقام القول. "وهكذا فإن القضاء الصحيح لا يبتني إلا على حكم مستخرج من الكتاب الكريم، أو مضت عليه السنة الشريفة، أو أجمع عليه علماء المسلمين، أو اقتضته روح الشريعة. وكل قضاء بني على ما يخالف ذلك فهو باطل عند الله وعند المؤمنين، وواجب على المؤمنين الحيلولة دون وقوعه وإزالة كل أثر له إن وقع"([94])، لأنه لا يعتبر قضاء من جهة الاصطلاح الشرعي، حتى ولو أطلق عليه أهله مصطلح القضاء.

    ب- الإلزام بهذا الحكم الشرعي: وهذا الإلزام مستمد من الولاية الشرعية للقاضي وهذه خاصية هامة تميز القضاء عن الإفتاء فكلاهما إخبار عن حكم الشارع في الوقائع المعروضة، إلا أن القضاء ينفرد بهذه الخاصية الهامة مع بعض الفوارق الأخرى سنذكرها بعد قليل إن شاء الله.

    التعريف المختار:

    وبناء على ما تقدم نختار هذا التعريف للقضاء:

    (فصل الخصومات بإظهار حكم الشارع فيها على سبيل الإلزام)([95]).

    الفرق بين القضاء والإفتاء:

    نظراً لأننا سنتعرض في ثنايا الرسالة للحديث عن بعض المسائل هل هي من قبيل الفتيا أم من قبيل القضاء، فإنه من المناسب هنا أن نبين الفرق بين القضاء والإفتاء.

    وقد تقدم تعريف القضاء آنفاً، وأما الإفتاء فهو- كما عرفه أهل العلم - (بيان الحكم الشرعي من غير إلزام به).

    فالقضاء والإفتاء يشتركان في بيان الحكم الشرعي، ألا أن القضاء يتميز في قيد الإلزام بالحكم، وليس للمتقاضين الخيار في ترك الحكم بل هم ملزمون بتنفيذه.

    لكن الإفتاء يخلو من هذا الإلزام وإنما يكتفي ببيان الحكم الشرعي فحسب([96]).

    من جهة أخرى فإن الحكم في القضاء حكم جزئي خاص لا يتعدى المحكوم له أو المحكوم عليه إلى غيره. لكن فتوى المفتي شريعة عامة تتعلق بالمستفتي وبغير المستفتي. فقضاء القاضي خاص ملزم وفتوى العالم عامة غير ملزمة، وكلاهما أجره عظيم وخطره كبير([97]).

    وكذلك فإن القاضي يعتمد في إصدار حكمه على حجاج الخصوم من بينة أو إقرار أو غيرهما من الأدلة ليكتشف منها ما ينبغي تكييفه واعتباره من الأوصاف وبالتالي تطبيق الحكم الشرعي عليه.

    أما المفتي فلا يحتاج إلى النظر في هذه الحجاج بل يكفيه أن يصور له المستفتي سؤاله فينزل عليه الحكم الشرعي.

    ويتبين من هذا أن القاضي ينبغي أن تتوفر فيه صفات ربما لا يلزم المفتي كثير منها، فلكي ينجح القاضي في إصابة الحق لابد له من فراسة عظيمة ويقظة وافرة، وقريحة باهرة، وخبرة واسعة، حيث يأتيه الخصوم وربما تعمدوا إخفاء الواقع وتمويه الحجج والجدال بالباطل.

    بينما يأتي المستفتي إلى المفتي بقلب أسلم ونية أصفى، وحرص أكثر على إصابة الحق.

    مما يبين أن طريق القاضي في اكتشاف ما ينبغي اعتباره من الأوصاف أصعب من طريق المفتي، ولذلك احتاج القاضي إلى تلك الصفات دون المفتي([98]).

    الفرع الثالث

    الدعوى

    تعريف (الدعوى) في اللغة: الدعوى في اللغة اسم من الادعاء، وهو المصدر، وتجمع على دعاوى، ودعاوي، بكسر الياء أو فتحها، فهي اسم لما يدَّعي([99]).

    ولها إطلاقات كثيرة في اللغة، يرجع معظمها إلى معنى واحد هو "الطلب"، قال تعالى: ﴿ولهم فيها ما يدَّعون﴾ [يس:57] أي ما يطلبون.

    وتستعمل الدعوى بمعنى الدعاء: ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم.... ﴾ [يونس:10]، وتأتي الدعوى بمعنى الزعم: ومنه (الادعاء)، (ومدعوا النبوة)، لكنها لا تطلق على القول المؤيد بالحجة والبرهان بل يصير حينئذ حقاً.

    وتستعمل الدعوى في أكثر استعمالاتها بمعنى: إضافة الإنسان إلى نفسه شيئاً سواء كان ملكاً أو استحقاقاً من غير تقييدها بحال المنازعة أو المسالمة([100]).

    وهذا قريب من تفسير بعضهم الدعوى بأنها (قول يقصد به صاحبه إيجاب حق له على غيره)([101]).

    تعريف الدعوى في الإصطلاح:

    الدعوى وسيلة أباحها الشارع لكل فرد لحماية حقه من العدوان، أو استرداده، وهي تصرف مباح لا يجب على الأفراد القيام به، أباحه الشرع للناس لحماية حقوقهم التي اعترف لهم بها حتى يكون لهذا الاعتراف معنى بحراسة الحق وتمكين صاحبه من الانتفاع به.

    فمشروعية الدعوى وإباحتها من جهة الشرع، و إضافة الحق العام للأفراد في التقاضي يضفيان هيبة لكل حق معترف به، فيفرض احترامه على جميع الناس، ومن ثم يسود الأمن والاستقرار.

    فالدعوى حسبما نظر إليها الفقهاء المسلمون([102]) تصرف من التصرفات القولية التي يعتبر لصحتها شروط معينة، فهي تصرف شرعي لكونه قد أباحه الشرع، وتصرف قولي لأنه يدور حول المطالبة والطلب، أو الأخبار والخبر أو الإضافة، وكلها تصرفات قولية، وهي بهذا قريبة من مدلول الدعوى اللغوي، فهي في اللغة طلب أيضاً. لكنها تميزت عن المفهوم اللغوي بما وضعه لها الفقهاء من قيود وشروط جعلتها قاصرة على نوع خاص من التصرفات القولية.

    وعلى هذا فإننا نختار هذا التعريف للدعوى:

    (قول مقبول في مجلس القضاء يطلب فيه صاحبه حقاً له أو لمن يمثله أو حمايته).

    فيخرج بتقييد القول بالقبول كل دعوى فاسدة لم تستكمل شروط صحتها.

    والحق هنا نقصد به معناه الجامع الواسع الذي يشمل الحق الوجودي والحق العدمي([103]). كما يدخل في هذا التعريف الدعاوي التي يرفعها من ينوب عن صاحب الحق من وكيل أو ولي و نحوهما، ويخرج من هذا التعريف دعوى الفضولي الذي لا يطالب لنفسه ولا يمثل غيره، كما يتميز هذا التعريف بأنه نص على تقييد الطلب بكونه في مجلس القضاء، وهذا هو الفرق الجوهري بين الدعوى بمعناها الاصطلاحي، والدعوى بمعناها اللغوي([104]).




    تابع>>>

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    7

    افتراضي رد: رسالة ماجستير فى >> الفقه الإسلامي عنوانها (الظفر بالحق )

    المبحث الثاني

    مدى اعتبار مسألة الظفر بالحق قاعدة فقهية





    الظفر بالحق ..مسألة فقهية فرعية (جزئية)

    أم قاعدة فقهية كلية؟




    تمهيد

    الظفر بالحق بين المسألة الفرعية و القاعدة الفقهية.

    اشتهرت هذه المسألة عند عامة أهل العلم باسم مسألة الظفر. فهل كانوا يعتبرونها مسألة كلية بمعنى أنها تجمع تحتها جزيئات وفروع مختلفة أم أنهم كانوا يعتبرونها مجرد مسألة فرعية؟

    وهل اعتبارها مجرد مسألة فرعية يمكن أن نسلم به؟ أم أنها حرية بأن تشكل قاعدة مستقلة تنطبق عليها شروط القاعدة الفقهية التي نص عليها أهل العلم ممن تناولوا موضوع القواعد الفقهية بالدراسة والتحقيق، رغم منازعة بعض الفقهاء في جزئيات منها كما سيأتي بيانه إن شاء الله.

    إن مزيداً من التأمل والتدقيق والتحقيق ليبرهن لنا بما لا يدع مجالاً للشك أن هذه القضية جديرة باعتبارها قاعدة فقهية مستقلة تتوفر فيها كل مقومات وشروط القاعدة الفقهية.

    ولكي نستطيع إثبات صحة ذلك لابد من الوقوف أولاً على تعريف القاعدة الفقهية، ومعرفة مكوناتها وأركانها وعناصرها وما تقوم به ماهيتها، ثم ننظر هل تنطبق تلك العناصر و المكونات على مسألة الظفر أم لا. لذلك سوف نقسم هذا المبحث حسب المطالب التالية:

    المطلب الأول: تعريف القواعد الفقهية.

    المطلب الثاني: أقسام القواعد الفقهية.

    المطلب الثالث: الضوابط الفقهية، مفهومها والعلاقة بينها وبين القواعد الفقهية.

    المطلب الرابع: عناصر القاعدة الفقهية وشروط تطبيقها.

    المطلب الخامس: مدى انطباق عناصر القاعدة الفقهية وشروطها على مسألة الظفر بالحق.

    المطلب السادس: الظفر بالحق قاعدة فقهية أم مبدأ فقهي؟




    و قبل أن نشرع في بيان التعريفات بدا لي أن أنبه على ثلاثة أمور:

    أولاً: أن غالب من كتب في علم القواعد الفقهية من الباحثين المعاصرين([105]) وفَّقهم الله وختم لهم بالخير استعرضوا أغلب التعريفات المأثورة للقاعدة، و بذلوا جهوداً مشكورة لإبراز معنى القواعد الفقهية، والخروج بتعريف جامع، مانع من دخول غيره فيه، خال من الإيرادات والانتقادات.

    إلا أن جمهرتهم استهلك جهده وأنزف رأيه، و أغاض نقله وبحثه، في التعريف بالقاعدة وتقسيماتها، والفرق بينها وبين الضابط. حتى أن بعض الدراسات المعاصرة تناولت مناقشة التعريفات لعلم القواعد الفقهية على نحو مبالغ فيه جداً حيث يصل إلى قرابة خمسين صفحة ثم لم يأت من وراء ذلك بطائل ولا جدوى. ولا معنى أبداً لأن نبدأ من حيث بدؤوا، أو أن نعيد ونكرر ما قالوه وقرروه. بل نبدأ من حيث انتهوا.

    لكن لا يفوتني الإشارة إلى أنني قد أفدت كثيراً من تلك الدراسات السابقة سواء منها المستقلة أو التابعة. واقتبست منها وعزوت إليها، معترفاً بالفضل لأهله مع إبراز ما عن لي من وجهة نظر قائمة على أسس علمية نصحاً للعلم وأهله.

    ثانياً: رغم أن العلماء المتقدمين قد أفاضوا في بحث جوانب مهمة من علم القواعد الفقهية، إلا أنه لم تزل ثمة مباحث ومواضيع ومواقع في هذا العلم رهينة البحث والدراسة، وبعضها بكر لم يُتناول بالدراسة والبحث، مما يستدعي من العلماء والباحثين لاسيما في هذا العصر جهوداً لا تقل أهمية عن جهود السابقين، الذين أقاموا عماد هذا العلم وأرسوا معالمه. والواجب أن تتكاتف الجهود وتتعاون المساعي لا يجاد صياغة منهجية لعلم القواعد الفقهية تكشف عن التصور الحقيقي والشامل لهذا العلم الشريف.

    ثالثاً: لقد باتت الحاجة ملحة إلى التشديد على ضرورة استثمار القواعد الفقهية في مجالات متعددة من الواقع المعاصر، بحيث يتم جمع ودراسة القواعد الفقهية ذات الصلة بالمجالات الآتية([106]):

    1. أثر القواعد الفقهية في واقع الدعوة الإسلامية.

    2. أثر القواعد الفقهية في فقه المعاملات المالية المعاصرة.

    3. أثر القواعد الفقهية في فقه المسائل الطبية.

    4. أثر القواعد الفقهية في فقه الدعاوى والقضاء.

    5. أثر القواعد الفقهية في فقه الإعلام المعاصر.

    6. بلْوَرة وتعميق البحث والدراسة للفقه الموضوعي، والذي اشتهر مؤخراً باسم "النظريات الفقهية". ولا ننكر أن هناك جهوداً مشكورة لأصحابها، إلا أن الأمر ما زال محتاجاً لمزيد من تضافر الجهود، ليظل هذا العلم مناراً واضحاً لخلود الشريعة وبقاء أحكامها، وتجديداً للفقه واستمراراً له في كل مكان وزمان. فما زالت القواعد الفقهية هي الوعاء الواسع الذي يهرع إليه الفقيه والمجتهد للنظر في أحكام ما يجد من حوادث ونوازل.

    7. فإن الطبيعة المتحركة والمتجددة لعلم القواعد الفقهية، والتي تلحظ من واقع ما صنف فيه على اختلاف الطرائق والمذاهب والأزمنة إلى يومنا هذا، لتشهد بثراء الشريعة الإسلامية، وإعجازها في استيعاب أوجه التطور والتجدد كافة. ليس على سبيل الفروع الفقهية الجزئية فحسب وإنما على صعيد القواعد والأحكام الفقهية العامة أيضاً.




    المطلب الأول

    تعريف القواعد الفقهية

    وفيه فرعان:

    الفرع الأول: تعريف القواعد الفقهية باعتبارها مركباً وصفياً

    الفرع الثاني: تعريف القواعد الفقهية باعتبارها علماً ولقباً على قواعد مخصوصة

    الفرع الأول

    تعريف القواعد الفقهية باعتبارها مركباً وصفياً.

    قبل أن نخوض في تعريف القواعد الفقهية باعتبارها علماً ولقباً تخص نوعاً معيناً من القواعد، نقف أولاً على معاني جُزْأَيها الذين تركبت منهما وهما (القواعد) و (الفقهية) لظهور معاني ما تركبت منه في معناها اللقبي.

    أولاً: تعريف القواعد.

    ‌أ- معناها في اللغة :

    القواعد لغة جمع قاعدة، مأخوذة من القعود الذي هو نقيض القيام.

    وتستعمل في اللغة استعمالات متعددة لكنها كلها تحوم حول معنى واحد هو: الأصل و الأساس. ومادة قعد (القاف والعين والدال) تفيد الاستقرار والثبوت ومنه قوله تعالى ﴿في مقعد صدق﴾ [القمر: 55] أي في مستقر صدق.

    ومن ضمن المعاني التي تستعمل فيها :

    1. القواعد بمعنى أساطين البناء وأسسه وأعمدته ومنه قوله تعالى: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل﴾ [البقرة: 127] ومنه قوله تعالى: ﴿فأتى الله بنيانهم من القواعد﴾ [النحل: 26] قال الزجاج([107]) : "القواعد أساطين البناء التي تعمده"([108])

    2. قواعد الهودج وهي خشبات أربع معترضة في أسفله تركب عليه عيدان الهودج.

    3. القواعد من النساء، وهي المرأة المسنة لكونها ذات قعود أو قعدت عن الأزواج أو عن الحيض والولد.

    وبوجه عام إذا أمعنا النظر في جملة هذه المعاني وجدناها ترجع كلها إلى معنى الأصل والأساس الذي يبتني عليه غيره فكما يبني الجدار على الأساس كذلك تبتنى الأحكام على القاعدة، فقواعد كل شي أسسه التي يبنى عليها سواء كان حسياً كقواعد البناء، أو معنوياً كقواعد الإسلام، وقواعد العلم وغير ذلك.

    ‌ب- تعريف القاعدة في الاصطلاح:

    القاعدة في الاصطلاح العام - فقهية وغير فقهية - هي كما عرفها الفيومي([109]) رحمه الله "الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئياته"([110]). وقريب من ذلك ما عرفها به ابن السبكي في الأشباه والنظائر([111]).

    وقريب منه ما عرفها به الإمام المحلى([112])- رحمه الله - "قضيه كلية يتعرف منها أحكام جزئياتها"([113]) .

    وبالتأمل في هذه التعاريف وفي نظائرها([114]) مما أعرضنا عنه - طلباً للاختصار من جهة ولتقاربها من جهة أخرى - ندرك أن المعنى الاصطلاحي العام للقاعدة يدور حول: اندراج مجموعة من الجزئيات المتجانسة أو المتشابهة في حكم ما، في أصل وأساس واحد يجمعها، يطلق عليه اسم الكلي أو الكلية.

    لكن ينبغي أن ننبه على أمر وهو أن كون هذا الكلي ينطبق على جميع الجزئيات إنما هو من باب التغليب فقط، وذلك أن أكثر القواعد يوجد بها مسائل مستثناة منها، فقد تشذ بعض الجزئيات كما يدرك ذلك من يطالع في كتب القواعد.

    من أجل هذا حاول بعض العلماء أن يأخذوا اتجاهاً آخر في تعريف القاعدة فعرفوها بأنها حكم أكثري أو قضية أغلبية كما عرفها به شهاب الدين الحموي- رحمه الله - بأنها "حكم أكثري ينطبق على أكثر جزئياته لتعرف أحكامها منه"([115]) وكذلك فعل الحموي أيضاً في حاشيته على الأشباه والنظائر لابن نجيم([116]) حينما ترك لفظة (كلِّي) واستخدم بدلاً عنها (أغلبي) واستغنى عن لفظة (جميع) بلفظة (معظم) فقال في تعريفه للقاعدة "هي حكم أغلبي ينطبق على معظم جزئياته لتعرف أحكامها منه"([117]).

    وفي رأيي والله أعلم بالصواب أن الاتجاه الأول الذي عرَّف القاعدة على أنها حكم كلي أو قضية كلية هو الأولى ،إذ إن تخلَّف بعض الفروع أو الجزئيات عن حكم القاعدة لا يقدح في كونها كلية ولا يؤثر على أصلها، لأن شأن القواعد أن تكون كلية، يوضِّح هذا الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ بقوله "لأن الأمر الكلي إذا ثبت كلياً فتخلف بعض الجزئيات عن مقتضى الكلي لا يخرجه عند كونه كلياً، وأيضاً فإن الغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار العام القطعي"([118]) يضاف إلى ذلك أن هؤلاء العلماء لم يكونوا يجهلون أن للقواعد استثناءات, حتى اشتهر عنهم قولهم "من القواعد عدم اطراد القواعد" من جهة أخرى فإن الجزء الخارج عن القاعدة بدليل قد يدخل تحت قاعدة أخرى أو لا يدخل لكن تظل القاعدة كلية بالنسبة لغير هذا الجزء الخارج عنها.

    لأن الفرع كما خرج بالدليل فإن هذا الدليل قد خص القاعدة بما وراء هذا الفرع وقد يكون تخلف هذه الجزئيات راجع إلى حِكَم خارجة عما يقتضيه الكلي فلا تكون داخله تحته أصلاً([119]).

    وخلاصة الأمر:

    أن القواعد بصفة عامة، والفقهية بصفة خاصة أغلبية، ولا أظن أن يكابر في ذلك أحد من العلماء و الباحثين فكلهم مسلِّم بأغلبيتها، وإطلاق "كلية" عليها من باب التسامح في العبارة فهي كلِّية نسبية لا شمولية لوجود الشذوذ في بعض جزئياتها، ومن المعلوم بداهة أن هذه الجزئيات المتخلفة لا ينتظم منها كلي يعارض هذا الكلي الثابت([120]). لذلك جاء في تهذيب الفروق – نقلاً عن العلامة الأمير([121])- ما نصه "ومعلوم أن أكثر قواعد الفقه أغلبية"([122]).

    فقوله (أكثر) يعني أن هناك قواعد يسيرة أقرب إلى صفه (الكلية) كالقواعد الأساسية الخمس الكبرى فالمستثنيات فيها قليلة جداً.

    فليس من اللازم أن نركز على صفة الأغلبية في التعريف، فان خروج بعض الفروعات أو الجزئيات لا يغير من صفة العموم للقواعد و لا يحط من قيمتها.

    و ما أجمل ما ذكره الحموي - رحمه الله - في قوله: "بأن القواعد الكلية: القواعد التي لم تدخل قاعدة منها تحت قاعدة أخرى، لا كلية بمعنى الصدق على جميع الأفراد بحيث لا يخرج فرد"([123]).

    ومعنى عدم دخول قاعدة منها تحت قاعدة أخرى مقصود به أن كل قاعدة هي بنفسها متوفر فيها صفة الكلية، غير مفتقرة إلى أخرى لتضفي عليها هذه الصفة. وليس كما فهمه الدكتور يعقوب باحسين أن مقصود الحموي هو نفي تفريع قواعد كلية على قاعدة كلية أخرى اعم منها، وبالتالي انتقد كلام الحموي ورده واستبعده بناء على هذا الفهم!.

    ثانيا: تعريف (الفقهية):

    الفقهية قيد في القواعد، لإخراج ما ليس منها، كقواعد النحو والهندسة والحساب و الفلسفة و أصول الفقه و غيرها.

    وكون القواعد فقهية فهذا راجع إلى نسبتها للفقه و الفقه في اللغة في أشهر معانيه الفهم و العلم و الفطنة([124]).

    أما في الاصطلاح فقد وردت فيه تعريفات كثيرة، ولعل أشهرها الذي شاع عنها أنه "العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية."([125]).

    وزاد ابن خلدون([126]) هذا المعنى توضيحاً فقال: "معرفة أحكام الله في أفعال المكفلين بالوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة، وهي متلقاة من الكتاب والسنة، وما نصبه الشارع لمعرفتها من الأدلة، فإذا استخرجت تلك الأحكام من الأدلة قيل لها فقه"([127]).

    الفرع الثاني

    تعريف القواعد الفقهية باعتبارها علماً ولقباً على قواعد مخصوصة.

    أشرنا من قبل أن جملة ممن تعرضوا للبحث والدراسة في علم القواعد الفقهية قد استعرضوا أغلب التعريفات التي ذكرها أهل العلم في مصنفاتهم، وقد حاولوا تلافي الانتقادات الموجهة لهذه التعريفات بذكر تعريف جامع لحدود القاعدة، مانع من دخول غيرها فيها، بحسب ما يعتقدون أنه أجمع وأشمل وأمنع بعد تعليق ونقد.

    والحق أنه ما من تعريف إلا ويرد عليه النقص والنقض من وجه، قال الشاطبي - رحمه الله تعالى: "فظهر أن الحدود على ما شرطه أرباب الحدود يتعذر الإتيان بها، ومثل هذا لا يجعل من العلوم الشرعية التي يستعان بها فيها، وهذا المعنى تقرر، وهو أن ماهيات الأشياء لا يعرفها على الحقيقة إلا باريها، فتسور الإنسان على معرفتها رمى في عماية"([128])، والتزاماً منا بما تعاهدنا عليه من أن نبدأ من حيث انتهى القوم نقرر أولاً عدة ملاحظات، ثم نبين التعريف الذي نرتضيه للقواعد الفقهية حسب المعايير العلمية.

    1) إن تعريف العلماء المتقدمين للقاعدة الفقهية متأثر إلى حد بعيد بتعريفات أهل المنطق للقاعدة([129]) بأنها (قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها) وما زاده المعاصرون على تعريفات المتقدمين إنما هو محاولة لاستكمال النقص الذي فات المتقدمين استكماله).

    2) نقرر أن تعريف القواعد الفقهية ينبغي ألا ينظر فيه إلى الجانب النظري فقط بل لابد من مراعاة واقع القواعد الفقهية المنقولة إلينا في كتب التراث، فإذا ذكرنا أن القاعدة بمعناها العام قضية كلية فلكي نحصرها في مجال معين لابد أن نقيدها به فنقول قضية كلية نحوية، أو قضية كلية رياضية، أو قضية كلية فقهية وهكذا. وأول من حاول إدخال قيد الفقه في تعريف القاعدة الفقهية - من المتقدمين حسب ما وقفت عليه هو - الإمام المقرّي([130]) – رحمه الله تعالى - مع ما يكتنف تعريفه من الإبهام والغموض، حيث قال في قواعده (ونعني بالقاعدة): "كل كلي هو أخص من الأصول وسائر المعاني العقلية العامة، وأعم من العقود، وجملة الضوابط الفقهية الخاصة"([131]). وأما من المعاصرين فقد سبق إلى ذلك الدكتور محمد عبد الغفار الشريف في مقدمة تحقيقه لكتاب (المجموع المذهب) فعرف القاعدة الفقهية بأنها: "قضية شرعية عملية كلية يتعرف منها أحكام جزئياتها"([132]) وهذا التعريف يتميز عن غيره بذكره لقيد (شرعية عملية) فهو بإضافته لهذا القيد الهام حصرها في ميدان الفقه، إذ إن الفقه هو الأحكام الشرعية في اصطلاح العلماء([133]) إلا أن تعريفه هو الآخر لم يسلم من الإيرادات فهو كأكثر التعريفات التي سبقته في التعريف ما ليس من حقيقة القاعدة بل هو من ثمراتها وهو قوله: (يُتعرف منها أحكام جزئياتها).

    وقد تابع الدكتور الشريف في استحسان هذا القيد واستجواده الدكتور باحسين([134]) وحاول أن يختار تعريفاً خالياً من الإيرادات والانتقادات مصيباً للهدف في تعريف القاعدة وافياً بالمرام فعرفها بأنها "قضية شرعية عملية، جزئياتها قضايا كلية شرعية عملية أو قضية فقهية كلية، جزئياتها قضايا فقهية كلية"([135]).

    ولنا عدة ملاحظات على اختيار الدكتور يعقوب باحسين:

    1. يمكننا أن نتساءل: لماذا لم يستقر على تعريف صيغة واحدة ولتكن الأخيرة مثلاً، طالما قد أقرَّ هو قبل ذلك بعدة أسطر أن الفقه هو الأحكام الشرعية العملية، لاسيما والأصل في التعريف الإيجاز والاختصار، ومن جهة أخرى لم يراع الترتيب في ألفاظ كلا الصيغتين بل خالف بينهما فذكر مرة (كلية) قبل (شرعية عملية)، وتارة أخرى ذكر (فقهية) قبل (كلية)([136]) وفي رأيي: أن الترتيب الأول أوفق – مع مراعاة الملحوظة السابقة - إذ قد تبين لنا من قبل في تعريف القاعدة على وجه العموم أنها (قضية كلية) فإذا أردنا حصرها بعد ذلك قيدناها بقولنا (فقهية) أو (شرعية عملية) ليخرج غيرها من القواعد، فوصف القضية بالكلية يأتي أولاً قبل تقييدها بأنها فقهية كما يأتي ذكر (القاعدة) قبل (الفقهية) في المسمى اللقبي وهذا مما فات الدكتور الباحسين أن ينتبه له. ومما يؤيد ما ذهبت إليه أن بعض الباحثين نقل تعريف الدكتور باحسين مختاراً له مع تعريف آخر إلا أنه تصرف في تعريف الباحسين بإعادة ترتيبه على النحو الذي نبهنا عليه، مشيراً في الهامش إلى أنه نقل التعريف بتصرف يسير([137]).

    2. مما يميز تعريف الدكتور الباحسين على غيره أنه حرص أن لا يدخل في التعريف ما ليس من حقيقة القاعدة الفقهية كأن يكون من ثمراتها، أو أن يكون فيها تكرار لا مبرر له، أو يوجد في التعريف لفظة يغني غيرها عنها. فجاء تعريفه مانعاً بحق من هذه الجهة. إلا أنه فاته أن يضيف للتعريف ما يميزه عن الضابط الفقهي فلم يأت التعريف مانعاً([138]) من دخول الضابط الفقهي فيه. وإن يكن تعريفه للقاعدة الفقهية من أجود ما وقفت عليه بل يكاد يكون أقرب التعريفات إلى المقصود، إذا أضيف إليه القيد المشار إليه.

    التعريف المختار:

    بعد هذا العرض وهذه الملاحظات يمكن تعريف القاعدة الفقهية بأنها: (قضية كلية فقهية، جزئياتها قضايا كلية فقهية، من أبواب متعددة).

    شرح التعريف:

    (قضية): على وزن فعيلة بمعنى مفعولة سميت بذلك لاشتمالها على الحكم الذي يُسمى قضاءً وفي اصطلاح المناطقة (قول يحتمل الصدق والكذب لذاته)([139]) وسميت بذلك لاشتمالها على الحكم المسمى قضاءً، والحكم هو معظم القضية وأهم أجزائها لأنه مناط التصديق والتكذيب، إلا أن التعبير بالقضية أتم وأشمل، لتناولها جميع الأركان على وجه الحقيقة من أجل هذا آثرنا استعمال (قضية) على (حكم).

    (كلية): بمعنى أن تكون القاعدة شاملة لجميع أفرادها الذين ينطبق عليهم معناها، ولا يضر شذوذ بعض الجزئيات كما سبق بيانه.

    (فقهية): نسبة إلى الفقه، وهو قيد في التعريف يخرج به القواعد الأخرى سواء الشرعية غير العملية كقواعد العقيدة، أو القواعد من الفنون الأخرى كقواعد النحو أو الهندسة وغيرها.

    (جزئياتها): جمع جزئية، منسوب إلى الجزء، والجزء من الشيء: الطائفة منه، والمراد هنا جزئيات موضوع القاعدة، وهو قيد يبين مجال عمل القاعدة، بمعنى أن تكون القاعدة حكماً كلياً لكثير من الفروع والجزئيات المندرجة ضمن معنى القاعدة وحكمها العام، فيخرج بذلك القضايا الفقهية الفرعية التي هي جزئياتها الأحكام الفقهية([140]).

    (من أبواب متعددة) أبواب جمع باب، قال الحطاب([141]): "الباب في اصطلاح العلماء: اسم لطائفة من المسائل، مشتركة في حكم، وقد يعبر عنه بالكتاب أو الفصل"([142]) وقد يعبر عن طائفة المسائل هذه بالموضوع الواحد.

    وأبواب متعددة: قيد في التعريف ليخرج به الضابط الذي يشمل فروعاً ومسائل من باب واحد([143]).

    وأختم هنا بعبارة الدكتور الباحسين بعدما اقترح تعريفاً لعلم القواعد الفقهية حيث قال: "ومهما يكن من أمر فهذا اقتراح تعريف، يقبل المناقشة والتعديل، ومن دواعي سرور الباحث أن يجد تعديلات مفيدة، تحقق أهداف الباحثين".



