صور من أخلاق الرسول مع الأعداء
عبد السلام حمود غالب

لقد أدهش العالمَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تعامله مع أعدائه وهو متمكّن منهم، فلم يظهر في التاريخ أرحم منه مع أعدائه رغم ما كان يلاقيه منهم من الأذى).
إلا أنه كان مثالاً للأخلاق الحسنة، متمثلاً لشعار العفو عند المقدرة، فالأخلاق الحسنة ميراث الصالحين والمؤمنين: ((إنما مكارم الأخلاق ميراث المؤمن))[رواه أبو داود].
ورسول الله ماسك بلجامها، متمسك بها، داعيا إليها، ومتمما لها: ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) ويقول -تعالى- عن أخلاقه: (وإنك لعلى خلق عظيم).
ويقول -تعالى-: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا) [الأحزاب21)].
ماذا أقول، وماذا أحدث عن رجل هدى الله به الحيارى، وأرشد به الضلال، ماذا أقول وبأي لغة أتحدث، وبأي عبارات أتلفظ عن إمام البشرية، وقدوة الإنسانية، يمازح الصغير، فيقول له: ((يا أبا عمير ما فعل النغير)) ويجلس مع الفقير والعبد الأسود والأمة، ويخدم أهله، ويقوم في أعماله الخاصة، فيخصف نعله، ويخيط ثيابه، ويلبى الدعوة، وينصح لهذه الأمة، شعاره الرحمة بها، والحرص عليها، تقول عائشة: ((ورب إبراهيم -غضبانة ًمنه- فيبتسم لها صلى الله عليه وسلم))، ويشده الإعرابي ويقول له: ((أعطني من مال الله الذي أعطاك ليس من مالك ولا مال أبيك)) فيعطيه صلى الله عليه وسلم. ولم يعنف عليه.
عندما قدم الرسول -صلى الله عليه وسلم- مهاجراً للمدينة، لم ينس أصحابه المهاجرين -رضي الله عنهم-، بل آخى بينهم وبين الأنصار، ولم ينس فضل الأنصار وتكرمهم وإحسانهم للمسلمين، ورد لهم الجميل بأحسنه، فقال: ((استوصوا بالأنصار خيراً)) وقال صلى الله عليه وسلم: ((آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار)) وقال مخاطباً الناس: (أن الأنصار قضوا الذي عليهم، وبقي الذي عليكم فأحسنوا إلى محسنهم، وتجاوزا عن مسيئهم)).
حسن تعامله مع أصحابه:
ومن تعامله مع صاحبه وتقديره له أنه لما دخل الرسول -صلى الله عليه وسلم - المسجد يوم الفتح أتى أبو بكر بوالده أبي قحافة يقوده فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه!!)) قال أبو بكر: يا رسول الله هو أحق أن يمشى إليك من أن تمشى إليه.
وأيضاً من فن تعامله -صلى الله عليه وسلم- ما فعله مع حاطب بن أبي بلتعة عندما كتب كتاباً إلى أهل مكة يخبرهم بتحرك الجيش الإسلامي لفتح مكة فقال عمر ائذن لي يا رسول الله أضرب عنقه، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ماشئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو غفرت لكم)) فدمعت عينا عمر -رضي الله عنه- وقال: الله ورسوله أعلم.
وهذا بيان شرف أهل بدر وعظيم فضلهم وتقدير الرسول -صلى الله عليه وسلم- لهم.
ومن حسن تعامله -صلى الله عليه وسلم- أنه من صنع له معروفاً دعاً له وجازاه بالإحسان، فعندما وضع ابن عباس وضوء النبي -صلى الله عليه وسلم- دعا له، فقال: ((اللهم! فقه في الدين، وعلمه التأويل)).
حسن تعامله مع أعدائه:
ومن فن تعامله -صلى الله عليه وسلم- عندما قدم المدينة أنه وضع ميثاقاً في غاية الدقة، وحسن السياسة.
فألف بين سكان المدينة من الأنصار والمهاجرين وجيرانهم من طوائف اليهود وربط بينهم فأصبحوا به كتله واحدة يستطيعون أن يقفوا في وجه كل من يريد أهل المدينة بسوء.
وثبت عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه قال لرسولي مسيلمة الكذاب لما قالا عن مسيلمة: إنه رسول الله: ((لولا أن الرسل لا تُقتل لقتلتكما)) وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((من كان بينه وبين قوم عهد فلا يُحلَّن عقداً، ولا يشُدنه حتى أمدُهُ، أو يَنْبِذ إليهم على سواء)).
ولما أسرت قريش حذيفة بن اليمان وأباه أطلقوهما، وعاهدوهما أن لا يقاتلاهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانوا خارجين إلى بدر، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((انصرفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم)).
وفي معركة بدر عندما أسر المسلمون سبعين رجلاً من المشركين قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: ((استوصوا بالأسارى خيراً)) فانظر إلى هذا التعامل مع أعداء محاربين يريدون أن يقضوا على الإسلام والمسلمين ويقول للصحابة: ((استوصوا بالأسارى خيراً)).
وعندما أتى عمير بن وهب المدينة بعد معركة بدر متفقاً مع صفوان بن أمية على أن يتكفل صفوان بدينه وعياله وأن يقتل هو الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
فعلم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالوحي من عند الله، فكيف تعامل معه الرسول قربه إليه، وقال: أدن يا عمير وأخبره بخبره فأسلم عمير مباشرة.
وأيضا ما فعله فضالة بن عمير بن الملوح أنه فكر في قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يطوف فوضع النبي - صلى الله عليه وسلم - يده على صدره فسكن قلب فضالة وحسن إسلامه.
ومن تعامله العظيم - صلى الله عليه وسلم - ما فعله مع كفار قريش بعد الفتح: قال ((يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟)) قالوا: خيراً أخ كريم وابن أخ كريم قال: ((اذهبوا فأنتم الطلقاء)) فعفا عنهم بعد أن أمكنه الله -تعالى- منهم، فضرب بذلك المثل في تعامله -صلى الله عليه وسلم- في العفو والصفح على الجناة بعد القدرة عليهم والتمكن منهم.
وكذلك من أعظم المواقف موقف الرسول مع أهل الطائف حيث قال لملك الجبال: ((لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يقول: "لا اله إلا الله")).
والآثارُ كثيرة في حسن تعامل الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع غيره، ويكفي من القلادة ما أحاطت بالعنق، ومن السوار ما أحاط بالمعصم كما يقال.
صور من تعامل الرسول مع المخالف كما وردت في القرآن:
الصورة الأولى:
قوله - تعالى -في سورة الأعراف: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) جمعت الآية الأولى أصول الفضائل الثلاث، وهي: 1- الأخذ بالعفو: وهو السّهل من أخلاق الناس وأعمالهم، دون تكليفهم بما يشق عليهم ومن غير تجسّس، وإنما يؤخذ بالسّمح السّهل، واليسر دون العسر، كما ورد في الحديث الذي أخرجه أحمد والشّيخان والنّسائي عن أنس بن مالك عن النّبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: ((يسّروا ولا تعسّروا، وبشّروا ولا تنفّروا)). ويدخل في العفو: صلة القاطعين أرحامهم، والعفو عن المذنبين، والرّفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين.
ومن هذا القسم: الدّعوة إلى الدّين الحق بالرّفق واللطف، كما قال - تعالى -: (وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النّحل: 125].
والخلاصة: إن المراد بالعفو: الأخذ باليسر والسّماحة ودفع الحرج والمشقة عن الناس في الأقوال والأفعال، وما خيّر - صلى الله عليه وآله وسلم - بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما، كما أخرج الترمذي ومالك.
2- الأمر بالعرف، وهو المعروف والجميل من الأفعال: وهو كل ما أمر به الشرع، وتعارفه الناس من الخير، واستحسنه العقلاء، فالمعروف: اسم جامع لكل خير من طاعة وبرّ وإحسان إلى الناس.
وهذا هو النوع الثاني من الحقوق التي لا يجوز التّساهل والتّسامح فيه، ويراد به ما هو معهود بين الناس في المعاملات والعادات.
ولا يذكر المعروف في القرآن إلا في الأحكام المهمة، مثل قوله - تعالى - في وصف الأمّة الإسلامية: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ)[آل عمران: 104].
وفي تبيان الحقوق الزّوجية: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ)[البقرة : 228].
وفي الحفاظ على رباط الزّوجية: (فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ)[البقرة: 229] (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ)[البقرة: 231].
3- الإعراض عن الجاهلين: ويتمثل بعدم مقابلة السّفهاء والجهّال بمثل فعلهم، وترك معاشرتهم وصيانة النّفس عنهم، وعدم مماراتهم والحلم عنهم، والصّبر على سوء أخلاقهم والغضّ على ما يسوءك منهم.
فإذا تكلّم الجاهل الأحمق بما يسوء الإنسان، فليعرض عنه، ويقابله بالعفو والصّفح، لقوله -تعالى- في وصف المؤمنين: (وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)[آل عمران: 134].
وقوله -تعالى- في فضيلة العفو: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ)[البقرة: 237].
هذه المبادئ الثلاثة هي أصول الفضائل ومكارم الأخلاق فيما يتعلّق بمعاملة الإنسان مع الغير، قال عكرمة: لما نزلت هذه الآية، قال عليه الصلاة والسلام: ((يا جبريل، ما هذا؟ قال: إنّ ربّك يقول: هو أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك)).
وروى الطّبري وغيره عن جابر مثل ذلك.
وقال جعفر الصادق -رضي الله عنه-: "أمر الله نبيّه -عليه الصلاة والسلام- بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها".
وقال عبد الله بن الزّبير: "والله ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق النّاس".
وقد روي عن النّبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال فيما رواه الترمذي: ((أثقل شيء في الميزان: خلق حسن تام)).
الصورة الثانية: قوله -تعالى-: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ).
وذكر صاحب التفسير المنير: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ) أي قابل السيئة بالحسنة، وتحمل ما تتعرض له من أنواع أذى الكفار وتكذيبهم، وادفع بالخصلة التي هي أحسن، بالصفح والعفو، والصبر على الأذى، والكلام الجميل كالسلام، نحن على علم بحالهم وبما يصفوننا به من الشرك والتكذيب.
الصورة الثالثة: قوله -تعالى-: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)[فصلت: 34- 36].
ثم علمه أسلوب الدعوة حتى يتحقق لها النجاح، فقال: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ) أي قابل السيئة بالحسنة، وتحمل ما تتعرض له من أنواع أذى الكفار وتكذيبهم، وادفع بالخصلة التي هي أحسن، بالصفح والعفو، والصبر على الأذى، والكلام الجميل كالسلام، نحن على علم بحالهم وبما يصفوننا به من الشرك والتكذيب.
ثم علمه الثبات على هذا الخط فقال: (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ) أي وقل: إني أعتصم بك وألتجئ إليك من وساوس الشياطين المغرية بالسوء والمعصية ومخالفة أوامرنا، وألتجئ إليك من حضورهم في شيء من أموري، ولهذا أمر بذكر الله في ابتداء الأمور لطرد الشيطان عند الأكل والجماع والذبح وغير ذلك من الأمور، فإنهم إذا حضروا الإنسان حدث الهمز، وإذا لم يكن حضور، فلا همز. ومن حرص الرسول على أمته تحسره عليهم وعلى عدم إيمانهم، فذكرت العديد من الآيات لتحسره وأسفه -صلى الله عليه وسلم- على أمته بسبب عدم إيمانهم بالله وإنقاذهم لأنفسهم: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [(3) سورة الشعراء].
وقوله -تعالى-: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا)[(6) سورة الكهف].
وقال صاحب التفسير المنير: (لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) أأنت يا محمد مهلك نفسك حزنا وأسفا على عدم إيمان قومك برسالتك؟! وهذه تسلية من الله لرسوله في عدم إيمان من لم يؤمن به من الكفار؛ كما قال -تعالى-: (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ)[فاطر: 8].
وقال -سبحانه-: (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً)[الكهف:6].
تلك أبرز ما تم الحصول عليه على عجل وتم نقله للفائدة والاقتداء بما تم ذكره من صفات الرسول وأخلاقه وحسن تعامله مع أصحابه، بل ومع أعدائه وجيرانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.