السلوك الإرادي ( مفهومه - أنواعه - أهدافه )

د. أحمد الخاني




مفهومه:
هو السلوك الذي يرتضيه الفرد طائعًا مختارًا في ممارسة فعلية، مع ميل النفس لهذه الممارسة.

فالإنسان الذي ينام باكرًا ويستيقظ باكرًا، وقد أصبح هذا السلوك عادة له، فهذا غير الإنسان الذي يستيقظ مبكرًا مرغمًا لسبب من الأسباب، كمن يأتيه أمر، أو من يضطر للاستيقاظ مبكرًا للسفر أو لموعد مهم، فهذا ينتهي استيقاظه مبكرًا عند زوال السبب الطارئ، وهذا لا يسمى سلوكًا.

إنما الذي يعتاد، أو يغلب عليه أن يستيقظ مبكرًا هو الذي يسمى صاحب هذا السلوك، إذا أصبح له عادة، وقد يصدر الفعل متكررًا، ولكن لا دخل للإرادة فيه، كمن ينام في المجلس أو، وهو يمشي. أو يمشي وهو نائم...فهذه سلوكيات لا إرادية.

أنواع السلوك
وللسلوك أنواع كثيرة نقتصر منها على ما يلي[1]:
1- السلوك الفطري: وهو ما يصدر عن الطبع الذي جبل عليه الإنسان، صدورًا طبيعيًا لا تكلف فيه من الصفات المعنوية، كالكرم والشجاعة والحياء.... وكذلك أضدادها.

2- والسلوك الغريزي: وهو ما كان تلبية للغرائز الجسدية الحسية. كالأكل عند الشعور بالجوع والشرب عند العطش، والنوم عند النعاس، والزواج تلبية للغريزة الجنسية بطريق مشروع، والهرب من الخطر كالحريق والسيل والدفاع عن النفس..

3- ومنها ما هو استجابة لمتطلبات الحياة المعاشية، كاختيار باب من أبواب الكسب الشريف.

4- ومنها ما هو من قبيل الآداب الشخصية والاجتماعية كآداب الطعام والشراب...

5- ومنها ما هو من قبيل الأعراف والتقاليد، كالمفاخرة بالأحساب والأنساب، والتبذير والإسراف..

6- ومنها ما تأصل بالسلوك الشخصي، كالسهر المفرط وشرب المفتر أو المسكر).

إذًا، فهناك سلوك خلقي، وهو أثر من آثار النفس، سواء أكان هذا الخلق محمودًا أو مذمومًا.

وهناك مظاهر السلوك الإنساني وهو (الاستجابة).

سواء أكانت استجابة عضوية، كالحاجات الطبيعية للجسد من طعام وشراب ونوم...

أو استجابة إرادية فكرية لسلوك منهج فكري معين أدبي أو فلسفي أوعلمي.

(وحين نتتبع الأحكام الدينية نجد أن كثيرًا منها أحكامًا خلقية، لأن الإسلام يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن رذائلها.

ومن مكارم الأخلاق أصول ثلاثة:
الأصل الأول:
السلوك الإنساني: إذا كان ذا أثر لخلق في النفس.
ومثاله: الاعتراف للخالق العظيم بكمال ألوهيته وربوبيته والإذعان إليه بدافع ذاتي.

ونقيض هذا الأصل، هو أحد أصول الرذائل، كالإلحاد بوجود الله تعالى، وجحود ألوهيته وربوبيته مع قيام الأدلة في نفس الإنسان، وشعوره وفكره فذلك من أبرز أمثلة الانحطاط الخلقي.


ويدخل في أمثلة فضائل الأخلاق، الاعتراف للوالدين بفضلهما، والاعتراف للمعلم ولكل ذي فضل بفضله.

أما رذائل الأعمال فهي جحود الفضل وغمط الحق استجابة للشهوات والأنانية والحسد.

الأصل الثاني:
الدافع الذاتي: إذا دفع الإنسان إلى الفضائل.
ونقيض هذا الأصل، يعد أحد أصول الرذائل الخلقية.

ويتفرع من أصل الدافع الذاتي للفضائل، الكثير من الأمثلة، كأن يبذل الإنسان المعروف بالعطاء والكلمة الطيبة، أوالسعي لقضاء حوائج الناس.قال الشاعر:
ولم أر كالمعروف؛ أما مُذاقه
فحلو؛ وأما وجهه فجميل

ونقيض هذه التفرعات، ما يقابلها من الرذائل، كالأنانية والحسد وغمط الناس حقوقهم، وعقوق الوالدين...

الأصل الثالث:
الرضا بقضاء الله وقدره.

ونقيض هذا الأصل، أحد أصول الرذائل الخلقية وكلياتها العامة.

ولهذا الأصل تفريعات من مكارم الأخلاق، وله ما يقابله من الرذائل.

وهذه التفريعات تعود أساسًا إلى أسس مكارم الأخلاق)[2].

فالإيمان بالإسلام سلوك إرادي، توجبه فضائل الأخلاق التي تدركها العقول وتستحسنها، كما تستقبح أضدادها، وتميل الفطرة الوجدانية السليمة إلى ممارستها، وتنفر وتشمئز من أضداها، فهي تنذر بسخط الله وبعقابه الأليم في الدنيا وفي الآخرة.

إن موضوع الأخلاق، شغل العقل الإنساني منذ قديم الزمان لدى الأمم ذات الحضارة المتقدمة في حضارة اللاتين.

كانت الفلسفة في زمن أفلاطون تبحث في مصير الإنسان في عوالم لا مرئية، تبحث في النفس والماهية والهيولى، فلما جاء أرسطو انصبت فلسفته على العقل والنفس والأخلاق فقيل: إن أرسطو أنزل الأخلاق من السماء إلى الأرض أي حولها من الميتافيزيقا إلى الواقع.

بحث أرسطو في الأخلاق، وسمي: المعلم الأول، وجاء الفارابي، وسمي بالمعلم الثاني، (كانت الأخلاق في كل عصور التاريخ مجال بحث الفلاسفة ودراساتهم التي أثمرت تراثًا ضخمًا من النظريات والقواعد والمعايير والمقاييس الزائفة، ولم تتغير القضايا الأخلاقية التي يواصل الفلاسفة بحثها منذ العهد اليوناني ثم العصر الوسيط.. إلى العصور الحديثة، ويعود ذلك إلى قيام الأفكار والنظريات الفلسفية على أسس عقلية محضة وإهمال العوامل الروحية والعاطفية والوجدانية، وهذا ما جعلها في معزل عن تأثير هذه العوامل في سلوك الإنسان. وبذلك يختلف الحكم على المسائل الأخلاقية من فيلسوف إلى آخر، فلم يتفق أولئك على مقياس أخلاقي يقيسون به الأخلاق، وكان لهم في الأخلاق ثلاثة اتجاهات أو مذاهب رئيسية هي:
المذهب الأول: مذهب اللذة الفردية:
وتبناه تلميذه ارستبوس تلميذ سقراط.
كما ادعى هوبز، أن الطبيعة الإنسانية أنانية تعمل لمصلحة الذات، وهو يرى أن الأخلاق توضع وسيلة لتحقيق منفعته الشخصية، وليست الأخلاق طبيعة في الإنسان.

مذهب أرستبوس مذهب اللذة الفردية

ومذهب هوبز مذهب المنفعة الفردية

تجمعهما صفة الأنانية الشخصية)[3].

في مذهب اللذة الفردية يستباح كل شيء، فالغاية تسوغ الوسيلة، وأصحاب هذا الاتجاه لا يتورعون عن أن يسلكوا أقبح الموبقات في سبيل اللذة. ومن أصحاب هذا المذهب أبيقور، نحو(341- 270 ق. م. فيلسوف يوناني يقول: إن اللذة سعادة الإنسان)[4].

ثم جاء فرويد بمذهبه في التحليل النفسي، وهو لا يبتعد كثيرًا عن مذهب أبيقور، بل ربما كان أحط منه لسبب بسيط هو أن أبيقور جعل اللذة مطلبًا للبالغين من الجنسين. بينما فرويد يجعلها مطلبًا منذ الطفولة وأن الطفل وهو يرضع من لبن أمه يتلذذ جنسيًا[5]. وهذا الكلام علميًا أو طبيًا باطل لسبب بسيط أيضًا هو أن آلة الإخصاب لم تكن قد نضجت، واللذة ناشئة عن الغريزة الجنسية الناضجة بنضج آلتها.

في أوربا يهود الأشكنايزم يتبعون هذا المذهب، مذهب اللذة ولا يرون له حدودًا حتى إن روتشيلد تزوج من ابنة أخيه، وهذا محرم في دينهم، والأشكنايزم يأتون أمهاتهم، ولذلك تميزوا في مجتمعاتهم بأن أصيبوا بالتورم الذي يعرف طبيًا بداء الفيل.

فجدير أن يعرف المسلم مهمته في الحياة، وهذه المهمة تتجلى في قوله تعالى: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾ [الملك: 1، 2] فمهمة الإنسان في الحياة هي الخيرية، وفيها يكون التنافس.


المذهب الثاني: مذهب المنفعة العامة:
ومفهوم هذا المذهب أن على الإنسان أن ينشد المنفعة العامة للبشر كافة، وللمخلوقات الأخرى، وتقاس أخلاقية الفعل بنتائجها لا ببواعثها لها، والجزاء هو العامل الوحيد لفعل الخير والشر.

(دعا إليه بنتام، وجون ستيورات مل.

وقد وجد في أوربا مصلحون يرون أن في الإنسان ميولًا اجتماعية طبيعية، وعاطفة إنسانية نبيلة، يدركها كل منا، ومن أنصار هذا الاتجاه، آدم سميث الذي أثبت أن في الإنسان غريزة التعاطف الإنساني، وجعلها منبع الأخلاق الإنسانية، كما سار على هذا جان جاك روسو، الذي يرى، أن الطبيعة الإنسانية طبيعة خيرة، ولكن المدنية هي التي أفسدت هذه الطبيعة. يقول روسو: (إن في قرارة النفوس مبدأ فطريًا للعدل والفضيلة، نقيس عليه أفعالنا وأفعال سوانا من الناس، ونحكم عليها بالخيرأو السوء، وهذا المبدأ هو الذي أسميه الضمير. ويقول أيضًا: يخرج كل شيء من يد الخالق صالحًا وكل شيء في يد البشر يلحقه الاضمحلال، يقلب كل شيء ويشوه كل شيء" وهذا ضد الاتجاه المسيحي الذي يرى أن تلك الطبيعة الإنسانية شريرة في أصلها. من أنصار هذا الاتجاه شوبنهاور، الذي أعاد أساس عاطفة الأخلاق إلى غريزة التعاطف والتراحم فقال: (إن التعاطف المباشر هو شعور غريزي يقصر وحده عن بناء الأخلاق ولا بد من عاطفة الرحمة). ومن أنصار هذا الاتجاه فولتير، الذي أرجع قانون الأخلاق إلى الطبيعة الإنسانية فقال: (وما هذا القانون الطبيعي إلا القانون الأخلاقي الذي أودع الله في غريزة جبلتنا محبته والتقيد به والحفاظ عليه)[6].

المذهب الثالث: مذهب المنفعة العملية (المذهب البرغماتي).

غايته تحقيق رغبات شخصية، أكثر من كونها خدمة اجتماعية إنسانية.

ويتفق هذا المذهب، مع المنفعة العامة في إرجاع الأخلاق إلى نتائج الأعمال دون بواعثها.

يمثل هذا المذهب جون ديوي.

هدف السلوك الإرادي:
إن هدف السلوك الإرادي هي السعادة، وتتحقق بالإحساس بوجوب الخيرية في النفس الإنسانية.

ومن السعادة ينبع أمران.
الأول: تجنب الإثم الباطن:
وهو يستلزم تجنب كل ما من شأنه أن يكون التفكير ضارًا بالنفس الإنسانية، وهذا يتطلب سلامة الضمير ألا يفكر بالشر، أو تمني الضرر للآخرين أو التفكير في تصورات منحرفة آثمة، إن مثل هذا التصور يدفع إلى أحلام اليقظة حتى إذا تمكنت هذه الخيالات أصبحت خواطر قابلة للتنفيذ، فتدفع صاحبها إلى الآثام، وقد هذب الله الضمير بقوله (قل حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن) الأعراف 33.

قال ابن سعدي في تفسير هذه الآية الكريمة (أي الفواحش التي تتعلق بحركات البدن، والتي تتعلق القلوب...)[7].

والثاني: إذا انصرف المسلم عن الشر اتجه إلى الخير:
فالنفس لا بد إلا أن تُملأ بما يشغلها، فإن لم تشغل بالشر شغلت بالخير، وحينما يكون القلب سليمًا، فإنه يدفع صاحبه إلى فعل الخير، وبهذا يكون له القَبول في نفوس الناس كما قال الشاعر:
أحب الفتى ينفي الفواحشَ سمعُه
كأن به عن كل فاحشة وقرا
سليمَ دواعي الصدر لا باسطًا أذى
ولا مانعًا خيرًا ولا قائلًا هُجرا

وصدق الله العظيم القائل في كتابه الكريم ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴾ [مريم: 96].


فأهداف السلوك الإرادي، تهذيب الضمير الداخلي الذي هو منبع السلوك الخارجي، وذلك وصولًا إلى سادة المسلم في الدارين.

تطبيقات:

1- ما مفهوم السلوك الإرادي؟.
2- ما تعريف السلوك الغريزي؟.
3- ما الفرق بين السلوك الفطري والسلوك الغريزي؟
4- لماذا نجد أن كثيرًا من الأحكام الدينية أحكام خلقية.
5- من مكارم الأخلاق أصول ثلاثة. عددها.
6- ما الذي يجمع بين مذهب اللذة الفردية والمنفعة الفردية؟
7- ما أهداف الأخلاق في الإسلام؟
8- ما مفهوم المنفعة العامة (المذهب البريغماتي)؟
9- ما هدف السلوك الإرادي؟ وبماذا يتحقق؟.
10- ما الرابطة الجامعة بين المذهب البريغماتي ومذهب المنفعة العامة؟
11- ينبع من السعادة أمران؛ فما هما؟


[1] الموسوعة الجامعة في الأخلاق والآداب سعد بن عبد الله الحزيمي ج1 ص22.

[2] الثقافة الإسلامية. للشيخ عبد الرحمن حبنكة والشيخ محمد الغزالي ط1430 ص 185.

[3] علم الأخلاق الإسلامية أ. د. مقداد يلجن ط1 ص 37.

[4] المنجد في الأعلام ط12. حرف الهمزة.

[5] انظر كتاب (الصحة النفسية) لنعيم الحمصي.فرويد وعلم النفس.

[6] علم الأخلاق د. مقداد يلجن ص 37.

[7] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لابن سعدي ط1 ص365.