    تعريف علم القواعد الفقهية

    اقترح الدكتور يعقوب الباحسين تعريفاً لهذا العلم، نظراً لأنه لم يؤثر عن الأئمة المتقدمين ما يُعرَف به هذا العلم الشريف فعرفه بأنه: "هو العلم الذي يُبحث فيه عن القضايا الفقهية الكلية، التي جزئياتها قضايا فقهية كلية من حيث معناها وما له صلة به، ومن حيث بيان أركانها وشروطها، ومصدرها، وحجيتها ونشأتها، وتطورها وما تنطبق عليه من الجزئيات، وما يستثنى منها"([144])

    ولا يخفى ما في هذا التعريف من الطول والتفصيلات التي يمكن أن تنوب عنها كلمة أو كلمتين، لذلك رأى بعض الباحثين اختصار هذا التعريف وجعله مفهوماً مقارباً، وليس حداً منطقياً، ليتفق مع مناهج المعرفين فعرفه بأنه: "العلم بالقضايا الفقهية الكلية، من حيث ماهيتها ومقومتها، ومدى انطباقها على جزئياتها وما يستثنى منها"([145]) وهو تعريف جيد على أن تقدم (الكلية) على الفقهية لما أشرنا إليه من قبل.




    المطلب الثاني

    أقسام القواعد الفقهية([146])

    القواعد الفقهية، كما قال القرافي - رحمه الله - (كثيرة العدد عظيمة المدد) وتختلف أنواع القواعد الفقهية تبعاً للحيثية التي ينظر منها إليها فالقواعد الفقهية ليست نوعاً واحداً ولا كلها في مرتبة واحدة وإنما هي أنواع ومراتب مقسمة باعتبارات مختلفة وفيما يلي بيان لتلك الأنواع والتقاسيم.

    أولا: أنواع القواعد باعتبار الشمول والاتساع.

    ويمكن تقسيمها إلى ثلاث مراتب:

    1. القواعد الكلية الكبرى الشاملة.

    وتحوي كل قاعدة ترجع إليها مسائل كثيرة من جميع أبواب الفقه. كالقواعد الخمس التي ذكرها جمع من العلماء كالسيوطي([147]) وابن نجيم وغيرهما وهي:

    ‌أ. الأمور بمقاصدها.

    ‌ب. اليقين لا يزول بالشك.

    ‌ج. المشقة تجلب التيسير.

    ‌د. الضرر يزال.

    ‌ه. العادة محكمة.

    2. القواعد الأقل شمولاً، فهي تشتمل على مسائل كثيرة إلا أنها أقل من سابقتها، وسمَّاها الطوفي بالصغرى، وقد أطلق عليها السيوطي وابن نجيم رحمهما الله – قول "قواعد كلية يتخرج عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية".

    ذكر منها السيوطي - رحمه الله - أربعين قاعدة([148]) وذكر منها ابن نجيم – رحمه الله – تسعة عشر قاعدة منها:

    "التابع تابع"، و "الإيثار في القرب مكروه، وفي غيرها محبوب" و "الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد" و "إذا اجتمع الحلال و الحرام غلب الحرام" و "إعمال الكلام أولى من إهماله"، "تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة".

    3. القواعد التي تمتد على أبواب معينة فقط، وهي قواعد خاصة بباب فقهي، أو قاعدة كبرى، فهي التي ترجع إليها مسائل محدودة وقد تكون مسائل كثيرة لكنها من باب واحد، وقد يطلق عليها: "القواعد الخاصة"([149]) وهي بمعنى الضابط، وفق وجهة من يرى أنه مختص بباب واحد([150]). ومن أمثلتها: "أكل ميتة نجسة إلا السمك والجراد"([151]) و "الأصل في الأموال العصمة"([152]) و"كل مكروه في الصلاة يسقط فضيلتها"([153]).

    ثانياً: باعتبار دليلها وأصلها الشرعي الذي ترجع إليه:

    وتنقسم بهذا الاعتبار إلى قسمين:

    1. القواعد الفقهية المنصوصة، وهي التي ورد بشأنها نص شرعي من الكتاب أو السنة مثل قاعدة "الخراج بالضمان" فإنها نص حديث النبي (j)([154]).

    2. القواعد الفقهية المستنبطة، وهي القواعد التي خرجها الفقهاء من تتبع الفروع الفقهية، واستقراء الأحكام الجزئية في مواردها المختلفة. مثال ذلك قاعدة: "ما غيَّر الفرض في أوله غيَّره في آخرهِ"([155]) وهذه القاعدة معتبرة عند أبي حنيفة([156]) – رحمه الله- خلافاً للصاحبين([157]). ومن التطبيقات على هذه القاعدة: أن المتيمم إذا أبصر الماء في آخر صلاته بعدما قعد قدر التشهد قبل أن يسلم تفسد صلاته عند أبي حنيفة بناءً على هذا الأصل المذكور، أما عند صاحبيه فلا تفسد لأن هذا الأصل غير معتبر عندهم. وقد استنبط هذه القاعدة الإمام الكرخي([158]) من المسائل الاثني عشرية للإمام أبي حنيفة.

    ثالثاً: باعتبار الاستقلال والتبعية:

    ويمكن تقسيمها بهذا الاعتبار إلى قسمين اثنين:

    الأول: القواعد الفقهية المستقلة الأصلية: وهي القواعد التي لم تكن شرطاً أو قيداً أو ضابطاً لقاعدة أخرى، ولم تتفرع عن غيرها ولا تكون تابعة لقاعدة أخرى.

    ويُمثل لها بالقواعد الخمس الكبرى، وبعض القواعد الأربعين التي سبق الإشارة إليها عن الإمام السيوطي في الأشباه والنظائر.

    الثاني: القواعد الفقهية التابعة: وهي القواعد التي تخدم غيرها من القواعد، وليس المقصود بأنها تابعة عدم استقلالها في المعنى، وإنما المقصود أنها قواعد تخدم غيرها من القواعد وتقع تبعيتها من جهتين:

    الجهة الأولى: أن تكون متفرعة عن قاعدة أكبر منها، فتمثل جانباًً منها أو تطبيقاً لها في مجال معين، مثال ذلك: "العبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ والمباني" فهي تمثل جانب المعاملات في قاعدة "الأمور بمقاصدها"، وكذلك هذه القواعد الثلاث:

    ‌أ. "الأصل بقاء ما كان على ما كان".

    ‌ب. "الأصل براءة الذمة".

    ‌ج. "من شك في شيء هل فعله أو لا؟ فالأصل أنه لم يفعله" ذكر السيوطي أنها مندرجة في قاعدة: "اليقين لا يزول بالشك"([159]).

    الجهة الثانية: أن تكون قيداً أو شرطاً في غيرها: مثال ذلك قاعدة: "الضرر لا يزال بالضرر"([160]) فأنها تعد قيداً لقاعدة "الضرر يزال".

    رابعاً: باعتبار اتفاق العلماء عليها وعدمه:

    وهي بهذا الاعتبار قسمان :

    القسم الأول:قواعد متفق عليها وهي نوعان :

    1. قواعد فقهية متفق عليها بين جميع المذاهب الفقهية كالقواعد الخمس الكبرى والتي قيل أن الفقه مبنيٌ عليها.

    2. قواعد متفق عليها في المذهب الواحد أو بين أكثر المذاهب الفقهية كالقواعد التسع عشر التي ذكرها ابن نجيم واختارها من بين أربعين قاعدة عند السيوطي، وقد أشرنا إليها من قبل. ومن أمثلتها: "الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد" و "التابع تابع"([161]).

    القسم الثاني :القواعد الفقهية المختلف فيها وهي نوعان :

    1. قواعد فقهية مختلف فيها بين المذاهب الفقهية: وهي القواعد المتبقية من القواعد الأربعين التي ذكرها السيوطي بعد أن أخرج ابن نجيم التسع عشرة قاعدة منها فهي قواعد متفق عليها في المذهب الشافعي لكنها مختلف فيها بين الشافعية والحنفية. مثال قاعدة: "ما حرم استعماله حرم اتخاذه"([162]).

    2. القواعد الفقهية المختلف فيها بين علماء المذهب الواحد وترد في الغالب بصيغة الاستفهام وبديهي أن ينتج عن الخلاف في اعتبارها اختلاف في فروعها وما يبنى عليها.

    ومن أمثلتها عند المالكية: "العصيان هل ينافي الترخيص أم لا"([163]).

    ومن أمثلتها عند الشافعية: "هل العبرة بصيغ العقود أو بمعانيها"([164]).




    المطلب الثالث

    الضوابط الفقهية، مفهومها، والعلاقة بينها وبين القواعد الفقهية

    وينقسم إلى فرعين:

    الفرع الأول: مفهوم الضوابط الفقهية

    أولاً: مفهوم الضابط لغة.

    ثانياً: مفهوم الضابط اصطلاحاً.

    الفرع الثاني: العلاقة بين الضوابط الفقهية والقواعد الفقهية.

    الفرع الأول

    مفهوم الضوابط الفقهية

    أولاً: الضوابط في اللغة :

    الضوابط جمع ضابط وهو في اللغة: اسم فاعل من الضبط، وهو لزوم الشيء وحبسه.

    وضبط الشيء: إذا حفظه بجزم، والرجل الضابط: أي الحازم ويأتي الضبط أيضاً بمعنى "إحكام الشيء وإتقانه" وله معان أخرى لكنها لا تخرج عن معنى الحصر والحبس والقوة([165]).



    ثانيا: معنى الضابط في الاصطلاح الفقهي

    للعلماء في بيان معنى الضابط ومفهومه اتجاهان اثنان:

    الأول: أن الضابط مرادف للقاعدة، دون فرق بينهما، فمعناه معناها. وعليه من الأئمة: الكمال بن الهمام([166]) ([167])، والفيومي([168])، والمنجور([169]) ([170])، وأخذ بذلك المعجم الوسيط ([171]) وغيره([172]). ولعل السبب في ذلك راجع إلى أنهم وجدوا أن كلاهما قضية كلية فقهية، و أن كل منهما ينطبق على عدد من الفروع الفقهية.

    الثاني: التفريق بين الضابط والقاعدة، وعليه جمهرة علماء هذا الفن

    منهم الأئمة: المقّري([173])، التاج السبكي([174]) ([175])، والزركشي([176]) ([177])، والسيوطي([178])، وابن نجيم([179]) وغيرهم كثير وسار عليه جملة من الباحثين المعاصرين([180]).

    ولعل السبب في التفريق بين مصطلحي القاعدة والضابط عند المتأخرين هو استقرار العلم ووضوح مصطلحاته، وبلوغه مرحلة النضج والاستقرار.

    وأبرز وجوه هذا التفريق هو: أن الفروع التي يجمعها وينظمها الضابط تكون من باب واحد.

    أما القاعدة فكما تقدم في تعريفها المختار، أنها تكون من أبواب متعددة. وهناك وجوه أخرى للتفريق بين المصطلحين سنعرض لها بعد قليل، ولكن قبل ذلك نستعرض جملة مما عُرِِّف به الضابط بناءاً على هذا الاتجاه ثم نعلق على ما يستحق التعليق.

    1) تعريف الإمام تاج الدين ابن السبكي (ت 771 هـ)، حيث نص على أن: "الغالب فيما اختص بباب و قصد به نظم صور متشابهة، أن يسمى ضابطاً"([181]).

    2) من المعاصرين تعريف الدكتور يعقوب الباحسين: "ما انتظم صوراً متشابهة في موضوع واحد، غير ملتفت فيها إلى معنى جامع مؤثر"([182]).

    3) وهناك من عرفه بأنه: "قضية كلية فقهية، منطبقة على فروع من باب واحد"([183]).

    ورغم وضوح هذه التعريفات إلا أننا نشير إلى عدة ملاحظات:

    1. أما التعريف الأول وهو تعريف الإمام ابن السبكي فقد كان دقيقاً جداً في استعماله لكلمة (الغالب)، لما أشرنا إليه عند كلامنا عن الاتجاه الأول في تعريف الضابط، وبناءً عليه فإن التعريف الذي يخلو من هذا القيد لا يمثل كل الإطلاقات التي وردت عن الفقهاء في تعريف الضابط. فإنهم يطلقونه على التعريف، وعلى تقاسيم الشيء وأنواعه وأقسامه، بل وعلى أحكام فرعية جزئية لا تمثل ضابطاً أصلاً.

    2. بناءاً على الملاحظة السابقة رأى الدكتور الباحسين تفسير الضابط بمعنى أوسع، بدلاً من قصره على أنه قضية كلية، اجتناباً للتكلف واللجوء إلى تأويل ما ورد مخالفاً لذلك من تعريفات العلماء. إلا أننا إذا اتفقنا معه على هذا الأمر، فلا بد من التنبيه على أهمية الاقتصاد في هذا التوسع، حتى لا يقع التداخل بين مفاهيم المصطلحات وبالتالي يعسر ضبطها فيحصل الخلل في العلوم وتهدم الفروق الواضحة التي تميزها. وقد أشرنا آنفاً إلى أن هناك من إطلاقات العلماء على الضابط ما هو من قبيل المسائل الفرعية الجزئية التي لا تصلح أن تمثل ضابطاً بأي حال من الأحوال من أجل ذلك قال الإمام ابن السبكي (ت 771هـ) في شأن هذه التوسعات "وعندي أن إدخالها في القواعد خروج عن التحقيق، ولو فتح الكاتب بابها، لاستوعب الفقه وكرره، وردده، وجاء به على غير الغالب المعهود، والترتيب المقصود، فحير الأذهان وخبط الأفكار"([184]).

    وعليه فإذا وقع ترخص وتساهل من بعض العلماء في هذه الاستعمالات فلا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا أن لكل من الحدود والتعريفات والتقاسيم والمقاييس والعلامات ونحوها مفاهيم معينة محددة لها وشروطاً تختصها، وتمنع دخول غيرها فيها.

    3. يلاحظ على تعريف د.الباحسين أنه تأثَّر بتعريف ابن السبكي – كما أشار هو نفسه - مع حمل الضابط على معناه اللغوي الدال على الحصر والحبس وهذا أمر جيد لما أشار إليه – فضيلته حفظه الله - إلا أنه فاته أن التعريفين الذَين ذكرهما([185]). يلاحظ عليهما العموم، فهما عامان غير مختصان بالضوابط الفقهية، وكان الأولى إضافة قيد يخص التعريف بالضوابط الفقهية فيقال مثلاً "ما انتظم صوراً متشابهة في موضوع فقهي واحد، غير ملتفت فيها إلى معنى جامع مؤثر"([186]).

    4. أما التعريف الثالث وهو ما نقله الدكتور عادل قوته عن الأستاذ محمد الصواط فإنه قد خلا من قيد (الغالب) وبالتالي تصدق عليه الملاحظة الأولى وهي أنه لا يمثل كل الإطلاقات التي وردت عن العلماء وإن كان هو الأغلب في استعمالاتهم. فقد قصر الضابط على أنه قضية كليَّة تنطبق على جزئياتها، التي هي من باب واحد.

    الخلاصة: يمكن تلخيص واستنتاج بعض النتائج بناءً على التأمُّل في كلام الفقهاء الوارد في تعريف الضوابط كالتالي:

    أولاً: أن مفهوم الضابط قد تطور تطوراً ملحوظاً، وهذا مسلَّمٌ به فإن المصطلحات العلمية لا تستقر على نمط معين إلا بكثرة استعمالها في المواضع المختلفة وترددها على الألسنة، وربما يكون الاصطلاح عاماً في زمن ثم يتطور إلى أخص مما كان عليه من قبل.

    ثانياً: أن مجال الضابط الفقهي أضيق من مجال القاعدة الفقهية([187])، إذ أن نطاق الضابط لا يتخطى الموضوع الفقهي الواحد الذي يرجع إليه بعض مسائله. والقواعد أعم وأشمل من الضوابط من حيث جمع الفروع وشمول المعاني.

    ثالثاً: أن التمييز بين القواعد والضوابط، وإبراز الفروق بينهما بصورة جليَّة واضحة سار عليه أكثر الفقهاء المتأخِّرين نظراً لاستقرار العلم ووضوح مصطلحاته وبلوغه مرحلة النضج والاستقرار، حتى صارت كلمة (الضابط) اصطلاحاً شائعاً متداولاً لدى الفقهاء والباحثين، في الفقه الإسلامي فهم يفرقون الآن بين المصطلحين مع الوضع في الاعتبار اتِّساع مجال القاعدة لتشمل أبواباً كثيرة وقصر الضابط على باب واحد.

    الفرع الثاني

    العلاقة بين القواعد الكلية والضوابط الفقهية.

    من خلال ما سبق يتبين لنا أن القواعد والضوابط الفقهية بينهما أوجه اتفاق وأوجه افتراق.

    أما أبرز ما يشتركان فيه:

    (1) كل منهما قضية كلية فقهية.

    (2) كل منهما ينطبق على عدد من الفروع الفقهية.

    ولعل هذا هو السبب في أن كثيراً من الفقهاء لا يفرقون بين المصطلحين في الاستخدام فيطلقون القاعدة على الضابط، والضابط على القاعدة كما سبق ذكره.

    وأما أبرز وجوه التفريق بين القواعد والضوابط الفقهية فإن هناك وجوه كثيرة للتفريق بينهما منها:

    (1) ما سبقت الإشارة إليه وهو أن القاعدة الفقهية لا تقتصر على باب واحد بينما يختص الضابط الفقهي بباب من أبواب الفقه.

    (2) القاعدة الفقهية تقتصر على القضية الكلية فقط فلا تتعداها لغيرها أما الضابط الفقهي فإنه يشمل بالإضافة لذلك التعاريف، والتقاسيم، وعلامة الشيء المميزة له، والشروط والأسباب.

    (3) القواعد قابلة للاستثناء، نظراً لأن القاعدة الفقهية تشمل أبواباً كثيرة فإنها تكثر فيها مساحة الإستثناءات الواردة على القاعدة، بخلاف الضابط فإن مساحة الاستثناءات الواردة عليه نادرةٌ جداً وربما معدومة لأنها تضبط موضوعاً واحداً، فلا يُتسامح فيها بوجود ما يخرم هذا الضابط، و إلا فكيف يُعد ضابطاً؟




    المطلب الرابع

    عناصر القاعدة الفقهية، وشروط تطبيقها

    الفرع الأول: عناصر القاعدة الفقهية([188])

    من خلال التعريفات السابقة للقاعدة الفقهية في إطارها الاصطلاحي يمكننا أن نحدد عناصرها ومقوماتها العلمية الأساسية التي تتكون منها حقيقتها وتكتسب منها ماهيتها.

    وإذا كانت القاعدة حكماً كلياً فإن إيجاد هذا الحكم الكلِّي واستنباطه من مصادره عمل علمي فقهي يتطلب من الفقيه أن يكون خبيراً بأساليب ومناهج تركيب القاعدة وصياغتها، مدركاً لحقيقة القاعدة وضوابطها، وعناصر تكونها وطرق إيجادها، فضلاً عن أن يكون عالماً بفقه الفروع، حاذقاً لمنهج الاستنباط وطرق استخراج الأحكام الشرعية من مصادرها، واستنباط هذا الحكم الكلي من مصادره هو ما يطلق عليه (التقعيد الفقهي). فالقاعدة هي الحكم الكلي، والتقعيد هو إيجادها واستنباطها من مصادرها، وصياغتها في صورة كلية تضبط جملة من الفروع والذي يعنينا هنا هو معرفة الضوابط الذاتية والعناصر والمقومات العلمية الأساسية التي يجب أن يراعيها الفقيه وهو يصوغ القاعدة الفقهية، حتى ينتهي بعد الصياغة إلى شيء يستحق أن يسمى قاعدة وفق معايير البحث العلمي الفقهي. وبناءاً على ما تقدم يمكننا تحديد العناصر والأركان التي تقوم عليها القاعدة الفقهية كالتالي:

    سبق لنا أن عرفنا أن القاعدة الفقهية - كغيرها من القواعد - قضية كلية، ويلزم من هذا أن تكون أركانها هي أركان القضية الكلية. وأركان القضية عند المناطق هي:

    1- الموضوع، أو المحكوم عليه.

    2- المحمول، أو المحكوم به على الموضوع.

    3- الحكم، أو الرابطة بين الموضوع والمحمول.

    وباستثناء الركن الثالث([189]) يمكننا أن نقرر إن القاعدة تقوم على ركنين أساسيين هما الموضوع أو (المحكوم عليه) والمحمول أي المحكوم به ويمكن أن نطلق عليه الحكم.

    أما الركن الأول: الموضوع أو (المحكوم عليه) فهو الذي يحمل عليه الحكم وقد علل بعضهم تسميتة موضوعاً لأنه وضع ليحمل عليه الثاني أو ليحكم عليه بشيء.

    فعلى سبيل المثال: قاعدة (المشقة تجلب التيسير) موضوعها المشقة، وقاعدة (الضرر يزال) موضوعها الضرر، وقاعدة (اليقين لا يزول بالشك) موضوعها اليقين.

    وهكذا في باقي القواعد.

    ويشترط لموضوع القاعدة: العموم والاستيعاب والشمول من جهة، والتجريد من جهة أخرى. ونحاول أن نفصل هذه الشروط بعض الشيء كالتالي:

    الشرط الأول: العموم والاستيعاب والشمول والمقصود من ذلك ضرورة أن يكون موضوع القضية شاملاً جميع أفراده الذين ينطبق عليهم معناه وشروطه مع الوضع في الاعتبار ما قررناه من قبل أنه لا يضر شذوذ بعض الجزئيات وقد سبق بيانه مفصلا.

    فلا بد من اشتمال القاعدة على حكم ينطبق على الكثير من الفروع والجزئيات من أبواب متعددة بحيث يكون لهذا الحكم من قوة الاستيعاب والعموم والشمول وشدة السريان ما يجمع به فروعاً كثيرة ليست فقط من باب واحد و إنما من جملة أبواب متعددة.

    وهذا ما ورد في عبارات العلماء بألفاظ (الانطباق) و(الاندراج) و(الاشتمال) و(قوة السريان).

    وهذا مقتضى كون القاعدة قضية كلية محكوم فيها جميع أفراد موضوعها وقد أشار أبو البقاء الكفوي([190]) إلى ذلك في تعريفه فقال: "قضية كلية من حيث اشتمالها بالقوة على أحكام جزئيات موضوعها"([191]).

    يعنى قوة الاستيعاب والشمول جزئيات. الشرط الثاني: التجريد: وهو في اللغة بمعنى التعرية يقال جرده من الثياب أي عراه منها وجريد النخل: السعف يعرى من الخوص، وجرد الجلد بمعنى نزع الشعر عنه([192]). أما المقصود به فيما يتعلق بموضوع القاعدة أن تكون القاعدة غير مرتبطة بأعيان الأشخاص أو الوقائع بل لما قام بهم من معان، أي تكون القاعدة مشتملة على حكم يتعلق بأفعال الأشخاص بصفاتهم لا بأعيانهم فلا تتناول واقعة بعينها ولا شخصاً بذاته بل لمعنى قائم بالشخص أو بالواقعة.

    فإذا أقام نفس المعنى بشخص أخر أو بواقعة أخرى انطبقت عليه نفس القاعدة، لأن تشخيص الموضوع لا يتفق مع ما ذكره العلماء عن معنى القاعدة وكلية موضوعها.

    فلا بد أن يكون الحكم الذي تقوم على أساسه القاعدة موضوعياً جامعاً مستوعباً، صالحاً للانطباق على أو أغلب الجزئيات المعلولة بعلته، من غير أن يكون خاصاً بجزئية معينة دون جزئية أخرى من هذه الجزئيات لأنه إذا كان خاصاً بعين الجزئية لا بموضوعها وعلَّتها لم تقم به حينئذ قاعدة بالمفهوم المصطلح عليه عند الفقهاء.

    ولمزيد من الإيضاح نقول: إن قاعدة "الضرر يزال" لا تعني ضرراً معيناً، في واقعة خاصة، بل كل ضرر تنطبق عليه صفات الضرر الذي أمر الشارع بإزالته.

    كما أنه لا يتناول شخصاً بعينه، بل إن إزالة الضرر ينبغي أن تشمل كل شخص([193]) ويزداد المعنى وضوحاً بالمثال التالي:

    إذا نظرنا إلى هذه العبارات:

    · من استعار عارية فأضاعها تفريطاً ضمنها.

    · من أضاع وديعة بتفريط ضمنها.

    · من استأجر عيناً فأضاعها أو أتلفها بتفريط ضمنها.

    · من أتلف زرع غيره بغنمه تفريطاً فهو ضامن له.

    وجدناها عباراتٍ وجملاً تشتمل كل واحدة منها على حكم هو وجوب الضمان، لكنه في العبارة الأولى خاص بضمان العارية، وفي الثانية خاص بضمان الوديعة، وفي الثالثة بضمان العين المؤجرة، وفي الرابعة خاص بضمان الزرع، ولما كان الحكم في كل عبارة مرتبطاً بجزئية بعينها، لم يكن مجرداً موضوعياً، فلم تنعقد به قاعدة.

    لكن إذا جردنا هذا الحكم وعريناه مما هو مرتبط به من ذوات الجزئيات صار حينئذٍ شاملاً لكل هذه الجزئيات ولغيرها من الجزئيات الأخرى وصار حكماً كلياً، وانعقدت به حينئذ القاعدة الفقهية، واستقامت به حقيقتها.

    وهكذا يمكن أن نجمع هذه العبارات في عبارة واحدة مشتملة على حكم جامع مجرد فنقول (المفرط ضامن)، فالذي ارتقى بهذه العبارة إلى مستوى القاعدة إنما هو التجريد وربط الحكم فيها بموضوع الجزئيات وعللها لا بذواتها وأعيانها([194])،

    من الأمور التي تجدر ملاحظتها: التلازم والارتباط بين عناصر وأركان القاعدة فعموم الموضوع مترتب على تجريد القاعدة، أو تجريد موضوعها، لأن التجريد يعني العموم والاطراد. والأصل في حقيقة القاعدة أن تكون مطردة، أي أنها تنطبق على كل جزئياتها دون تخلف أي جزئية منها.

    لكنها قد يتخلف فيها عنصر الاطراد فتنتقل حينئذ إلى مرتبة الأغلبية، أي أنها تنطبق على أغلب جزئياتها لا على كلها.

    كما يلاحظ أن الاطراد أو الأغلبية مرتبطان بالشمول والاستيعاب ارتباط تكميل وتفسير، بمعنى أن الاستيعاب والعموم والشمول الذي ذكرناه، إما أن يشتمل بقوته على كل جزئيات القاعدة بدون استثناء، فهذا هو الاطراد, وإما أن يسري على معظم جزئياتها، فهو حينئذ لا يعتبر اطراداً وإنَّما حكماً أغلبياً.

    وإذا فقدت القاعدة عنصر الاستيعاب جر ذلك إلى فقدان عنصر الاطراد والأغلبية لما بينهما من تلازم، وفقدان القاعدة لعنصر التجريد يجعلها تفقد عنصر الشمول والاستيعاب أيضاً، لأن الاستيعاب والشمول حينما يتوفر في القاعدة يستلزم اتِّصاف حكمها بالسعة وقوَّة السريان، وهذا لا يكون إلا إذا كان الحكم مجرداً موضوعياً غير مرتبط بالذوات ولا بالأعيان([195]).





    الركن الثاني من أركان القاعدة:

    وأما الركن الثاني فهو: الحكم وقد يُعبَّر عنه بالمحمول، أو المحكوم به، فهو ما حمل عليه الموضوع([196]) أو نُسب إليه، وعن طريقه نستطيع أن نثبت وصفاً أو ننفيه عن الموضوع ويكون هذا الوصف بياناً لحكم شرعي أو على الأقل له صلة بالحكم الشرعي. مثال ذلك إثبات التيسير للمشقة، والإزالة للضرر، ونفي إزالة الشك لليقين في القواعد الثلاث السابقة على الترتيب.

    ويشترط للحكم فوق ما ذكر من شروط للموضوع من الاستيعاب والعموم والتجريد أن يكون حكماً شرعياً، أو مما تنبني عليه الأحكام الشرعية العملية. وهذا شرطٌ نابعٌ من طبيعة القاعدة الفقهية بطبيعة الحال كما لا يخفى. وكذلك يشترط للحكم أن يكون باتاً لا تردد فيه حتى لا تفقد القاعدة قيمتها أو تسقط عنها هيبة الامتثال أو يصبح كونها حكماً شيءٌ لا اعتبار له([197]).

    تنبيهات: ينبغي أن تُصاغ القاعدة في أوجز العبارات وأدقها وأقواها دلالةً على الحكم الذي تشتمل عليه القاعدة ما استطاع المقعِّد إلى ذلك سبيلا، مع مراعاة أن تكون الألفاظ ممعنةً في الشمول والعموم والاستيعاب حتى لا تختلط القاعدة بغيرها مما هو دونها منزلة كالضوابط والحدود والتعريفات أو غير ذلك، وإن كان الأساس في القاعدة هو نوع القضية لا كمية الكلمات.

    وقد نص الشيخ مصطفى الزرقا في تعريفه للقواعد الفقهية على أنها: "نصوص موجزة دستورية".

    ثم بين ذلك قائلاً: "فهي تمتاز بمزيد الإيجاز في صياغتها، على عموم معناها وسعة استيعابه للفروع الجزئية. فتصاغ القاعدة عادة بكلمتين أو ببضع كلمات محكمة من ألفاظ العموم"([198]).

    وأغلب القواعد الأساسية والهامة والواسعة الدلالة هي من هذا القبيل كما هو الشأن في القواعد الخمس الكبرى. وإن كان من القواعد ما لا يتحقق فيها هذا الأمر كقواعد ابن رجب الحنبلي([199])، وأكثر قواعد المقَّرى، وقواعد الحصيري([200]).












    المطلب الخامس

    مدى انطباق عناصر القاعدة الفقهية وأركانها وشروطها على مسألة الظفر بالحق

    وفيه فرعان:

    الفرع الأول: صياغة القاعدة.

    الفرع الثاني: صيغة قاعدة الظفر.

