الغفلة



فضل الذكر:
قال ابن رجب: " وأما الذكر باللسان ، فمشروع في جميع الأوقات ، ويتأكد في بعضها . فمما يتأكد فيه الذكر عقيب الصلوات المفروضات " جامع العلوم والحكم الحديث رقم (50).
قال ابن رجب: " كان بعض السلف يقصد السوق ليذكر الله فيها بين أهل الغفلة . والتقى رجلان منهم في السوق ، فقال أحدهما لصاحبه : تعال حتى نذكر الله في غفلة الناس ، فخلوا في موضع ، فذكرا الله ، ثم تفرقا ، ثم مات أحدهما ، فلقيه الآخر في منامه ، فقال له : أشعرت أن الله غفر لنا عشية التقينا في السوق ؟" جامع العلوم والحكم، الحديث:(50).
قال ابن رجب: " وأطول ما يتخلل بين مواقيت الصلاة مما ليس فيه صلاة مفروضة ما بين صلاة العشاء وصلاة الفجر ، وما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر ، فشرع كل واحدة من هاتين الصلاتين صلاة تكون نافلة ؛ لئلا يطول وقت الغفلة عن الذكر ، فشرع ما بين صلاة العشاء ، وصلاة الفجر صلاة الوتر وقيام الليل ، وشرع ما بين صلاة الفجر ، وصلاة الظهر صلاة الضحى. وبعض هذه الصلوات آكد من بعض ، فآكدها الوتر " جامع العلوم والحكم، الحديث (50).
قال ابن القيم: " أن الذكر أصل موالاة الله عز و جل ورأسها والغفلة أصل معاداته ورأسها فإن العبد لا يزال يذكر ربه عز و جل حتى يحبه فيواليه ولا يزال يغفل عنه حتى يبغضه فيعاديه " الوابل الصيب (ض: 99).
نقل ابن القيم عن بعض السلف قوله: " ما أقبح الغفلة عن ذكر من لا يغفل عن ذكرك " الوابل الصيب (ص: 99).
قال ابن القيم: " أن الذكر يوجب صلاة الله عز و جل وملائكته على الذاكر ومن صلى الله تعالى عليه وملائكته فقد أفلح كل الفلاح وفاز كل الفوز " الوابل الصيب (ص: 100).
قال ابن القيم: " إن الله عز و جل يباهي بالذاكرين ملائكته " الوابل الصيب (ص: 102).
قال ابن القيم: " إن مجالس الذكر مجالس الملائكة ومجالس اللغو والغفلة الشياطين فليتخير العبد أعجبهما إليه وأولاهما به فهو مع أهله في الدنيا والآخرة " الوابل الصيب (ص: 65).

أسباب الغفلة:
قال ابن تيمية: " أن القلب كلما اشتدت به الغفلة اشتدت به القسوة فإذا ذكر الله تعالى ذابت تلك القسوة كما يذوب الرصاص في النار فما أذيبت قسوة القلوب بمثل ذكر الله عز و جل " الوابل الصيب (ص: 99).
قال ابن القيم متحدثاً عن قضاء الله تعالى على عبده: " كل قضائه عدل في عبده فإنه وضع له في موضعه الذي لا يحسن في غيره، فإنه وضع العقوبة ووضع القضاء بسببها وموجبها في موضعه فإنه سبحانه كما يجازي بالعقوبة فإنه يعاقب بنفس قضاء الذنب، فيكون حكمه بالذنب عقوبة على ذنب سابق فإن الذنوب تكسب بعضها بعضا وذلك الذنب السابق عقوبة على غفلته عن ربه وإعراضه عنه، وتلك الغفلة والإعراض هي في أصل الجبلة والنشأة فمن أراد أن يُكمله أقبل بقلبه إليه وجذبه إليه وألهمه رشده وألقى فيه أسباب الخير ومن لم يرد أن يُكمله تركه وطبعه وخلى بينه وبين نفسه؛ لأنه لا يصلح للتكميل وليس محله أهلاً ولا قابلاً لما وضع فيه من الخير " شفاء العليل (ص: 276).
قال ابن القيم: " إن إطلاق البصر يوجب استحكام الغفلة عن الله والدار الآخرة ويوقع في سكرة العشق " روضة المحبين (ص: 104).

آثار الغفلة وعلاجها:
قال ابن القيم: " إن الغافل بينه وبين الله عز و جل وحشة لا تزول إلا بالذكر " الوابل الصيب (ص: 63 ).
قال ابن القيم: " صدق التأهب للقاء الله من أنفع ما للعبد وأبلغه في حصول استقامته فإن من استعد للقاء الله انقطع قلبه عن الدنيا وما فيها ومطالبها، وخمدت من نفسه نيران الشهوات، وأخبت قلبه إلى الله، وعكفت همته على الله وعلى محبته، وإيثار مرضاته، واستحدثت همة أخرى وعلوما أُخر، وولد ولادة أخرى تكون نسبة قلبه فيها إلى الدار الآخرة كنسبة جسمه إلى هذه الدار بعد أن كان في بطن أمه فيولد قلبه ولادة حقيقية كما ولد جسمه حقيقة، وكما كان بطن أمه حجاباً لجسمه عن هذه الدار فهكذا نفسه وهواه حجاب لقلبه عن الدار الآخرة فخروج قلبه عن نفسه بارزا إلى الدار الآخرة كخروج جسمه عن بطن أمه بارزاً إلى هذه الدار ... فيقول القائل كيف يولد الرجل الكبير أو كيف يولد القلب لم يكن لهم إليها همة ولا عزيمة؟ إذ كيف يعزم على الشيء من لا يعرفه ولا يصدقه؟ ولكن إذا كشف حجاب الغفلة عن القلب صدق بذلك وعلم أنه لم يولد قلبه بعد والمقصود أن صدق التأهب للقاء هو مفتاح جميع الأعمال الصالحة والأحوال الإيمانية ومقامات السالكين إلى الله ومنازل السائرين إليه من اليقظة والتوبة والإنابة والمحبة والرجاء والخشية والتفويض والتسليم وسائر أعمال القلوب والجوارح " طريق الهجرتين (ص: 276).
قال ابن القيم: " إشراق الأرض بالنبوة وظلمتها بفقدها، المعرض عنها يتقلب في ظلمات، والمؤمن في أنوار فأهل الأرض كلهم في ظلمات الجهل والغي إلا من أشرق عليه نور النبوة " هداية الحيارى (ص: 192).
قال ابن القيم : " بعث الله رسله ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، فمن أجابهم خرج إلى الفضاء والنور والضياء، ومن لم يجبهم بقي في الضيق والظلمة التي خلق فيها، وهي ظلمة الطبع وظلمة الجهل وظلمة الهوى وظلمة الغفلة عن نفسه وكمالها وما تسعد به في معاشها ومعادها " هداية الحيارى (ص 192).

خطورة الغفلة:
قال ابن القيم: " إن أعظم الأسباب التي يحرم بها العبد خير الدنيا والآخرة ولذة النعيم في الدارين ويدخل عليه عدو منها هو الغفلة المضادة للعلم والكسل المضاد للإرادة والعزيمة هذان اصل بلاء العبد وحرمانه منازل السعداء وهما من عدم العلم " مدارج السالكين (1\112).
قال ابن القيم: " لا سبيل للغافل عن الذكر إلى مقام الإحسان كما لا سبيل للقاعد إلى الوصول إلى البيت " الوابل الصيب (ص: 62).
قال ابن القيم: " إن كل مجلس لا يذكر العبد فيه ربه تعالى كان عليه حسرة وترة يوم القيامة " الوابل الصيب (ص: 65)
عن الحسن أنه كان يقول : « ابن آدم ، إياك والتسويف؛ إنك بيومك ولست بغدك ، فإن يكن غد لك فاكسب في غد كما كسبت في اليوم، وإن لم يكن لك لم تندم على ما فرطت في اليوم » الزهد والرقائق لابن المبارك (ص: 10).
قال ابن القيم : " إن حجاب الهيبة لله عز وجل رقيقُ في قلوب الغافلين " آفة حجاب الغفلة وسعار الشهوة (ص: 9).
يذكر ابن القيم: أن من أسباب الغفلة: فراغ القلب، وانشغاله، وإطلاق البصر ثم " .... تنفرط عليه أموره ويقع في اتباع هواه وفي الغفلة عن ذكر ربه " الجواب الكافي (ص: 127)بتصرف.
قال ابن القيم: " فإذا اطمأنت من الشك إلى اليقين ومن الجهل إلى العلم ومن الغفلة إلى الذكر ومن الخيانة إلى التوبة ومن الرثاء إلى الإخلاص ومن الكذب إلى الصدق ومن العجز إلى الكيس ومن صولة العجب إلى ذلة الإخبات ومن التيه إلى التواضع ومن الفتور إلى العمل فقد باشرت روح الطمأنينة، وأصل ذلك كله ومنشؤه من اليقظة ... " الروح (ص: 255-223) .
قال ابن الجوزي: " متى تكامل [العقل] فقدت لذة الدنيا فتضاءل الجسم و قوي السقم و اشتد الحزن؛ لأن العقل كلما تلمح العواقب أعرض عن الدنيا و إلتفت إلى ما تلمح و لا لذة عنده بشيء من العاجل ، و إنما يلتذ أهل الغفلة عن الآخرة و لا غفلة لكامل العقل " صيد الخاطر - (ج 1 / ص 371)
اللهم اغفر لكاتبها وناقلها,وقارئها واهلهم وذريتهم واحشرهم معا سيد المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم