الشيخ عبد الحميد بن باديس

ولد عبد الحميد بن محمد المصطفى بن باديس الصنهاجي، بمدينة قسطنطينة عاصمة الشرق الجزائري في 12ربيع الثاني من سنة 1307هـ الموافق ليلة الجمعة 4 ديسمبر عام 1889م ... والده هو السيد محمد المصطفى بن مكي بن باديس كان حافظًا للقرآن الكريم، ويشتغل بالتجارة والفلاحة، ويعد من أعيان مدينة قسطنطينة وسراة أهلها، ويرجع أصل قبيلته إلى ملكانة وهي فرع من أمجاد القبيلة الصنهاجية العظيمة "البربرية" المشهورة في الجزائر والمغرب الإسلامي، ومن رجالات هذه الأسرة المشهورين في التاريخ، والذي كان الشيخ عبد الحميد بن باديس يفتخر به كثيرا "المعز لدين الله بن باديس الصنهاجي "(حكم: 406-454 هـ/1016-1062 م) مؤسس دولة صنهاجة والذي تم على يده فصل المغرب الإسلامي عن الخلافة الفاطمية ووصله سياسياً بالقائم بأمر الله الخليفة العباسي، وحمله دينياً على مذهب اهل السنة والجماعة بدل المذهب الشيعي الإمامي.

وقد حفظ ابن باديس القرآن وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ثم تتلمذ على الشيخ أحمد أبو حمدان الونيسي، فكان من أوائل الشيوخ الذين كان لهم أثر طيب في اتجاهه الـديـنـي، فلا ينسى ابن باديس أبداً وصية هذا الشيخ له إذ يقول "وإني لأذكر له وصية أوصاني بها، و عهدا عهد به إلي، وأذكر ذلك العهد في نفسي ومستقبلي وحياتي، فأجدني مدينا لهذا الرجل بمنة لا يقوم بها الشكر، فقد أوصاني وشدد علي أن لا أقرب الوظيفة ما حييت، ولا أتخذ علمي مطية لها، كما كان يفعله أمثالي في ذلك الوقت."

وينتقل ابن باديس بعد ذلك إلى تونس عام1908 ليدرس فى جامع الزيتونة، فأخذ التفسير على الشيخ محمد النخلي القيرواني، وكان يدين له بالفضل فيه، وأخذ الأدب العربي وديوان الحماسة لأبي تمام على الشيخ محمد الطاهر بن عاشور صاحب تفسير "التحرير والتنوير"وكان ابن عاشور فى بداية حياة التدريس بالزيتونة فهو أسن من ابن باديس بعشر سنوات فحسب.

ولابن عاشور على ابن باديس فضل يتجاوز علم اللغة والأدب، فقد كان ابن عاشور متأثرا بمدارس الإصلاح الإسلامى التى كانت تدعوا إلى نهضة الأمة الإسلامية وخاصة الدعوة الوهابية، كما كان له دعوة لإصلاح التعليم فى كتابه "أليس الصبح بقريب" الذي ألفه سنة 1907م، والذى عاب فيه على مناهج الزيتونة العقم والجمود، الأمر الذى أثر فى ابن باديس وتوجهه الإصلاحى نحو الفكر السلفى فى مقابل الفكر الصوفى الطاغى فى العام الإسلامى آنذاك بوجه عام وفى الجزائر بوجه خاص، كما حاول الاستفادة من تصورات ابن عاشور الإصلاحية فى التعليم في مناهج مدرسته التربوية التي أسسها في الجامع الأخضر في قسنطينة.

وفى عام 1912 نال شهادة "التطويع" وهى شهادة التخرج من الزيتونة، وكعادة الخريجين في ذلك الوقت كان عليه أن يدرّس في جامع الزيتونة عاما واحدا، فأمضاه ثم عاد إلى قسنطينة وشرع لتوه في العمل التربوي والتعليمى، فواجهته تعقيدات وممانعة من المسؤلين لأن دروسه كانت ثورة على البدع والخرافات فحركت عقول الناس وكانت عاملا على تنبيههم من حالة الاحتلال والجهل، فحملته هذه الممانعة على العودة مرة أخرى لتونس ليبدأ بعدها رحلة قصد فيها مكة للحج ثم المدينة النبوية حيث التقى بأستاذه الشيخ حمدان الونيسي الذي صار مدرساً بالمسجد النبوي بعد هجرته من الجزائر، والتقى بالعالم الكبير الشيخ حسين أحمد الهندي كما ألقى دروسا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما أراد الاستقرار في الحجاز، نصحه الشيخ الهندي بالرجوع إلى الجزائر لخدمة دينه ووطنه، والتقى فى هذا التوقيت بقرينه ورفيق دعوته الشيخ محمد البشير الإبراهيمي حيث وضعا اللبنات الأولى لمشروعهما الإصلاحى فى الجزائر.

وفى عودته إلى الجزائر مر ابن باديس بالشام واجتمع بعلمائه وأدبائه، وزار مصر وعلماءها كالشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية آنذاك فأجازه، وزار أيضاً الجامع الأزهر واطلع على مناهج التدريس فيه.

عاد ابن باديس إلى قسنطينة للمرة الثانية1917، واستأنف فيها نشاطه التربوي، فأسس مدرسة عصرية في جامعها الأخضر الذي شهد إقبال الطلبة من جميع نواحي الجزائر، ومن هناك كانت ولادة النهضة الإصلاحية في القطر الجزائري.

فقد كان ابن باديس يعتبر التعليم أساس الإصلاح، ويرى أن الإصلاح لا يكون إلا بالعودة لأصول السلف بإحياء السنة ومقاومة البدعة فيقول عن الإصلاح أنه:" إرجاع الشيء إلى حالة اعتداله بإزالة ما طرأ عليه من فساد"، ويرى أن صلاح العلماء شرط لكل إصلاح فقال:"لن يصلح المسلمون حتى يصلح علماؤهم، ولن يصلح العلماء إلا إذا صلح تعليمهم، ولن يصلح هذا التعليم إلا إذا رجعنا به للتعليم النبوي في شكله وموضوعه في مادته وصورته" أو بمعنى آخر يجب الاعتماد على القرآن، والسنة، وكتب السلف الصالح، كمقررات أساسية لتعليم النشء دينهم ولغتهم العربية الصحيحة، وتاريخ أمتهم والحفظ وسيلة، والمسجد مكانا.

وما أن آتت هذه المدرسة ثمارها حتى بعث بخريجيها إلى الزيتونة والأزهر وفاس ليكونوا النواة للنهضة العلمية فى الجزائر والتى قامت على أكتاف هؤلاء المبعوثين عند عودتهم.

ولم تكن هذه المدرسة قاصرة على الطلبة المنتظمين فحسب بل فتح المجال فيها لدروس التثقيف العام لعموم الناس, وفي الأوقات الملائمة لهم, وكانت دروس تفسير القرآن الكريم أهم هذه الدروس, التي كان يحضرها جمع غفير يقدر بالمئات، وكان رحمه الله يدرس فى هذه المدرسة على امتداد اليوم من بعد صلاة الفجر وإلى ساعة متأخرة بعد العشاء، لايقوم من التدريس إلا لصلاته وطعامه فحسب.

كما اهتم ابن باديس بتعليم المرأة المسلمة اهتمامًا كبيرًا، مدركًا الخطر المحدق بالأمة إذا تُركت المرأة بغير تعليم، لقد نادى الشيخ ابن باديس بضرورة تعليم البنات وتوفير المكان المناسب لهن دون الاختلاط بالذكور، معطيًا بذلك روحًا جديدًا للتعليم في الجزائر لم تكن معهودة فيها من قبل: "ذلك لأن المجتمع لا ينهض إلا بالجنسين الرجل والمرأة مثل الطائر لا يطير إلا بجناحيه".

ويركز ابن باديس على إعداد المرأة المسلمة للقيام بوظيفة تربية الأجيال، فيشير إلى ذلك بقوله: "إذا أردنا أن نكوِّن رجالاً، فعلينا أن نكوِّن أمهات دينيات، ولا سبيل إلى ذلك إلا بتعليم البنات تعليما دينيا، وتربيتهن تربية إسلامية، وإذا تركناهن على ما هن عليه من الجهل بالدين فمحال أن نرجو منهن أن يكوِّنَّ لنا عظماء الرجال.. وشر من تركهن جاهلات بالدين، إلقاؤهن حيث يربين تربية تنفرهن من الدين أو تحقره في أعينهن؛ فيصبحن ممسوخات لا يلدن إلا مثلهن".

وانطلقت من الجامع الأخضر الفكرة الإصلاحية التربوية لتبنى فى أنحاء الجزائر مدارسا على غرار مدرسة الجامع الأخضر يقودها تلاميذ الشيخ حتى غدت نحو 70 مدرسة فى عام 1935، تنشر القرآن والسنة وتثبت دعائم اللغة العربية وحضارتها فى مواجهة الفرنسة والتنصير ومحاولات محو الهوية الإسلامية للجزائر.

وانتبهت فرنسا إلى خطر هذه المدارس، وخشيت من انتشار الوعي الإسلامي، فعطّلت المدارس، وزجت بالمدرسين في السجون، وأصدر المسئول الفرنسي عن الأمن في الجزائر، في عام 1933تعليمات مشددة بمراقبة العلماء مراقبة دقيقة، وحرم على غير المصرح لهم من قبل الإدارة الفرنسية باعتلاء منابر المساجد، ولكي يشرف على تنفيذ هذه الأوامر، عيّن نفسه رئيسًا للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، إلا أن ذلك لم يقض على المدارس أو الفكرة من ورائها.

ولابن باديس جهاد آخر فى تأسيس جمعية علماء المسلمين الـجزائريين عام 1931مع رفيقه البشير الإبراهيمى وما يزيد عن مائة من علماء الجزائر، وانتخب رئيسا لها، وركّزت الجمعية في مراحلها الأولى على الأهداف التالية:

1 ـ إصلاح عقيدة الشعب الجزائري، وتنقيتها من الخرافات والبدع، وتطهيرها من مظاهر التخاذل والتواكل التي تغذيها الطرق الصوفية المنحرفة.

2 ـ محاربة الجهل بتثقيف العقول، والرجـوع بها إلى القــرآن والسنــة الصحيحة، عن طريق التربية والتعليم.

3 ـ المحافظة على الشخصيـــة العربيــة الإسلاميــة للشعـب الجزائـــري، بمقاومة سياسة التنصير والفرنسة التي تتبعها سلطات الاحتلال.

وكان لمقاومة البدع والصوفية نصيب عظيم فى منهج ابن باديس، فهاهو ينصح علماء الزّيتونة ويستنكر فيه صمتهم عن مقاومة البدع بعد أن ذكر تحرك علماء الأزهر وعلماء طرابلس الغرب وطالبوا بوجوب إلغاء ممارسات أصحاب الطّرق وشعوذتهم وتوجيه علماء المغرب نداءاً إلى ملكهم يدعو إلى منع بدع الطّوائف كالعيسوية، فهو يسائلهم مستنكراً «فأين أنتم أيها الشّيوخ، وأين إيمانكم؟ ها أنتم أولاء تُسألون عن البدع والمنكرات الفاشية في المسلمين باسم الدين، البدع التي أماتت ضمائرهم وخدّرت عقولهم وجمّدت أفكارهم وأفسدت أخلاقهم وأضاعت أموالهم، وسلبتهم حقيقة دينهم، وتركتهم بلاءاً على أنفسهم، وفتنة لغيرهم، فهل أنتم ساكتون، وبالتّخوف على مناصبكم معتذرون؟".

وفضح عقائد معاصره ابن عليوة الحلولية، الأمر الذى أدى بأتباع ابن عليوه لمحاولة اغتيال الشيخ عام 1926، لكن نجاه الله من مكرهم فأصيب فى رأسه ولم يمت، ومما يبين عفو الشيخ وتسامحه وكرمه أنه عفا عن القاتل أثناء محاكمته.

ولابن باديس ساحة أخرى بذل فيها لله وهى ساحة الصحافة فأصدر أول جريدة له باسم "المنتقد" 1925عام وكما يدل عليها اسمها فقد كانت ثورة على كل المظاهر المنحرفة في المجتمع الجزائري وركزت على نقد الطرق الصوفية التى كانت توجه أتباعها من خلال المقولة الخطيرة "اعتقد ولا تنتقد" فكان ابن باديس رحمه الله يردد "انتقد ولا تعتقد"، وأصدر مجلة "الشهاب"عام1926 بعد إيقاف "المنتقد"، وكان لها شعار إصلاحي تربوي يتضمن مقولة الإمام مالك رحمه الله "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها". كما ساهم الشيخ ابن باديس في إصدار العديد من الجرائد والمجلات الأخرى منها: السنة، الصراط السوى، الشريعة الغراء، والبصائر.

وعلى الرغم من أن الشيخ لم يؤلف في حياته كتبا إلا ان تلميذه محمد الصالح رمضان قام من بعده بجمع تفسيره الذى ألقاه على مدى 25سنة فى الجامع الأخضر بقسنطينة، وجمع شرحه للحديث النبوي ودروسه في العقيدة، وتاريخه للصحابة تحت هذه العناوين مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، ومجالس التذكير من حديث البشير النذير، والعقائد الإسلامية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ورجال السلف ونساؤه.

توفي الشيخ عبد الحميد ابن باديس في مسقط رأسه بقسنطينة عن عمر يناهز 51 عاما يوم الثلاثاء 16 أبريل1940، وحمل جثمانه طلبة الجامع الأخضر دون غيرهم وسط جموع غفيرة تزيد عن مائة ألف نسمة، جاءوا من كافة أنحاء القطر الجزائري، في حين كان عدد سكان قسنطينة آنذاك لا يتجاوز 50 ألف نسمة