    الفرع الأول

    صياغة القاعدة

    قبل أن نبين مدى اعتبار مسألة الظفر بالحق قاعدة فقهية يجدر بنا أولاً أن نبيِّن صيغة هذه القاعدة لتقترب لنا الصورة أكثر، ثم نشرع في إثبات أن هذه الصيغة جديرة بأن تحتل مكانها بين القواعد الفقهية بجدارة حسب الضوابط والشروط التي قررها الفقهاء للقاعدة من جهة، ومن جهة أخرى أنها - ورغم كونها متنازع في بعض فروعها بين الفقهاء كما سيأتي بيانه مفصلاً - حَرِيَةٌ بأن تشكل قاعدةً مستقلةً باعتبارها قضيةً كليةً وتشتمل على حكم كلِّيٍ جامعٍ لكثير من الفروع و الجزئيات، ليست فقط من بابٍ واحد، بل من أبوابٍ كثيرةٍ متعددة.

    ونؤكد هنا قبل ذكر صيغة القاعدة على أمرين:

    الأمر الأول:

    أن الأصل في صياغة القاعدة أن تصاغ صياغة موجزة محكمة دقيقة تدل على الشمول والاستغراق، إلا أنه لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا أن القواعد الفقهية بصفة عامة حتى بعض القواعد الأساسية و الشهيرة منها مرَّت بمراحل في صياغتها حتى وصلت إلى الصيغة المعروفة حالياً واستقرت عليها.

    مما يعني أنها مرت بما يمكن أن نطلق عليه تطور الصياغة الفقهية الفنية للقواعد([201]). ومن الأدلة على ذلك أن كثيراً من صيغ القواعد تختلف في كتب المتأخرين عنها في كتب المتقدمين.

    فعلى سبيل المثال:

    القاعدة المشهورة في كتب الفقهاء المتأخرين والتي نصُّها: "الإقرار حجةٌ قاصرة"([202]) بمعنى أن الإقرار إنما يلزم صاحبه المقر، ولا يسري حكمه على غيره بل يقتصر على المقر وحده.

    أصل هذه القاعدة في قواعد الإمام الكرخي (ت340هـ) هو: "لأن المرء يعامل في حق نفسه كما أقر به، ولا يصدق على إبطال حق الغير، ولا إلزام الغير حقاً"([203]). وكذلك قاعدة: "الاجتهاد لا ينقض بمثله"([204])، أصل هذه القاعدة في قواعد الكرخي: "الأصل أنه إذا قضي بالاجتهاد لا يفسخ باجتهاد مثله ويفسخ بالنص"([205])، وكذلك قاعدة "اليقين لا يزول بالشك" ذكرها الدبوسي([206]) ت (430هـ) رحمه الله بصيغة "الأصل عند أبي حنيفة أنه متى عرف الشيء من طريق الإحاطة، والتيقن لأي معنى كان، فهو على ذلك ما لم يتيقن خلافه"([207]) ونظائر هذا كثير جداً فيما يتعلق بتطور صياغة القواعد الفقهية والمقصود أن صيغ كثير من القواعد، بل وما تفرع عنها، لم تزل تتطور وتُختصر وتهُذب حتى استقرت على الصيغ التي بين أيدينا الآن.

    الأمر الثاني:

    أنه لا يعكر على اعتبار الظفر بالحق قاعدة فقهية كونها اشتهرت عند أهل العلم بـ (مسألة الظفر)، فليس كل ما أطلق عليه العلماء (مسألة) يعني كونه مسألة فرعية.

    فهناك مسائل الأصول التي اشتهرت بها المذاهب الفقهية المعتبرة وهناك مسائل العقيدة وغيرها.

    والمسألة في الاصطلاح: "مطلب خبري يبرهن عليه في علم ما ويكون المطلوب من ذلك معرفتها، والجمع مسائل"([208]). وهذا التعريف يصدق على المسائل الأصولية، وعلى المسائل الكلِّية وعلى المسائل الفرعية، وغيرها، وقد استعمل كثير من الفقهاء الكبار مصطلح مسألة بمعنى القضية الفقهية، وذلك يظهر جلياً بتتبع كلامهم في مصنفاتهم. يقول الإمام التهانوي([209]) – رحمه الله –: "هي – أي القواعد – في اصطلاح العلماء تطلق على معان ترادف الأصل و القانون و المسألة و الضابط و المقصد....)([210]).

    بل فيما يتعلق بموضوع الظفر نجد كثيراً منهم يذكر فروعاً في أبواب مختلفة من الفقه ويعلق عليها بعد بيان حكمها بقوله: "وهذه من جملة مسائل الظفر"([211]) وهذا يعني أن ما يتعلق بموضوع الظفر ليس مسألةً واحدةً، بل جملة كثيرة من المسائل و الجزئيات التي تندرج تحت قاعدة كلية، هي قاعدة الظفر بالحق، أو قضية الظفر بالحق أو كما اشتهرت به عند الفقهاء: مسألة الظفر بالحق، فمسألة هنا بمعنى قضية. لذلك عرفها صاحب معجم مصطلحات أصول الفقه قائلاً: "المسألة هي القضية التي تحتاج إلى البرهنة عليها...)([212]).

    ويؤيد ما ذهبت إليه ما نص عليه الإمام سعد الدين التفتازاني([213]) حيث قال: "إن المركب التام المحتمل للصدق والكذب يسمى من حيث اشتماله على الحكم قضية, ومن حيث احتماله الصدق والكذب خبراً, ومن حيث كونه جزءاً من الدليل مقدمة, ومن حيث أن يطلب بالدليل مطلوباً, ومن حيث يحصل من الدليل نتيجة, ومن حيث يقع في العلم ويسأل عنه مسألة. فالذات واحدة, واختلاف العبارات باختلاف الاعتبارات"([214])

    الفرع الثاني

    صيغة قاعدة الظفر

    دخلت هذه القاعدة في مجال التقعيد منذ عهد مبكر, فقد وردت قاعدة الظفر بصيغ مختلفة في كتب المذاهب, وأقدم من رأيته سبق إلى تقعيدها وصياغتها الإمام محمد بن إدريس الشافعي([215]) رحمه الله – المتوفى سنة 204 هـ - ففي كتاب الأم للإمام الشافعي - رحمه الله قال: "إن سنة رسول الله j, ثم إجماع أكثر من حفظت عنه من أهل العلم قبلنا يدل على أن كل من كان له حق على أحد منعه إياه فله أخذه منه"([216]).

    وفي نص آخر للإمام الشافعي أيضاً بزيادة بسيطة: "من كان له على رجل حق فلم يعطه إياه، فإن له أن يأخذ منه حقه سراً و مكابرة"([217]).

    فقد أفاد هذا النص زيادة جديدة هي "سراً ومكابرة"، وعلى هذا فيمكن صياغة القاعدة من النص الأول بتمامه، مع زيادة هاتين الكلمتين فتكون: "كل من كان له حق على أحد منعه إياه فله أخذه منه سراً ومكابرة".

    هذه هي الصيغة التي وردت عن الإمام الشافعي رحمه الله في أكثر من موضع من كتاب الأم، وواضح فيها توفر عناصر وأركان القاعدة من حيث دقتها في الصياغة - وإن كان لا يمنع تطورها أكثر من هذا - ومن حيث تجريدها وعدم ارتباطها بشخص بذاته، ولا بواقعة معينة، وقبل هذا كله هي قاعدة كلية، بمعنى اشتمالها على حكم كلي جامع لكثير من الفروع والجزئيات. فقد بدأت بلفظ (كل) التي هي من ألفاظ العموم المفيدة للاستغراق واستيعاب جزئيات ما دخلت عليه([218]) ثم تلتها كلمة (من) وهي الأخرى من ألفاظ العموم وما يقال في (كل) يقال في (من)([219]), وتتجلى كلية هذه القاعدة أكثر في كونها قضية كلية محكوم فيها على جميع أفراد موضوعها, فان موضوعها – وهو هنا الحق المالي - موضوع عام، وعموم الموضوع مترتب على تجريد القاعدة، أو تجريد موضوعها، فالتجريد يعني العموم والشمول والاطراد.

    من جهة أخرى فإن محمول هذه القضية أو الحكم فيها باتٌّ لا تردد فيه، متناول جميع أفراده الذين ينطبق عليهم معناه.



    ويمكننا أن نزيد الأمر وضوحاً فنقول:

    إن جملة "كل من كان له حق". وهو هنا الحق المالي سواء كان عيناً أو دَيْناً أو منفعة – كما أشرنا إليه من قبل - جزئياته أكثر من أن تحصر، وهي ليست فقط من باب واحد بل من جملة كثيرة جداً من الأبواب الفقهية تناول فيها الفقهاء أحكام قضية الظفر بالحق.

    منها على سبيل المثال:

    1- باب الرهن 2- باب الغصب

    3- باب السرقة 4- باب العارية

    5- باب الحجر 6- باب الإجارة

    7- باب الدعاوى والبينات 8- باب الحظر والإباحة

    9- باب الوكالة في الدين 10- باب شراء المضارب وبيعه

    11- باب المرابحة 12- باب نفقة الزوجة

    13- باب أحكام المفلس 14- باب الوديعة

    15- باب الوصية

    مما يبين بصورة لا تقبل الجدال أن أحكام هذه القضية ليست من باب واحد بل كما نرى - من أبواب كثيرة متعددة، وهذا من شرط كلية القاعدة كما مر بنا بيانه بالتفصيل بما يغني عن تكراره هنا، مضافاً إليه بقية الشروط الأخرى.

    ونشير إلى أن صيغة القاعدة التي ذكرناها يبرز فيها اتجاه الفقهاء المتوسعين الذين يجيزون استيفاء الحق، وإن كان من غير جنسه. وهو رأي جماهير أهل العلم كما سنقرره قريباً إن شاء الله. وحسبنا ما صدر به الإمام الشافعي قاعدته بقوله: "إن سنة رسول الله j، ثم إجماع أكثر من حفظت عنه من أهل العلم قبلنا...."([220]) وقد وردت القاعدة بصيغٍ أخرى عن فقهاء آخرين فيها بعض الاختلاف في الصياغة، قول الإمام البغوي([221]) رحمه الله تعالى: "من له حق على غيره يمنعه إياه فظفر من ماله بشيء، جاز له أن يقتضي منه حقه، سواء كان من جنس حقه أو لم يكن منه"([222]) بل جعلها الإمام الماوردي([223]) رحمه الله في (الحاوي) عنواناً لباب بأكمله فقال: "باب: أخذ الرجل حقه ممن يمنعه إياه"([224])

    وفي فروق الإمام القرافي - رحمه الله تعالى - قاعدةٌ أكثر تعميماً مع تقييدها ببعض الضوابط "إن كل أمر مجمع على ثبوته وتعين الحق فيه، ولا يؤدي أخذه لفتنه، ولا تشاجر، ولا فساد عرض، أو عضو- فيجوز أخذه من غير رفع للحاكم"([225]) وما قيل حول قاعدة الإمام الشافعي رحمه الله يمكن أن يقال حول قاعدة البغوي والقرافي رحمهما الله من وضوح كلية القاعدة وتجردها وعمومها.

    وممن عُنِيَ أيضاً بتقعيد مسألة الظفر وعنون لها بذلك الشيخ عبد الرحمن ناصر السعدي([226]) (من متأخري الحنابلة) رحمه الله تعالى، حيث شمّلها كتابه القواعد الفقهية، وبالطبع برز فيها اتجاه متأخري الحنابلة من اشتراط ظهور سبب الحق لجواز الظفر، فقال: القاعدة السادسة والأربعون: "من له الحق على الغير وكان سبب الحق ظاهراً فله الأخذ من ماله بقدر حقه إذا امتنع أو تعذر استئذانه، وإن كان السبب خفياً فليس له ذلك"([227]).

    كما أن الدكتور علي الندوي نص على كونها قاعدة فقهية وضمنها كتابه موسوعة القواعد والضوابط الفقهية، فقال: قاعدة الظفر بالحق: "كل من كان له حق على أحد فمنعه إياه فله أخذه منه ولو دون علمه" أو "من له حق على غيره يمنعه إياه فظفر من ماله بشيء جاز له أن يقتضي منه حقه، سواء كان من جنس حقه أو لم يكن منه"([228]).

    الخـلاصة:

    حينما نتأمل فيما تقدمت دراسته من معنى القاعدة بصفة عامة من الناحية اللغوية والاصطلاحية يتضح لنا ما يأتي:

    1- إن قاعدة الظفر بالحق يصدق إطلاق لفظ القاعدة عليها حيث أنها تتفق في معناها مع المعنى اللغوي للقاعدة، من كونها أساس تقوم عليه أحكام مسائل و فروع متعددة، وتعتمد عليه اعتماد الخيمة على الفسطاط. وعلى هذا فإنه يصح من الناحية اللغوية إطلاق اسم القاعدة عليها.

    2- كما بينا أن قاعدة الظفر بالحق يصح تسميتها قاعدة من جهة اللغة، فإنه كذلك يصح أن تسمى قاعدة من جهة الاصطلاح حيث إنها (قضية كلية) فيها من العموم والشمول والاستيعاب والتجريد وقوة السريان ما يجعلها تجمع فروعاً و جزئيات كثيرة، ليست فقط من باب واحد، بل من جملة أبواب متعددة كما سبق بيانه آنفاً.

    وسيزداد هذا الأمر بياناً ووضوحاً في ثنايا مباحث هذه الرسالة إن شاء الله.

    وأختم هذا المطلب بهذه العبارة للدكتور على الندوى - حفظه الله – حيث يقول "وأرى أنه لا داعي في تعريف القاعدة الفقهية إلى وضع قيود تفضي إلى تحجير الواسع وتضييق النطاق، بحيث يصعب تطبيق ذلك التعريف على كثير من القواعد التي أدرجها الفقهاء في كتب القواعد، إذ إن كل قاعدة جمعت فروعاً فقهية من أبواب دخلت عندهم في زمرة القواعد الفقهية – والله أعلم"([229]).

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    7

    افتراضي رد: رسالة ماجستير فى >> الفقه الإسلامي عنوانها (الظفر بالحق )

    المطلب السادس

    الظفر بالحق قاعدة فقهية أم مبدأ فقهي؟

    و فيه فرعان:

    الفرع الأول: حقيقة المبدأ الفقهي.

    الفرع الثاني: حكم اقتباس المصطلحات في الإسلام.

    ربما يتساءل متسائل: إذا قررنا أن الظفر بالحق قاعدة فقهية بالمعنى المصطلح عليه لدى الفقهاء فلماذا كان عنوان الرسالة: مبدأ الظفر بالحق و ليس قاعدة الظفر بالحق؟

    و قبل أن نشرع في توضيح ذلك نحاول أن نقف على حقيقة المبدأ الفقهي:

    الفرع الأول

    حقيقة المبدأ الفقهي

    أولاً: تعريف المبدأ في اللغة:

    المبدأ: اسم ظرف من بدأ و يجمع على مبادئ, و هو في الأصل مكان البداءة في الشيء أو زمانه, فمبدأ الشيء أوله, و مادته التي يتكون منها, كالطين مبدأ الإنسان, كما قال تعالى: ﴿و بدأ خلق الإنسان من طين﴾ [السجدة:7], أو مادته التي يتركب منها كما نقول الحروف مبدأ الكلام, و مبادئ العلم أو الخلق أو الدستور أو القانون: قواعده الأساسية التي يقوم عليها و لا يخرج عنها.([230])



    ثانياً: تعريف المبدأ في الاصطلاح:

    جاء معجم مصطلحات أصول الفقه:

    المبدأ: هو ما يتوقف عليها مسائل العلم, كتحرير المباحث و تقرير المذاهب و منه قول بعضهم في تعريف أصول الفقه: إنه يراد بها مبادئ الفقه, أي الأسس التي يقوم عليها الفقه([231]).

