أمانة الكلمة
إيمان الخولي


يقول الله -جلَّ جلاله-: (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً)[الأحزاب: 72].
مفهوم الأمانة في شريعة الإسلام مفهوم عام شامل لأقوال العبد وأعماله، فكما أنه محاسب على أعماله، مُؤتَمَنٌ عليها؛ فهو محاسب على الأقوال، ومُؤتَمَن عليها.
- فالكلمة أمانة، فإمَّا أن تؤدي كلمة طيبة كلمة حق صادقة نافعة فتكتسب بها أجرًا وثوابًا، وإما كلمة خبيثة، وكلمة أريد بها باطل، إما كلمة تدخل بها الجنة، أو كلمة تهوى بها في النار سبعين خريفا.. تعلمون أن المرء يوم القيامة يحاسَب على أقواله كما يحاسب على أعماله وأفعاله، وتعلمون أن الله - عز وجل - يقول: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)[ق: 18]، ولعله لا تغيب عنكم الآية الكريمة: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ)[إبراهيم: 24-26].




(وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)[الإسراء: 36]. يقول - صلى الله عليه وسلم -: ((إن العبد ليتكلّم بالكلمة من سَخط الله، لا يظن أن تبلغ ما بلغت، يَكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه، وإن العبد ليتكلّم بالكلمة من رضوان الله، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه)) [[أخرجه مالك واحمد].
كم زلّت بالكلمات أرجل أقوام، وضلّوا عن سواء السبيل! يقول الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - في إخباره عن المستهزئين به وبأصحابه: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)[التوبة: 65 - 66]، أناس مع محمد - صلى الله عليه وسلم - مجاهدون معه في غزوة تبوك، تكلَّموا بكلمات زلّت بها القدم فنالوا الوعيد الشديد، قال قائلهم: "ما رأينا مثل قُرَّائنا هؤلاء، أكذبنا ألسنًا، وأرغبنا بطونًا، وأجبننا عند اللقاء! "؛ يَعنُون رسول الله وأصحابه، فجاء الوحي من الله ليطلع نبيَّه على تلكم المقالة السيئة، والمقالة الخبيثة، والمقالة المُنْبِئة عن نفاق وغِلٍّ على الإسلام وأهله، فجاؤوا ليعتذروا، وليقولوا: هي كلمات قلناها نقطع بها مَشَقَّة الطريق وعناءه، والرسول يقول لهم: (أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ)[التوبة: 65].
ولأهمية حفظ الكلمة في الأزمات كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول فيما يرويه ابن ماجه في السنن: ((إياكم والفتن، فإن وقع اللسان فيها مثل وقع السيف)).
وأمانة الكلمة تنقسم إلى ثلاثة أشياء:
• أولا: قول الحق.. عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما من صدقة أحب إلى الله - تعالى - من قول الحق)). فكم من شهادة زور تسببت في هدم بيوت؟ وكم من شهادة حق حافظت على الأرواح والأرحام؟ وكيف لا وقد أعدها رسول الله من الكبائر في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟)) قلنا: بلى يا رسول الله، قال: ((الشرك بالله، ثم عقوق الوالدين)) وكان متكئا فجلس، ثم قال: ((ألا وقول الزور، ألا وقول الزور)) فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت..




ولنرى أهمية قول الحق حتى في البيع والشراء: التجارة من المعاملات اليومية بين الناس التي انتشر عن طريقها الإسلام في البلاد لأمانة التجار وصدق كلمتهم؛ فعن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما))[رواه البخاري 4/275 ومسلم 1532].
وهكذا أيضا على الراعية نصح الراعي فقد حدث مرة أن رجلاً قال لعمر بن الخطاب أمير المؤمنين - رضي الله عنه -: اتق الله يا أمير المؤمنين. فردّ عليه آخر: تقول لأمير المؤمنين اتق الله؟! فقال عمر: دعْه فليَقلها، فإنه لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نسمعها منكم.
وأخرج البيهقي يقول المؤرخون: (كان لقول الحق أثر في نجاح سياسة عمر التجديدية، وكان لبطانته أثر في شد أزره وسداد رأيه وصواب قراره).
وأيضا أن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - قال لعمرو من مهاجر: (إذا رأيتني قد مِلت عن الحق فضع يدك في تلبابي ثم هزني، ثم قل: يا عمر، ما تصنع؟!).
إن قول الحق من أمانة الكلمة وحفظها في الحياة عامة، وفي الأزمات خاصة. فأمانة الكلمة: في قول الحق في أي مكان وفى الأزمات يحملها يوسف - عليه السلام - في الحبس وداخل الزنزانة يسأل عن فتيا ورؤيا، فلا يجيب عن الرؤيا ولا عن الفتيا حتى يقول: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)[يوسف: 39].




فإذا الله معه، يفرج كربه بكلمة حق قالها فكم مرة قلت الحق فنصرك الله به ومؤمن آل فرعون يكتم إيمانه، ولكنه ينبعث في فجوة من فجوات الغيظ والمعاناة فيقول: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ) [غافر: 28].
لم يخف من ذي سلطان ظالم ولم يخف الموت فليس عجبا إنه الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب نطق اللسان بالحق وبالحكمة وكان لسان الحال يقول: (فاقض ما أنت قاض إنما تقضى هذه الحياة الدنيا) والنموذج الثالث في هدهد، الهدهد يحمل هم الدعوة ويقول قول حق ينبه بها الأمة لأن تهب لنصرة الحق في أي مكان وليستح الإنسان أن يكون الهدهد أعز منه جانباً وأقوى همة وأكثر حماساً لدين الله، هدهد يطير من اليمن من سبأ ويقع إلى أرض كنعان أو إلى فلسطين في كلام بعض أهل العلم، فيتأخر على سليمان، ويريد سليمان أن يأخذ منه ضريبة التأخر، فيجيب: (وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ)[النمل: 22] ولكن اللافت للنظر أنه يقول عن المرأة تلك: (وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ)[النمل: 24].
أحس الهدهد أن له دورا حتما لابد أن يؤديه وأن عليه أمانة أو ليست آيات فرض الأمانة فرضت على الإنسان ولم تفرض على الحيوان لأنه مسخر لخدمه الإنسان وليس عليه حساب، فما بالك بالمحاسب يوم القيامة هل أديت الأمانة، هدهد نقم عليهم عملهم الخاطئ الوثني وأتى يخبرهم بعقيدة التوحيد لا إله إلا الله، ثم قال: (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ)[النمل: 25].




وانظر إليه كيف التفت إلى الخبء! لأنه هدهد ورزقه دائماً يخبئه، وأعظم معجزة عند الهدهد تخبئة الرزق، فمن يكشف رزقه إلا الله! فأشار أي: بلسان الوحدانية.
• ثانيا: التثبت في نقل الخبر. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((بئس مَطِيَّة الرجل: "زعموا")) [أبو داود] زعموا أو قالوا هذه الكلمة التي يبدأ بها مروج الإشاعات، فهو حتما لم يتثبت من الأمر يريد هدفه من نشر الأخبار أما المصلحة المادية أو الحصول على منصب أو الظهور الإعلامي أو مجارات الناس وكسب ودهم بقذف الناس والخوض في أعراضهم.
إن نقل الشائعات دون التثبت منها مرض اجتماعي خطير له أثر خبيث في إفساد القلوب، وإثارة الشحناء، ونشر العداوات،، ذلكم المرض هو مرض الإشاعات، أو مرض الشائعات، الإشاعات المختلقة فيسمعون كلمة واحدة، فيزيدون عليها مائة كلمة، ثم ينقلها الناس في الآفاق، وينقلها بعضهم إلى غيرهم حتى تصبح إشاعةً يسير بها بين القاصي والداني، ويؤدي إلى توهين العزائم بالإضافة إلى الأذى الذي يحدثه في أعماق النفوس أو لم يعلموا أن رسولهم الكريم عد أن التحدث بكل ما سمع نوع من أنواع الكذب، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع))[رواه مسلم] ورآهم النبي - عليه الصلاة والسلام - يعذَّب شدقه بالكلاليب فلما سئل عن هذا قال: هذا الرجل يقول الكذبة فتنطلق في الآفاق، يعني يأخذها الناس عنه، طبعاً هذا في عصرنا أوضح ما يكون لأن ما يُنشر في الصحافة أو في الإذاعة أو في التلفاز في أدوات الإعلام الحالية الكلمة تطبِّق العالم كله.. تطير طيراً، فمن أمانة الكلمة ومن حفظ الكلمة ألا تنقل من الأخبار إلا ما ثبت عندك، وأن تكون صادقاً في نقل ما ثبت، فليس كل خبر يصلك صحيحاً مطابقاً للواقع، وليس كل امرئ مأموناً على نقل الأخبار، فبعض الناس لهم عادة الزيادة في الكلام، وبعضهم له عادة الإنقاص منه، وبعضهم يضفي عليه عاطفته، وبعضهم يزيد فيه رأيه...، وقليل من الناس من يضبط ما نقل.
ذكروا في كتب الحديث عن الإمام مالك - رحمه الله - أن له إخواناً يتبارك بدعائهم لصلاحهم وخيرهم، غير أنه لا يأخذ من أحد منهم حديثاً؛ لأنهم لا يحسنون ضبط الحديث. جاء رجل لعمر بن عبد العزيز في يوم يقول له: يا أمير إن فلان يقول عليك كذا قال له عمر حسنا سننظر في أمرك، فإن كنت كاذبا صدق فيك قول المولى عز وجل قال الله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)[الحجرات: 6].
وإن كنت صادقا فأنت ممن قال فيهم: (هماز مشاء بنميم) وإن شئت عفونا عنك، فقال الرجل: العفو يا أمير المؤمنين العفو.. هكذا يجب التعامل مع الشائعات..
ألا يعلم النمام ناقل الأخبار أنه من المبغضون عند الله..
نعم اقرأ معي هذا الحديث وتدبره وروى أن النبي قال: ألا أخبركم بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: ((شراركم المشاءون بالنميمة المفسدون بين الأحبة والباغون)).
ولنا وقفة مع شائعة الإفك التي رميت بها زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - عائشة العفيفة ابنة الصديق الطاهرة، نأخذ منها العبرة والعظة، يقول الله - تعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْأِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ)[النور: 11-12] إلى أن قال - سبحانه -: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) وقد أخذت لها هذا الاسم من قول- تعالى -: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون).
وشيوع الفاحشة معناه هنا القذف، يدل عليه أن هذه الآية نزلت في قصة الإفك ولذا قال مجاهد وابن زيد: (الإشارة بهذه الآية إلى المنافقين عبد الله بن أبي ومن أشبهه)، لننظر كيف أن الحقد قد ملا قلوب المنافقين عندما رأوا المسلمين ملتفين حول قائدهم ومتوحدين على كلمة الإسلام هكذا المنافقين مروجين الإشاعات في كل زمان ومكان.




ولننظر سويا كيف نظر إلى هذه الإشاعة المؤمنين الصادقين الذين يمتلكون في قلوبهم كنز اسمه سلامة الصدر يقول الله - تعالى-: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين).
كذلك فعل أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري وامرأته - رضي الله عنهما - كما روى الإمام محمد ابن إسحاق: أن أبا أيوب قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة - رضي الله عنها - ؟ - قال: نعم. وذلك الكذب. أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب ؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله. قال: فعائشة والله خير منك..
والرواية تدل على أن بعض المسلمين رجع إلى نفسه واستفتى قلبه، فاستبعد أن يقع ما نسب إلى عائشة. كيف أصدق على الذين بذلوا وضحوا كل هذه الإفتراءات.
كيف أصدقها والذين يذيعونها هم القتلة والمفسدون.
نعم كان هذا هو الأولى.. أن يظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا. وأن يستبعدوا سقوط أنفسهم في مثل هذه الاتهامات.. فإن ما لا يليق بهم لا يليق بزوج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا يليق بصاحبه الذي لم يعلم عنه إلا خيرا.. بل لا يليق أن يصدقه على إخواننا الذين عاشوا بيننا. ومنهم من قال: (ولولا إذ سمعتموه قلتم: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا. سبحانك! هذا بهتان عظيم)
مثلما قالت السيدة زينب بنت جحش عندما سألها رسول الله، وكان رسول الله يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال: ((يَا زَيْنَبُ، مَاذَا عَلِمْتِ أَوْ رَأَيْتِ؟)) فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، ما علمتُ إلاَّ خيرًا. قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج رسول الله، فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة تحارب لها، فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك..
ومن الإشاعات المغرضة أيضا في عصر الصحابة أشيع في صلح الحديبية قتل عثمان، ونحو ذلك، بل أن مقتل الخليفة الراشد عثمان - رضي الله عنه - كان من أسبابه أخبار كاذبة، روجها عبد الله بن سبأ اليهودي وأعوانه تخيلوا إلى هذه الدرجة تسرى الإشاعة حتى تقتل..
ومن كل هذه المواقف نتعلم منهم عندما تشاع شائعة عن أحد أمامنا يجب أن نحسن الظن بالآخر وألا نصدق ناقل الإشاعة وأن نبغضه في الله؛ لأنه بغيض إلى الله: ((إن الله يبغض المشائون بالنميمة المفرقون بين الاحبة)).
وألا يحملني كلامه على أن أتجسس على الآخرين واتبع عوراتهم؛ إذ يقول - صلى الله عليه وسلم -: ((يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تتبعوا عورات الناس فمن تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته وفضحه ولو في بيته)) رواه البيهقي بلفظ ونحوه].
ولنا في رسول الله أسوة حسنة حيث أنه في غزوة الخندق أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- السعدين للتأكد من نقض اليهود للعهد. بل ذهب بنفسه ليستيقن الخبر، ولما سمع الصديق خبر وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يتكلم بكلمة، حتى دخل عليه -صلى الله عليه وسلم- وهو مسجى فتأكد بنفسه ثم خرج على الناس فتكلم، بذلك ونختم هذه الجزئية من حديثنا عن الشائعات وضرورة التثبت من الأخبار بقول المولى -عز وجل-: (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين) فإن كنتم مؤمنين حقا عليكم براب الصدع في أمتنا الإسلامية من أجل وحدتنا، فمن جمعتهم الثورات لا تفرقهم الإشاعات) النقطة الثالثة: العدل في النقد. ينبغي للإنسان أن يرعى الكلمة ويقول الحق ولو على نفسه، كما قال - تعالى -: (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين) يعني لا يمنعك محبة من تحب أن تقول الحق أو تشهد به ولا يمنعك كراهة من تكره في الآية الأخرى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)، "الشنآن" شدة العداوة والبغض سواء شدة عداوتهم لك أو شدة عداوتك لهم لا يمنعك هذا ولا يحملنك على أن تقول غير العدل، والله - تعالى – يقول: (وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى) ولو أن رجال الإعلام ورجال العلم، ورجال الثقافة كل واحد راعى الحق في أداء كلمته بحيث لا يخبر إلا بالصدق ولا يقول إلا الرأي الذي يعتقد أنه حق حتى وإن كان خطئاً يعني المهم لا يقول إلا ما يعتقد أنه الصواب حتى إذا أخطأ هو مأجور على هذا الخطأ، إذا كان بعد تحرٍّ واجتهاد، فأمانة الكلمة هي من أهم الأمانات التي يحرص عليها الإسلام ويجعل الإنسان يرعى الله في شأنها.
إن الكلام في الآخرين بدون علم ولا عدل، بل بظلم وهوى ذلك سبب لكثير من التفرق بالقلوب، وحدوث الشحناء والحسد والتباغض بل سبب لفشل وذهاب وحدة الصف وقوته وفي الحديث الصحيح: ((كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ))[أخرجه الترمذي].




قال ابن تيمية: "ليس من شرط ولي الله أن يكون معصوماً من الخطأ والغلط، بل ولا من الذنوب".
فعن على بن أبى طالب روى الإمام البخاري - رحمه الله - في "صحيحه"، عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: "بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا مرثد والزبير -وكلنا فارس-، قال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها امرأة من المشركين معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين، فأدركناها تسير على بعير لها، حيث قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلنا: الكتاب؟. فقالت: ما معنا من كتاب، فأنخناها، فالتمسنا فلم نر كتاباً، فقلنا: ما كذب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لتخرجن الكتاب، أو لنجردنك، فلما رأت الجد، أهوت إلى حجزتها - وهى محتجزة بكساء - فأخرجته، فانطلقنا بها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال عمر: يا رسول الله؛ قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما حملك على ما صنعت؟ قال حاطب: والله ما بي أن لا أكون مؤمناً بالله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، أردت أن تكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله، فقال - صلى الله عليه وسلم -: صدق، ولا تقولوا إلا خيراً. فقال عمر: إنه قد خان الله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه، فقال: أليس من أهل بدر؟ لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة-أو: فقد غفرت لكم، فدمعت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم« ا هـ.
من هذه الحادثة نستطيع أن نحدد ثلاث مراحل للمعالجة العادلة للخطأ، مهما كانت ضخامته.
1- المرحلة الأولى: مرحلة التثبت من وقوع الخطأ، وفي هذه الحادثة قد تم التثبت عن طريق أوثق المصادر، ألا وهو الوحي، حيث أوحى الله - عز وجل - إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بخبر الكتاب الذي أرسله حاطب مع المرأة، وأين هي المرأة.
2- المرحلة الثانية: مرحلة تبيُّن الأسباب التي دفعت إلى ارتكاب الخطأ، وهذا الأمر متمثل في قوله - صلى الله عليه وسلم - لحاطب: (ما حملك على ما صنعت؟)، وهذه المرحلة مهمة، لأنه قد يتبين بعد طرح هذا السؤال أن هناك عذراً شرعياً في ارتكاب الخطأ، وتنتهي القضية عند هذا الحد، فإذ لم تنته عند هذا الحد مثلما ظهر في قضية حاطب، وأن العذر الذي أبداه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن مقنعاً، ولكنه طمأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على صدق حاطب وأنه لازال مسلماً، نقول: إذا لم يكن العذر مقنعاً من الناحية الشرعية فإنه يصار إلى:




3- المرحلة الثالثة: وفيها يتم جمع الحسنات والأعمال الخيرة لمرتكب الخطأ، وحشدها إلى جانب خطئه، فقد ينغمر هذا الخطأ أو هذه السيئة في بحر حسناته، وهذا هو الذي سلكه الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع حاطب -رضي الله عنه-، حيث قال - صلى الله عليه وسلم - لعمر عندما استأذن في قتل حاطب: ((أليس من أهل بدر؟)) فقال: لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة-أو: غفرت لكم)).
وهذه مواقف أخرى:
عندما ترجم الذهبي ليزيد بن معاوية في "سير أعلام النبلاء" قال: (له على هناته حسنة، وهي غزو القسطنطينية، وكان أمير ذلك الجيش وفيهم مثل أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه-، ثم قال: (ويزيد ممَّن لا نَسُبُّه ولا نُحِبّه، وله نظراء من خلفاء الدولتين، وكذلك في ملوك النواحي، بل فيهم من هو شر منه)..
هناك خطوات عملية للعدل في النقد:
الإنصاف النقد هو حالة تقويم.. حالة وزن بالقسطاس المستقيم، وكلّما كنت دقيقاً في نقدك، بلا جور ولا انحياز ولا تعصب ولا إفراط ولا تجاوز، كنت أقرب إلى العدل والانصاف، وبالتالي أقرب إلى التقوى، قل في منقودك ما له وما عليه.. قل ما تراه فيه بحق ولا تتعدّ ذلك فـ « مَنْ بالغ في الخصومةِ أثِم» اجمع الإيجابي إلى السلبي وهذا الأسلوب هو من الأساليب المحبّبة في النقد، حيث تبدأ بالإيجابي فتشيد به وتثمّنه ثمّ تنتهي إلى السلبي، وبهذه الطريقة تكون قد جعلت من الإيجابيات مدخلاً سهلاً للنقد، لأنّك بذلك تفتح مسامع القلب قبل الأذنين ليستمع الآخر إلى نقدك أو نصيحتك.. إنّك تقول له: إنّه جيد وطيب وصالح ومحترم لكنّ ثمة مؤاخذات لو انتبه إليها لكان أكثر حسناً وصلاحاً.
فإذا ما احترمت إيجابيات الشخص المنقود وحفظتها له، ولم تنسفها أو تصادرها لمجرد ذنب أو خطأ أو إساءة، فإنّك سوف تفتح أبواب الاستماع إلى ما تقول على مصراعيها، وبذلك تكون قد حققت هدفك من النقد، وهو إيصال رسالة للمنقود حتى يرعوي أو يتعظ، كما إنّك لم تجرح إحساسه ولم تخدش مشاعره.
وقد دعا القرآن المسلمين إلى احترام إيجابيات الناس في قوله - تعالى -: (ولا تبخسوا الناس أشياءهم). فلقد مرّ عيسى - عليه السلام - وحواريّوه على جثّة كلب متفسّخة، فقال الحواريون:
ـ ما أنتن جيفة هذا الكلب! وقال عيسى - عليه السلام - انظروا إلى أسنانه.. ما أشدّ بياضها! لقد كان الحواريون محقّين في نقدهم للجثّة المتفسخة التي تنبعث منها روائح كريهة، لكنّهم ركّزوا على السلبي (الطاغي) على الجثّة. أمّا المسيح - عليه السلام - فكان ناقداً لا تفوته اللفتة الإيجابية الصغيرة حتى وإن كانت (ضائعة) وسط هذا السلب من النتانة. وهذا درس نقديّ يعلّمنا كيف أنّنا يجب أن لا نصادر الإيجابية الوحيدة أو الصغيرة إذا كان المنقود كتلة من السلبيات.
أعطه فرصة الدفاع عن نفسه حتى ولو كوّنت عن شخص صورة سلبية فلا تتعجّل بالحكم عليه.. استمع إليه أوّلاً..
أعطه فرصة كافية ليقول ما في نفسه وليدافع عن موقفه. قل له: لقد بلغني عنك هذا، واترك له فرصة الدفاع وتقديم الإفادة، أي افعل كما يفعل القاضي العادل فهو يضع التهمة بين يدي المتهم ويعطيه فرصة للدفاع عن نفسه وموقفه، إمّا مباشرة أو عن طريق محام، فلا تأتي كلمة القضاء الفصل إلاّ بعد أن يدلي الشهود بشهاداتهم، والمحامي بمرافعته لكيلا يُغمط حق المتهم لا تكل بمكيالين إن من مقتضى العدل والانصاف أن لا تكون إزدواجياً في نقدك فإذا انتقدت صديقاً في أمر ما، وكنت سكتّ عن صديق آخر كان ينبغي أن تنقده للشيء ذاته، فأنت ناقد ظالم أو منحاز بالنسبة للمنقود لأنّه يرى أنّك تكيل بمكيالين، تنتقده إذا صدر الخطأ منه، وعندما يصدر الخطأ نفسه من صديق آخر فإنّك تغضّ الطرف عنه محاباة أو مجاملة له. وقد تكون الازدواجية في أنّك تنقد خصلة أو خلقاً أو عملاً ولديك مثله، وهنا عليك أن تتوقع أن يكون الردّ من المنقود قاسياً:
يا أيُّها الرجلُ المعلّمُ غيره *** هلاّ لنفسِكَ كان ذا التعليمُ
ومن مساوئ هذه الحالة أنّ المنقود سوف يستخفّ بنقدك ويعتبره تجنياً وانحيازاً.
فلقد كتب اثنان من الأطفال كتابة وعرضاها على الحسن بن علي -رضي الله عنه- وقالا له: أيّنا أحسنُ خطاً، وكان أبوه (علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-) حاضراً، فقال له: احكم بينهما بالعدل، فإنّه قضاء! فإذا كان العدل مع الصغار مطلوباً، فكيف بالكبار؟!
لا تفتح الدفاتر القديمة: انقد الجديد ودع القديم.. لا تذكّر بالماضي لأنّ صفحته انطوت.. ولا تنكأ الجراح، فقد تضيّع الهدف من النقد لما جرى مؤخراً، وربّما تغلق مسامع المنقود عن نقدك وتستثيره لأ نّك نبشت ما كان دفيناً.
إن أخطاء الماضي قد يخجل المنقود من ذكرها، وربّما تجاوزها وعمل على إصلاحها فتذكيره بها أو ربطها بالأخطاء الجديدة يجعلك في نظره إنساناً غير متسامح، فلا تصفح ولا تمحو، وكأنّك تريد أن تقول له: ما زلت على ضلالك القديم، وهذا أمر لا يطيقه، وربّما ثأر لنفسه منك التدرج في النقد ما تكفيه الكلمة لا تعمّقه بالتأنيب، وما يمكن إيصاله بعبارة لا تطوّله بالنقد العريض، فالأشخاص يختلفون، فربّ شخص تنقده على خطئه ويبقى يجادلك، وربّ آخر يرفع الراية البيضاء منذ اللحظة الأولى ويقرّ معترفاً بما ارتكب من خطأ، وربّ ثالث بين بين.
ولذا فقد تكون كلمات من قبيل (ألا تستحي)؟ (أما فكّرت بالأمر ملياً)؟ (هل هذا يليق بك كمؤمن)؟ (هل ترى أن هذا من الإنصاف)؟ وما شاكل، تغني عن كلمات طويلة، الأمر الذي يستحبّ معه التدرج في النقد والانتقال من اليسير إلى الشديد.
انقده لشخصه: قد يخرج بعض أصدقائك أو إخوانك عن حدود الأدب واللياقة في النقد، فلا يكتفي بنقدك شخصياً، وإنّما يتعدّى إلى والديك وإخوتك فيرشقهم بسهام نقده مما يعقد الموقف ويحول النقد إلى مهاترة.
فلا يصح أن تنساق معه، وإذا كان بينك وبينه نقد، أي أردت أن تنقده أيضاً فانقده لشخصه لأنّه هو موضع النقد وليس والديه: (ولا تزِرُ وازرة وزر أخرى).
تذكّر أنّ كلّ إنسان يحبّ ذاته، فلا تحطّم ذاته بنقدك القاسي الشديد، كن أحرص على أن ترى ذاته أجمل وأكمل وأنقى من العيوب.. وقل له ذلك. قل له: إنّ دافعك إلى النقد أن تراه فوق نقدك، وعندها تكسب أخاً حبيباً بدلاً من أن تخلق لك عدواً.