    و جاء في معجم المصطلحات القانونية ما ملخصه: المبدأ: هو قاعدة مقبولة في الاجتهاد يقيمها نص في تعابير عامة, ملزمة, غير قابلة للانتهاك, معدة لإيحاء تطبيقات متنوعة, يجب أن تسوس نوعاً من الحالات, في حالة غياب نص خاص, لها قيمة مساوية لقيمة النص, غالباً ما تصاغ في شكل قول مأثور([232]).

    و خلاصة التعريف الاصطلاحي للمبادئ أنها هي: " القضايا الكلية التي تستخلص من أحكام القانون, و تتخذ أساساً لاستنباط الأحكام التفصيلية للمسائل التي لم يرد بشأنها حكم خاص"([233]).

    و يتضح لنا من جملة هذه النقول, و في ضوء ما سبق لنا دراسته حول القاعدة الفقهية أن هناك تشابهاً كبيراً بين القاعدة و المبدأ.

    فمن حيث المجال: كل منهما قضية كلية تشمل أبوابا كثيرة, و كلاهما يتخذ أساساً لاستنباط أحكام تفصيلية للمسائل الفرعية غير المنصوص عليها, فهما متفقتان من حيث الكلية و الاستيعاب و التجريد و الشمول, إضافة إلى دقة الصياغة و إحكامها و إن كانت صياغة المبدأ لا يشترط لها الإيجاز([234]).

    و المبدأ في الأصل جرى استخدامه على ألسنة رجال القانون الوضعي للدلالة على معنى معين يشتمل على مجموعة قضايا في موضوع ما.

    و في المقابل استخدم فقهاء الشريعة الإسلامية كلمة قاعدة للدلالة على معنى معين يشتمل على حكم مجموعة مسائل فرعية من أبواب متفرقة ينظمها في صياغة موجزة و ألفاظ تدل على العموم و الاستغراق, و هذا الحكم يكون معتمداً على أدلة شرعية من الكتاب و السنة و الاجتهاد في إطار هذين المصدرين الأساسيين, فالقاعدة الفقهية ربانية المصدر, و إن صيغت و رتبت من قبل الفقهاء و المجتهدين([235]).

    فالواقع أن (المبادئ الفقهية) اصطلاح مستحدث لا يوجد في مراجع الفقه القديمة – شأنها شأن ( النظريات الفقهية)([236])- استخلصه العلماء المعاصرون الذين جمعوا بين دراسة الفقه الإسلامي و دراسة القانون الوضعي خلال احتكاكهم و موازنتهم بين الفقه و القانون, فسرى في مؤلفاتهم و جرى على ألسنتهم ثم انتقل إلى غيرهم من الباحثين, حتى لا يكاد يحلو من مصنف من المصنفات الحديثة التي عنيت بدراسة القواعد الفقهية, من اصطلاح (المبادئ الفقهية)([237]).

    و الطريف أن استخدام المصطلحين (المبادئ و القواعد) جرى على لسان فقهاء الشريعة و القانون بشكل تبادلي, حتى صار هذا الاستخدام مألوفاً, و متعارفاً عليه لدى الجميع, فاستخدام فقهاء الشريعة كلمة (مبدأ) للدلالة على المعنى المتداول للقاعدة, واستخدم في نفس الوقت فقهاء القانون الوضعي كلمة قاعدة للدلالة على المعنى نفسه.

    و المقصود أن القاعدة و المبدأ بينهما ترادف إلى حد بعيد كما صرح به كثير من المعاصرين([238]).

    "فالمبادئ جمع مبدأ, من مرادفات القاعدة"([239]).



    و قد أشار إلى هذا الشيخ مصطفى الزرقا – رحمه الله – بقوله: "و يسمى أمثالها اليوم في الاصطلاح القانوني: (مبادئ) جمع مبدأ. أ.هـ([240]) و يقول أيضاً: "القواعد إنما هي مبادئ و ضوابط فقهية يتضمن كل منها حكماً عاماً"([241]).

    و قال الإمام التهانوي في ((كشافه)): هي – أي القواعد – في اصطلاح العلماء, تطلق على المعان ترادف الأصل و القانون و المسألة و الضابط و المقصد--)([242]).

    الفرع الثاني

    حكم اقتباس المصطلحات في الإسلام

    إذا عرفنا أن مصطلح (المبدأ) مقتبس عن أهل القانون الوضعي, فلا بد أن نعرف حكم اقتباس المصطلحات في الإسلام: بمعنى أنه إذا كان (المبدأ) مصطلحاً قانونياً وضعياً في الأصل تداوله أهل القانون الوضعي فيما بينهم, فهل يجوز للمسلم اقتباس هذا المصطلح و استعماله في الأبحاث الفقهية الإسلامية؟

    يجيب عن هذا السؤال الدكتور محمد عثمان شبير فيقول: "إذا كان الأصل في الأشياء الدنيوية و العادية الإباحة, و الحكمة ضالَّة المؤمن, فحيثما وجدها فهو أحق بها, طالما لا تمس جوهر ديننا الحنيف, و لا تصطدم مع نص شرعي صريح, فيجوز للمسلمين اقتباس المصطلحات التي تتعلق بالأساليب و الإجراءات الإدارية و الفنية, مثل: الديوان, و الخراج؛ لأن مثل هذه المصطلحات تخلو من التأثرات العقدية و الفكرية للأمم التي أفرزتها. أما إذا كانت المقتبسة تتضمن معتقدات و عادات فاسدة؛ فلا يجوز للمسلمين اقتباسها و استعمالها في خطابهم الديني و الثقافي و الفكري؛ لأن الأمة الإسلامية لها خصوصيتها من حيث طبيعتها و عقيدتها و فكرها. و يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا و قولوا أنظرنا و اسمعوا و للكافرين عذاب أليم﴾ [البقرة:104], فقد أرشد القرآن المسلمين إلى استخدام مصطلح (أنظرنا) بدلاً من مصطلح (راعنا) الذي كان يستعمله اليهود, لما يتضمَّن من اتهام المخاطب بالرعونة و الخفة. و هذا يوجب على المسلمين اليوم تحري الدقة في اقتباس المصطلحات الغربية و تمحيصها من أجل تمييز الخبيث من الطيب, ثم تحكيم موازين الشريعة الإسلامية فيها لبيان حكم اقتباسها و استعمالها"([243]).

    و يشترط أن يكون هناك مصلحة في هذا الاقتباس كأن يكون من العلوم النافعة و النظم و الأساليب التي لا تمس جوهر الدين, بل تساهم بشكل فعال و مباشر في تحقيق أهداف الأمة و خدمة مصالحها على وجه العموم, مع توفر عنصر العزة و الاستعلاء مما يؤدي إلى عدم الشعور بالمهانة و الذلة بسبب الحاجة إلى ما عند الآخرين, كما قال تعالى: ﴿و أنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ [آل عمران:139] و قوله عز و جل: ﴿و لله العزة و لرسوله و للمؤمنين﴾ [المنافقون:8]([244]).

    و بناء على ذلك فإن اقتباس مصطلح (المبادئ) أو (النظريات) جائز لأنه يخلو من التأثيرات العقدية و الفكرية, بل يتعلق بالأساليب و الإجراءات العملية.

    و مما تجدر الإشارة إليه أن المبادئ الفقهية أو المبادئ بصفة عامة, هي أقوى في المعنى و أشمل من حيث الاستيعاب, لأنها تشكل ركيزة للدراسة أوسع من القواعد, لاسيما في مجال العقوبات الشرعية.

    فإن المبادئ الفقهية تتميز في الاستعمال بأنها و إن كانت لها تطبيقاتها العامة في مختلف العلوم الشرعية و الأحكام الفقهية, من عبادات, و معاملات, و غيرها. "إلا أن التطبيق الدقيق لها يكمن في مجال العقوبات الشرعية لارتباطها بأهم مقاصد الشارع وهي حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل"

    من أجل ذلك آثرنا استخدام مصطلح (مبدأ الظفر) في العنوان وإن كان هذا لا يمنعنا من استخدام مصطلح (قاعدة الظفر) أحياناً في ثنايا البحث لما تقدم بيانه، والله أعلم بالصواب.

    وختاماً نشير إلى أنه من الحقائق التي شهد بها المنصفون من كبار القانونيين وغيرهم أن الفقه الإسلامي وإن لم يعرف مصطلح (المبدأ) أو النظرية الفقهية) في عصوره الأولى إلاّ أنه وكما يقول السنهوري "غنى بمواد وعناصر لو تولتها يد الصياغة فأحسنت صياغتها لصنعت منها نظريات ومبادئ تضاهي – بل تفوق – في رقيها وشمولها ومسايرتها للتطور، أعظم النظريات الفقهية التي يفخر بها اليوم الغرب الحديث، ويتلقاها عنه الناس هنا وهناك على أنه مبدعها، وهي موجودة في فقهنا منذ بضعة عشر قرناً من حيث عناصرها وموادها الأولية، ولا تحتاج إلاّ إلى الصياغة والبناء"([245])




    المبحث الثالث

    أهمية مبدأ الظفر بالحق ودوافعه

    وفيه مطلبان:

    المطلب الأول: أهمية مبدأ الظفر بالحق ودوره في حل كثير من المنازعات المالية

    المطلب الثاني: دوافع الظفر بالحق.




    المطلب الأول

    أهمية مبدأ الظفر بالحق ودوره في حل كثير من المنازعات المالية:

    تتجلى أهمية هذه القاعدة البديعة (قاعدة الظفر بالحق) في أنها تقوم على محور أساسي هو استيفاء الحق، ولا يخفى ما يمثله هذا الأمر وهو استيفاء الحق من أهمية بالغة في الفقه الإسلامي على وجه العموم، وفي فقه المعاملات بين الناس بصفة خاصة، لاسيما وهي تتعلق بجانب مهم في حياتهم وهو رد الحقوق إلى ذويها، فالمال هو عصب الحياة، وهو سبب من أسباب استمرار العمران.

    والمعاملات المالية عليها تقوم شئون حياتهم، ويعتمدون عليها في تصريف معيشتهم من بيع وشراء وإجارة ومزارعة وسلم وضمانات وغير ذلك مما يكون فيه التعامل المالي قائماً على تبادل الأموال والممتلكات والأمتعة لكونها – أعني المعاملات المالية – وسيلة لتنمية المال وحمايته في زمن عمته الفوضى، وفسدت فيه كثير من الذمم، وضعفت رقابة الله في قلوب الكثيرين، وأصبح المال هو معبود الجماهير الأعظم. فتساهل الناس في الديون وفي الوفاء بها، وإن ما تمتلئ به أروقة المحاكم من دعاوى ومرافعات لخير دليل على ذلك.

    وقد شدد الإسلام في التأكيد على حرمة الحقوق وضرورة أدائها لأصحابها ما لم يحل دون ذلك عذر شرعي.

    ومما يزيد هذه القاعدة أهمية كونها تتعلق بضرورة من الضروريات الخمس التي أمر الإسلام بمراعتها، والمحافظة عليها، ودفع أي ضرر يمكن أن يلحق بها، لذلك كان حفظ المال هو مقصود الشريعة الأعظم من هذه الأموال، وجاء ترتيبه في المرتبة الخامسة في الرعاية بعد حفظ الدين والنفس والعقل والنسل.

    وإذا تأملنا فيما جاءت به الشريعة الإسلامية من الأحكام التي تكفل المحافظة على هذه الأموال من جانب العدم لوجدناه لا يقل أهمية عن أحكام المحافظة عليها من جانب الوجود([246]).

    فقد أمرت الشريعة الإسلامية بإبعاد الضرر عن الأموال، وجعلته من جملة المقاصد الكلية التي هدفت إلى تحقيقها.

    وهذا متفرع بدوره عن إقرار الشريعة للأصل العام الذي أرساه النبي j في قوله (لا ضرر ولا ضرار)([247]) إضافة إلى كثير من النصوص الجزئية التي أفادت أن الضرر ممنوع في جميع التصرفات، والتي انطلق منها الفقهاء في تقريرهم للقاعدة الكلية المشهورة: (الضرر يزال) مع جملة أخرى من القواعد المتفرعة عنها والتي تبين بعض الضوابط والشروط المتعلقة بهذه القاعدة.

    كما أمرت الشريعة بتوفير الأمن للأموال وعدم تعريضها للمخاطر فحرصت على ضبط كل التصرفات المتعلقة بالأموال بجملة من الضوابط والشروط التي من شأنها أن تحقق مقصد الأمن فيها وتقطع مادة الخصومة والمنازعات، ومن جملة ذلك ما أمرت به الشريعة من توثيق الديون وتشريع الحدود المتعلقة بالأموال مثل حد السرقة وحد الحرابة، وكذلك الأمر بأداء الأمانات إلي أهلها والترهيب من خيانة الأمانة.

    كذلك منعت الشريعة أكل أموال الناس بالباطل وبغير حق شرعي، سواء على جهة الظلم كالغصب والخيانة والسرقة، أو على جهة الهزل واللعب كالقمار والملاهي وغيرها.

    فكان مقصد الشريعة في ذلك صيانة أموال الناس من الضياع، ومنع كل ما من شأنه أن يفضي إلي النزاع بين العباد في العقود.

    وإضافة إلى ما سبق ذكره نهت الشريعة أيضاً عن إضاعة المال، سواء بوضعه في غير حقه، أو بحبسه عن منافعه فيبقى لا منفعة فيه فيكون هو والعدم سواء، فلا ينفق في القربات، ولا يحفظ عن وسائل إضاعته من إسراف وتبذير.

    ولما كان المال على هذا القدر من الأهمية، كانت القواعد التي تحقق مقصود الشارع من حفظه وحمايته وإبعاد الضرر عنه ورده لأهله لها نفس هذا القدر من الأهمية.

    وقاعدتنا هذه (قاعدة الظفر بالحق) لها دور كبير في المساعدة على رد الحقوق لأهلها، حيث تتجلى فيها عدالة التشريع الإسلامي وبها تستبين محاسنه وحكمته، فالمقصود منها معرفة الطريق السليم لاسترداد الحق بدون تعد ولا ضرر، بل وفق الضوابط والشروط التي بينها الشرع دون الخروج عنها قيد أنملة. خاصة إذا لم يكن أمام صاحب الحق طريق غيرها، فهو لا يملك البينة الحاضرة التي تؤيد حقه أمام القضاء، إضافة إلى جحود من عليه الحق أو مماطلته، أو كونه يتمتع بنفوذ و سطوة.

    أو غير ذلك من المسوغات والدوافع التي تحمل صاحب الحق على سلوك طريق الظفر دون طريق القضاء، والتي سنبينها في المطلب التالي.




    المطلب الثاني

    دوافع تحصيل الحق بطريق الظفر

    وفيه تمهيد وفرعان:

    التمهيد: طرق استيفاء الحقوق

    الفرع الأول: ظاهرة البطء في التقاضي

    الفرع الثاني: علاقة ظاهرة البطء في التقاضي بالظفر بالحق

    التمهيد

    طرق استيفاء الحقوق

    قبل أن نبين الأمور التي تدفع صاحب الحق لسلوك طريق الظفر لتحصيل حقه بنفسه دون اللجوء إلى القضاء، نقرر أولاً أن الأصل في استيفاء الحقوق هو أداؤها إلى أصحابها برضا من عليه الحق واختياره، فهذا هو السبيل الطبيعي لاستيفائها سواءٌ كان ذلك بالتزام المدين بأداء الحق في موعده من غير أن يسبق ذلك خصومة أو نزاع، أو كان ذلك بعد التنازع ثم يتم بينهما التصالح والاتفاق على الوفاء بطريقة ودية.

    لكن لما كان هذا الأصل و هو (الوفاء الاختياري) لا يلتزم به كثير من الناس، مما يتسبب في تأخير السداد و المماطلة بل والجحود في كثير من الأحيان، مما يتعذر معه استيفاء الحق، ففي هذه الحالة لابد لصاحب الحق من طريق ليستوفي حقه بها، والأصل هنا هو لجوء صاحب الحق لرفع دعوى أمام القضاء لفصل هذا التنازع وإجبار من عليه الحق بأدائه إلي صاحبه، فهذا هو مقصود الشارع من تشريع القضاء، لكن هذا يتطلب حضور البيِّنة لدى صاحب الحق، أو وجود شهود يؤيدون دعواه، مع توافر النزاهة والإنصاف والسرعة في البت، والعدل في القاضي المعروض أمامه الدعوى، إضافة إلي الشروط الأخرى الواجب توافرها في مجلس القضاء، فإذا لم تتوفر لصاحب الحق البينة والمدين منكر للحق، فماذا يفعل صاحب الحق للوصول لحقه؟

    وهنا قد تلجئ الضرورة صاحب الحق لسلوك طريق استثنائي للحصول على حقه أو استيفائه بنفسه دون إثارة فتنة أو حصول تعد أو ضرر، وهذا هو الاستيفاء بطريق الظفر.

    وبطبيعة الحال قد توجد حالات لا تنطبق عليها شروط الظفر وضوابطه، لكن حديثنا هنا منحصر في الحالات التي تتوفر فيها تلك الضوابط والشروط.

    وعلى هذا فيمكن تقسيم طرق استيفاء الحق إلي قسمين كالتالي:

    الأول :الوفاء الاختياري.

    الثاني: الوفاء الإجباري.

    وقد عرفنا أن الوفاء الإجباري إما أن يكون بطريق القضاء أو يكون بقيام صاحب الحق باستيفائه بنفسه وبطريقته الخاصة دون إثارة فتنة أو تعد أو ضرر مع التقيُّد ببقية الضوابط الأخرى التي بينها الفقهاء والتي سنبينها في المباحث التالية إن شاء الله.

    و إلا فإن عدم التقيد بهذه الضوابط يخرج هذه الطريقة عن حد الظفر المشروع.

    كما يمكن التقسيم بطريقة أخرى هكذا:

    الأولى: استيفاء الحق عن طريق القضاء.

    الثانية: استيفاء الحق بغير طريق القضاء.

    وهذه الأخيرة تنقسم إلى:

    استيفاء الحق باختيار المدين، واستيفاء الحق بطريق الظفر.

    ويمكن توضيح ذلك بالرسم التالي:

    طرق استيفاء الحقوق








    الوفاء الاختياري الوفاء الإجباري








    اللجوء للقضاء الظفر بالحق

    أوبطريقة أخرى كالتالي :

    طرق استيفاء الحقوق








    عن طريق القضاء بغير الرجوع للقضاء








    الوفاء الاختياري الظفر بالحق

    وبعد أن قررنا أن الأصل في استيفاء الحقوق في حال التنازع هو الرجوع إلى القضاء، نحاول الإجابة على هذا التساؤل: ما الدوافع التي تحمل صاحب الحق على سلوك طريق الظفر لاستيفاء حقه؟

    ذكر الفقهاء الذين أجازوا الاستيفاء بطريق الظفر أسباباً ومسوغات كثيرة تدفع صاحبها للظفر بحقه وهي في جملتها لا تخرج عن أن الرجوع إلي القضاء قد أصبح أمراً متعذراً أو غير مجدي، أو يحصل به الحرج و المشقة والضرر وضياع الزمان على صاحب الحق.

    ويمكننا تفصيل الكلام عن هذه الدوافع بتقسيمها كالتالي:

    أولاً: دوافع تتعلق بمن عليه الحق:

    1. كأن يكون ممتنعاً عن الأداء منكراً للحق وليس لدى صاحب الحق بينة([248]).

    2. أو يكون مماطلاً في دفع الحق لصاحبه وإن كان مقراً إلا أنه يمتنع بالتسويف عن الأداء مرة بعد مرة([249])، وهذا السبب – أعني المماطلة – في اعتبارها مسوغاً للاستيفاء بطريق الظفر لم يتفق عليها كل من أجاز الظفر بالحق – كما سيمر بنا قريباً([250]).

    3. أو يكون رافضاً للحضور أمام القاضي، ولا يمكن إجباره على المثول للمحاكمة، وله سطوة ونفوذ([251]).

    4. أو أن يكون ممن لا يقبل القاضي إقراره كالصبي والمجنون([252]).

    ثانياً: دوافع تتعلق بالشهود:

    قد تكون هناك أسباب تجعل صاحب الحق يعدل عن رفع دعوى للمطالبة بحقه أمام القضاء لكون البينة التي يملكها متمثلة في شهود لا يخافون الله، فيمتنعون عن الشهادة ويكتمونها، إما لخوفهم من الممتنع عن الأداء أو طمعهم في مال مقابل إدلائهم بالشهادة، بل قد يصل الأمر أن يأتي من عليه الحق بشهود قد أغراهم بالمال ليشهدوا أنه أدَّى الحق لصاحبه. ومن جهة أخرى قد يكون الشهود ممن لا يقبل القاضي شهادتهم لقرابتهم من صاحب الحق أو لقدح في عدالتهم.

    ثالثاً : دوافع تتعلق بالمكان الذي تدور فيه القضية:

    وذلك كأن يكون المكان بعيداً عن العمران و المحاكم، كما يحصل في البوادي النائية ولا يمكن لصاحب الحق أن يتحصل على حقه إلا بطريق الظفر.

    رابعاً : دوافع تتعلق بالحاكم أو القاضي الذي ينظر في القضية:

    كأن يكون القاضي قريباً للممتنع عن أداء الحق أو متواطئاً معه. أو أن يطلب القاضي رشوةً لنفسه، أو أن يعرف عن القاضي من خلال التجارب أنه لا يعدل في أمثال هذا النوع من القضايا فيسرع بإصدار الحكم دون تأمل، أو لديه صورة مشوهة سابقة لصنف من الناس من ضمنهم صاحب الحق فيصدر حكمه بناء على خلفية سابقة فيعمم الحكم تبعاً لهواه، أو يتأخر القاضي في إصدار الحكم رغم وضوح البينة فيجعل سير القضية بطيئاً لدرجة تحمل صاحب الحق على الملل مما ينتج عنه ضياع الحقوق وأكل أموال الناس بالباطل.

    وللأهمية البالغة لهذه الظاهرة وهي: "ظاهرة البطء في التقاضي وعدم سرعة البت في الدعوى" ولكونها من أهم الأسباب التي تدفع أصحاب الحقوق للعدول عن طريق القضاء وبحثهم عن طريق أخر لتحصيل حقهم المجحود، سوف نفردها بشيء من التفصيل لنتعرف على حقيقة هذه الظاهرة وخطورتها، ومن ثم علاقتها بموضوع الظفر بالحق، وذلك في فرعين.

    الفرع الأول: ظاهرة البطء في التقاضي:

    الفرع الثاني: علاقة ظاهرة البطء في التقاضي بالظفر بالحق:







    الفرع الأول

    ظاهرة البطء في التقاضي:

    من أهم المبادئ التي تميز بها القضاء في الإسلام مبدأ سرعة البت في الدعوى و الفصل في النزاع، وعدم التأخير بلا مسوغ شرعي.

    وهذا المبدأ كغيره من المبادئ التي يرتكز عليها القضاء في الإسلام تحقق المقاصد الشرعية منه وتبين كماله في أدائه لمهمته في الفصل في الخصومات وقطع دابر المنازعات.

    وبالتالي فإذا فقد القضاء هذا المبدأ، وأصبح سير القضايا فيه بطيئاً، واشتهر عنه التأخير في إصدار الأحكام بعد توافر أسبابها، وانتفاء موانعها، فإن هذا سيترتب عليه من ضياع حقوق العباد وسقوط هيبة القضاء ما يفقد الناس الثقة في أن يحقق القضاء العدالة، ويجعلهم يلجئون لطرق بديلة حتى ولو بنوع من الخسارة وفقدان بعض حقوقهم نظير تحصيل البعض الأخر.

    و كم من إنسان ترك حقه خوفاً من إهدار وقته وماله في التقاضي الذي يعلم مسبقاً أنه لن يسرع في إنصافه، بل ربما زاد من معاناته.

    ولا يخفى ما في تأخير الحكم بعد توافر أسبابه وانتفاء موانعه من إضرار بصاحب الحق، وقد جاءت الشريعة بنفي الضرر (لا ضرر ولا ضرار)([253]).

    والتاريخ الإسلامي يشهد أن وصول صاحب الحق إلى حقه عن طريق القضاء كان أمراً ميسوراً وسريعاً، إذ كان القاضي في العصور الفقهية الأولى يجلب الخصم بناء على مراجعة شفهية من المدعي – برقعة صغيرة أو إشارة يعطيها جلواز المحكمة (المحضر) تشعره بأنه مطلوب إلى مجلس القاضي، ويقضي في المسألة في الجلسة نفسها، أو يمهل المدعي إلى اليوم الثاني لإقامة البينة إن أنكر الخصم ولم تكن البينة حاضرة.

    فكان طريق اللجوء للقضاء سهلاً وبسيطاً وخالٍ من الشكليات القانونية الحديثة، وكان التقاضي و الحكم والتنفيذ يتم في جلسة أو جلستين في يوم واحد أو يومين على الأكثر، مهما كانت مكانة المدعي عليه حتى ولو كان السلطان نفسه، وهذا كله معروف من تاريخ القضاء في الإسلام([254]).

    أما في هذا العصر وفي ظل نظام المرافعات وأصول المحاكمات ومجالات التأجيل وبطء السير في القضايا من جهة، ومن جهة أخرى ما يحصل من مراوغات ومماطلات متعمدة برع فيها كثير من المحامين الذين يتفننون في المجادلة بالباطل في القضايا الميئوس منها، و يوقنون أنهم لن يربحوها وإنما يقبلون أخذ الوكالة فيها ليبذلوا أقصى ما يمكنهم من وسائل للمماطلة و تأجيل القضية إلى أقصى أجل ممكن، هذه الوسائل التي فتحها القانون أصلاً لحماية المدعى عليه فإذا بها تصير أداة للمراوغة والمماطلة و إطالة أمد القضية، مما يجعل بعض القضايا تظل أمام الجهات القضائية يطول فيها النظر سنوات عديدة إلى أن تستتب وسائل صدور الحكم الابتدائي، ثم تأتي مرحلة الاستئناف و التمييز أو النقض، والتي تبقي القضية فيها سنوات أخرى ليأتي دورها ويبت فيها تصديقاً، أو تعاد إلى المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه، منقوضة لاستكمال بعض النواقص، أو تعديل الحكم أو تغيره، فتعود القضية جذعة، مما يجعل ضرر صاحب الحق أو خسارته من تأخير الفصل في القضية جسيماً جداً.

    بل إن بعض المنازعات خاصة المدنية منها، تظل تتداول أمام المحاكم لعدة سنوات قد تطول إلى ما بعد انتهاء عمر رافع الدعوى، الأمر الذي دفع الأفراد إلى التفكير بإتباع طرق أخرى غير طريق القضاء، مفضلين تسوية يتنازلون فيها عن بعض حقوقهم على الالتجاء إلى المحاكم([255]).

    حتى أصبح من المألوف بين الناس قولهم: (إن مصالحة بغبن خير من قضية رابحة)، أو (المصالحة على ربع الحق خير من التقاضي عليه كله)([256]) فلا يكفي أن ينص الدستور أو القانون على حق الشخص في اللجوء إلى القضاء في أي وقت يشاء، بل لابد أن يشعر المتقاضي بأن العدل مطلب سهل المنال، ولا يكون ذلك كذلك إلا بوصول الحق إلى صاحبه في أقرب وقت، وبأقل النفقات([257]).

    فليس من العدل في شيء أن نمنع الأفراد من اقتضاء حقوقهم بأنفسهم ونلزمهم باللجوء إلى قضاء الدولة ثم نصليهم بنار الإجراءات المعقدة و النفقات الباهظة والتطويل الممل([258]).

    وإذا تأملنا في أسباب هذه الظاهرة وجدنا أنها ترجع لعدة عوامل منها ما يتعلق بالتشريعات التي يجد في ثغراتها أصحاب المطل ضالتهم.

    ومنها ما يتعلق بالقاضي ومعاونيه، ومنها ما يتعلق بالمدعي (رافع الدعوى) ومنها ما يتعلق بالمدعى عليه.

    وسوف نتحدث عن هذه العوامل بشيء من التفصيل:

    أولا: الأسباب التي تتعلق بالتشريعات :

    حيث أن كثيراً من هذه القوانين والتشريعات مخالفة للشريعة الإسلامية فيما تضمنته من أحكام، فليست من دين الله في شيء، إنما هي قوانين من وضع البشر مما يجعلها قاصرة عن أن تكون متوافقة مع المتغيرات التي تحدث في المجتمع، فلم يكن المشرعون لهذه القوانين لينتبهوا لما يمكن أن يكون فيها من ثغرات ينفذ منها من يتحين أي فرصة لأكل حقوق العباد بالباطل.

    فالواقع أن المنازعات كثرت وازدادت تعقيداً واختلف الناس عما كانوا عليه من فطرة سليمة، وازدادوا مكراً وخداعاً إلا من رحم الله، وباتت تظهر صور مختلفة من الالتجاء للحيل القانونية، والمراوغة ومحاولة طمس الحقيقة، وأصبح اللدد في الخصومة يحل محل السماحة والتسليم بالحق والعدل.

    هذا كله يستدعي أن تكون الأحكام التي يرجع إليها الناس في خصوماتهم ونزاعاتهم كفيلة بما يطلق عليه أهل القانون أمن الخصومة([259])، بمعنى أن تكون قادرة على منع المماطلة والمعاكسة والنكاية والمراوغة التي ينتج عنها التأجيل والتسويف، ولكن الواقع أن التشريعات التي يتحاكم إليها الناس في منازعاتهم لم تعد قادرة على ذلك([260]).

    وهذه نتيجة طبيعية لبعد التشريعات عن منهج السماء، فالله عز وجل ﴿.. يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ [الملك: 14].

    ثانياً: ما يتعلق بالقاضي ومعاونيه:

    الأصل أن تتوفر في القاضي شروط وخصال تجعله مؤهلاً لمجلس القضاء، ومجيداً للعمل القضائي، ومتقناً لصناعة العدل، مع حلم وأناة وتقليب للأمور على وجوهها، وبحث الوقائع وتمحيص الأدلة، وصولاً إلى الهدف الأسمى من القضاء وتحقيقاً للمقصد الشرعي من تشريعه وهو الفصل في المنازعات وإيصال الحقوق إلى أهلها، بحيث يصبح القاضي محط آمال المظلومين، وموضع ثقتهم في وصول الحق إليهم، إلا أن تقليب الأمور على وجوهها قد يصل إلى حد المبالغة بحيث يطول أمد القضية لدرجة تضر بصاحب الحق.

    رغم أنه من الأسس المقررة في علم القضاء: ضرورة الإسراع في البت والفصل في القضية المعروضة، وعدم التريث في إصدار الحكم إلا إذا كان هناك ما يدعو إلى التأخير([261])، وأدلة هذا المبدأ أشهر من أن تذكر([262])، وذلك مشروط بداهةً بأن يكون الإسراع في إصدار الحكم بعد دراسة القضية دراسة عميقة واعية ناشئة عن الفهم الشرعي للقضية.

    قال الموفق ابن قدامة([263]): " متى اتضح الحكم للقاضي لزمه الحكم به، ولم يجز ترديد الخصمين، لأن الحكم لازم، وأداء الحق واجب، فلم يجز تأخيره، وإن كان فيه لبس أمرهما بالصلح، فإن أبيا أخرهما، ولا يحكم حتى يزول اللبس، ويتضح وجه الصواب، لأن الحكم بالجهل حرام"([264]).

    من جهة أخرى قد يكون هناك تكدس في القضايا، مع قلة في عدد القضاة والمحاكم مما يحول دون تحقيق العدالة لاسيما والزيادة مطردة في عدد تلك القضايا.

    فيصبح التأخير والبطء في سير القضايا سمة وشارة للمحاكم مما يجعل صاحب الحق يفكر ألف مرة قبل أن يقدم على رفع دعوى للوصول إلى حقه كما تقدم بيانه.

    أما أعوان القاضي ومساعدوه من الكتاب والخبراء والمحضرون وغيرهم فقد يكون لهم دور فاعل وكبير في تفشي ظاهرة البطء في التقاضي.

    فأغلبهم غير مؤهلين لما يقومون به من أعمال، رغم أن الأصل أن تتوفر فيهم معظم الشروط التي يجب أن تكون في القاضي لاسيما وهم يقومون بإعداد تقارير، قد تكون أقرب إلى الأحكام لأن القاضي يبني عليها حكمه، ويثق فيها.

    فإذا أهمل أحدهم أو خربت ذمته وفرط في مسؤوليته فهنا يصبح آفة من آفات العدل.

    وربما وصل الأمر بأحدهم لمحاباة بعض الخصوم، أو قبول الرشوة، فهو يقوم بعمله بعيداً عن إشراف القضاء.

    فإذا كان على المحضر مثلاً أن يعلن المدعى عليه بالقضية، فربما تواطأ معه على أنه لم يجده، مما يزيد في أمد القضية، وربما، أعلنه على عنوان خاطئ عمداً، أو غير ذلك من الأساليب الملتوية، والتي يعرفها جيداً كل من له صلة بالمحاكم.

    ثالثاً: ما يتعلق بالمدعي:

    شرعت الدعوى في الأصل كأداة لحماية الحق، لكن قد يلجأ البعض لإساءة استخدام حقه في الدعوى، فيستعين بها للكيد من خصمه قاصداً جره إلى ساحات المحاكم للتشهير به، أو لإقحامه في مآزق مرهقة في مواقفها ونفقاتها، أو مضايقته والضغط عليه حتى يمل من المضي في الخصومة إلى النهاية، وبذلك تنحرف الدعوى إلى غير غايتها التي شرعت من أجلها. وتصبح عملا تعسفياً ظالماً لا يقره الشرع ولا القانون.

    قد يصل الأمر بالمدعي أن يكون الغرض من رفعه للدعوى ليس هو الوصول للحق، بل يستخدمها بطريقة ظاهرها مؤيدة بالقانون، ليتوصل بها إلى أمر أخر يبطنه للكيد من خصمه والتشهير به.

    فقد يرفع أحدهم دعوى لا أصل لها، كأن يطالب بدين قد سبق سداده([265])، أو لم يحل أجل الوفاء به، أو لم يستقر بعد.

    وقد يكون المدعي قد سبق وخسر دعوى مشابهة للدعوى التي رفعها ثم يظهر للمحكمة أن هذه الأخيرة ما هي إلا تجديد لنزاع سبق الفصل فيه([266]).

    وقد يتعمد تضليل العدالة بأن يعلن المدعى عليه بعنوان لا صلة له به ليفاجأ بالحكم بعد ذلك.

    والعجيب أن القانون لا يعاقب على ذلك إلا بغرامة لا تقل عن خمسين جنيهاً مصرياً ولا تزيد عن مائتين إذا تعمد ذكر موطن غير صحيح للمعلن إليه([267]).

    مما يدفعه للتجرؤ على ذلك إذا كان الأمر لا يتعدى دفع غرامة تافهة لا تزيد في كل الأحوال عن مائتي جنيه، نعم مائتي جنيه حتى لو كانت الدعوى تقدر بالملايين، فهل يعقل ذلك؟([268]).



    ومن الجدير بالذكر هنا أن نبين ما ورد في مجلة الأحكام العدلية([269]) من منع سماع الدعاوى الكيدية التي يقصد بها إلحاق الضرر بالمدعي عليه ولا تستند إلى حق صحيح([270]).

    رابعاً: ما يتعلق بالمدعى عليه:

    لعل أحرص الأطراف على حدوث البطء في سير التقاضي هو المدعى عليه حينما يعلم يقيناً أنه مدان وظالم للمدعي، وبالتالي فإن عدم سرعة البت في القضية يعطيه فرصة أكبر للمراوغة والمماطلة وابتداع الحجج التي تصب كلها في صالحه، وتزيد من معاناة المظلوم.

    وإذا كان القانون قد أعطى المدعى عليه الحق في دفع ادعاء المدعي بكافة الوسائل، إلا أن هذا الحق مقيد في الاستعمال بأن يكون لإحقاق الحق ودفع الدعاوى الباطلة، لا لمجرد إلحاق الأذى بالمدعي.

    لكن الملاحظ أن المدعى عليه يسيء استخدام هذا الحق، فيسوق دفاعه بقصد معاكسة المدعي، وتطويل الإجراءات لتعطيل الفصل في الدعوى.

    والعجيب أن القانون المنظم لسير الخصومة (قانون المرافعات) هو الذي يدعم بل ويكرس مركز المدعى عليه في إنماء ظاهرة البطء في التقاضي، حيث تفتح له الثغرات الموجودة في هذا القانون الباب على مصراعيه للمماطلة والتسويف في إجراءات التقاضي منذ بدء الدعوى وحتى صدور الحكم فيها.

    ومن جملة هذه الثغرات أن المدعى عليه يستطيع الامتناع عن استلام الإعلان في موطنه ليتم إعادته مرة أخرى كسباً للوقت ونكايةً في الخصم([271]).

    كما أن المدعى عليه له الحق في طلب تأجيل نظر الدعوى من خمس إلى عشر مرات على الأقل، سواء كان طلب التأجيل لنفس السبب أو لأسباب أخرى مختلفة([272]).

    بل له الحق في طلب رد القاضي، مما يجبر المحكمة على وقف السير في الخصومة الأصلية حتى يفصل في طلب الرد، بل إذا تحقق له ذلك الهدف وهو عرقلة سير القضية، يسارع بالتنازل عن طلب الرد في الجلسة الأولى لنظر دعوى الرد، فيعفى بذلك من الغرامة وفقاً للقانون([273])، بل ربما لا يتنازل في الجلسة الأولى بل إلى ما قبل حجز دعوى الرد للحكم فيها ولا يضيره بعد ذلك دفع غرامة تافهة مقارنة بقيمة الدعوى المرفوعة والتي قد تكون بالملايين، وقد يوغل المدعى عليه في الكيد لخصمه فيطعن بالتزوير في مستند يثق في صحته([274])،([275]) وهذا كله وغيره من الحيل التي يتفنن فيها المدعى عليه - بمساعدة من لا أخلاق له من المحامين – من استغلال نصوص القانون وتوظيفها لتعطيل الفصل في الدعوى.

    نعم لقد أصبحت العدالة عرجاء بسبب بطئها الشديد في الوصول بالحق لصاحبه، ولو استمر الحال على ما هو عليه الآن لتحولت العدالة من عرجاء إلى كسيحة، بل ربما تقف كلياً عن الحركة، لأن الحق الذي يأتي بعد أوانه، لهو إلى الظلم أدنى وبه أشبه، فالعدل البطيء نوع من الظلم.

    بل ليس عدلاً ذلك الذي يرهق كاهل المستجير به، المتطلع إليه، المؤمل في إغاثته من الظلم الواقع عليه.

    وهذا يدعونا إلى القول بأن العدالة في محنة والحل السريع واجب حتمي([276]).

    فكيف تجيب المحكمة طلب المدعى عليه في تأجيل الدعوى أكثر من مرة لذات السبب نفسه، مع أن الأصل أن يتدخل القاضي لحسم هذه الفوضى إذا أدرك أن سبب طلب التأجيل إنما هو للمراوغة والمماطلة وإطالة أمد القضية، فيقطع الطريق أمام الخصم السيئ النية الذي يتفنن في الدخول من أي ثغرة كوسيلة للوصول إلى تأجيل القضية بغير مبرر مقبول مما يلحق ضرراً بسير العدالة، لأن تأخير نظر القضية، عن الجلسة المحددة لا يقتصر ضرره على تلك القضية بل يتعداها إلى إيقاع الاضطراب في سير العمل القضائي بأجمعه.

    فمتى ثبت للمحكمة أن الخصم لا يقصد سوى عرقلة سير الخصومة وجب الحكم عليه بدون تأخير، و إلا كان القاضي آثماً عند الله تعالى. لأنه يقر الظالم على ظلمه، ويفتح أمامه أبواب التحايل فيصبح القضاء وسيلة لأكل أموال الناس بالباطل، وبذلك تنقلب وظيفة القضاء رأساً على عقب([277]).

    حتى ولم يطلب المدعى عليه التأجيل عدة مرات لسبب واحد فإنه يستطيع أن يطلب التأجيل مرات عديدة ما دام السبب مختلف في كل مرة، فله أن يطلب تأجيل الدعوى مرة للإطلاع ومرة أخرى للاستعداد، ثم له الحق في طلب التأجيل لإعلان شهوده، بل قد يتطور الأمر فيطالب بإحالة القضية للتحقيق، وقد يتنازل عن هذا الطلب في وقت لاحق، ثم سرعان ما يدفع بالطعن في صحة المستند الذي قدمه خصمه في الدعوى، وقد يروق للمدعى عليه إدخال شخص آخر في الخصومة لا لشيء إلا لمجرد التسويف والمماطلة، فإذا ما وجد المحكمة تتأهب للفصل في الخصومة، طلب رد أحد قضاتها بحجة أن بينه وبين أحد الخصوم عداوة أو مودة، بل قد يفتعل المدعى عليه مشادة بينه وبين القاضي لتبرير طلب رده، ثم يتنازل عن هذا الطلب بعد ذلك كما تقدم، وقد تتفتق عبقريته فيدفع بعدم دستورية إحدى المواد التي تطبق على الخصومة، ليس هذا فحسب بل له الحق في طلب فتح باب المرافعة بعد إغلاقها بحجة أن لديه أدلة جديدة لم يكن في مقدوره تقديمها أثناء سير الدعوى، إلى آخر هذه الحيل التي برع فيها كثير من المحاميين.

    هذا كله مما يرسخ في أذهان الناس أن الخصومة أمام القضاء تسلخ وقتاً طويلاً يستطيع من خلاله المدعى عليه أن ينكل بالمدعي.

    الأمر الذي يجعل تحقيق العدالة مطلباً صعب المنال، إن لم يكن مستحيلاً في بعض الأحوال.

    لذلك كان لزاماً على المشرع أن يرد المكر السيئ إلى أهله، ولا يكون ذلك كذلك إلا بتقرير عقوبات مشددة على من تثبت مماطلته في خصومته كالحبس وغيرها من العقوبات التي تجعل الخصم المماطل يفكر ألف مرة قبل سلوك طريق التحايل بقصد المراوغة والتسويف.

    فهذا المطل ظلم بنص الحديث: (مطل الغني ظلم)([278])، وقد أمر الشرع بردع الظالم عن ظلمه: (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته)([279]).

    فالعدالة بدون قوة لا تستطيع أن تحقق أهدافها، والقوة بلا عدل استبداد وظلم، فلابد من التوأمة بين العدالة والقوة، بحيث تصبح العدالة قوية، والقوة عادلة.

    الفرع الثاني

    علاقة ظاهرة البطء في التقاضي بالظفر بالحق:

    ذكرنا فيما سبق أن الأفراد المتقاضين حينما يشعرون أن طريق القضاء لا يحقق لهم الوصول إلى حقهم في أقرب وقت وبأقل التكاليف فإن ذلك يدفعهم للتفكير بإتباع طرق أخرى غير طريق القضاء، تكون أيسر عليهم وأخف في تكلفتها وأسرع في إنصافهم وإيصال الحق إليهم في أسرع وقت ممكن.

    لذلك يفضلون المصالحة على بعض حقوقهم خشية أن يلجؤوا إلى القضاء فتمر السنون ولما يحصلوا على حقهم كما تقدم بيانه.

    وقد يعمدون إلى طريق آخر هو في جملته أيسر وأسرع في فصل الخصومات وقطع المنازعات، ذلك الطريق هو التحكيم([280])، فهو من الوسائل الفعالة التي يلجأ إليها المتخاصمون بمحض إرادتهم ورضاهم للإصلاح بينهم وأداء الحق لصاحبه ورد الظالم عن ظلمه.

    وإذا كان القضاء يشاطر التحكيم في هذه المهمة فإن التحكيم يمتاز عن القضاء بأنه أسرع منه في إنجازها، حيث أن المحكم يكون متفرغاً للنظر في قضية واحدة فيحصل له حسمها في أقرب وقت ممكن، بخلاف القاضي النظامي فإنه تتكدس أمامه القضايا ولا يحكم في القضية إلا بعد عدة تأجيلات لأدنى الأسباب كما تقدم، وهذا يستغرق وقتاً طويلاً، إضافة إلي أن التحكيم يوفر على الخصمين كثيراً من المصروفات المالية التي يتكبدها الخصوم عند رفع قضيتهم إلى القضاء النظامي.

    من جملة هذه الطرق التي يمكن لأصحاب الحقوق اللجوء إليها بديلاً عن القضاء: أخد الحق بطريق الظفر، وهذا كله مقيد بضوابطه الشرعية التي تكبح جماح صاحب الحق عن التعدي والتجاوز في استيفاءه لحقه.

    ولا يخفى أنه كلما تعقدت الطرق النظامية للحصول على الحق تبرز الحاجة للطرق البديلة، وكلما أدى اللجوء للقضاء إلى وقوع أصحاب الحق في الحرج الذي جاء الشرع برفعه كلما كان المسوغ للجوء الناس إلى استيفاء الحق بطريق الظفر أقوى، وبهذا تتضح العلاقة بين الظفر بالحق وبين ظاهرة البطء في التقاضي، حيث أن وجود هذه الظاهرة من أقوى الدوافع التي تدفع الناس لأخذ حقوقهم بطريقتهم الخاصة.




    ======

    تابع

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •