الإمام جمال الدين القاسمي
شريف عبدالعزيز الزهيري






كلما بعدت الأمة عن منهج النبوة، وكلما تقادم عهد منابع الدين النقية الصافية وقعت في هوة سحيقة من الجمود والتخلف والضعف، وهذه الأدواء كلها تطيح بالأمة عن مقدمة الركب إلى ذيلة، وهذا ظاهر في فترات ضعف الأمة؛ حيث ترى العديد من السمات والظواهر لتلك الفترات: فترى انتشارًا للخرافات والبدع، وترى جمودًا عمليًا، وتقليدًا أعمي، وركودًا فكريًا، وتعصبًا مذمومًا، وترى أو السنة قد أصبحت بدعة، والبدعة أصحبت سنة، ويصبح الاجتهاد والتجديد تهمة خطيرة يستحق صاحبها النفي والقتل والتنكيل حتى يكون عبرة لغيره ممن تسول له نفسه أن يجتهد، أو يجدد، أو يصلح من أمور المسلمين.



التعريف به:

هو الإمام الكبير، العالم المفسر المحدث، علامة الشام، المجدد المجتهد، صاحب التصانيف الكثيرة الباهرة، العلامة الشيخ أبو الفرج محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم بن صالح بن إسماعيل بن أبي بكر المعروف بالقاسمي نسبة إلى جده قاسم الملقب بالحلاق.



ولد القاسمي في جمادي الأولى سنة 1283هـ - 1866م بدمشق حاضرة الديار الشامية، في بيت دين وورع، وخلق كريم، وعلم وأدب، فأبوه كان من الفقهاء الأدباء، له كتاب طريف في باب اسمه (قاموس الصناعات الشامية)، وفي ذلك الجو العابق بجلال الدين والعلم، ورقة الأدب وتهذيبه نشأ الإمام القاسمي نشأة حسنة صالحة، وأقبل على طلب العلم منذ صباه ونعومة أظافره، وقد حرص أبوه على أن يعهد به إلى الأئمة والأعلام في كل فن، فحفظ القرآن وجوده على يد شيخ قراء الشام الشيخ الحلواني، ثم انتقل إلى مكتب المدرسة الظاهرية؛ فتعلم التوحيد وعلوم اللغة والفقه والحديث والأصول،؛ فنال إجازات عالية في كل هذه الفنون ولما يبلغ الثامنة عشرة، ولم يترك إمامًا بارزًا، أو شيخًا معروفًا إلا جلس إليه، وأخذ عنه إجازة بعلومه.



كان الإمام القاسمي صاحب عزيمة جبارة، ومثابرة عجيبة في طلب العلم، ومطالعة الكتب، والمدارسة والتحصيل والتحقيق، وكان شديد الحرص على أوقاته، وأضن بلحظات حياته من الدينار والدرهم، لا يضيع شيئًا منها سدى، وتلك المحافظة قد مكنته من مطالعة ما لا يحصى من الكتب الكبار والصغار، ينجز الدواوين الكبيرة مطالعة وبحثًا في أيام معدودات، وتلك الهمة العالية دفعت به لمصاف كبار العلماء وهو شاب في شرخ الشباب، وكان دائمًا يقول: (المكسال شيخ في شبابه؛ لأن دقيقة البطالة أطول من ساعة العمل).



ولقد اتصف القاسمي رحمه الله بصفات العلماء الربانيين، فقد كان سليم القلب، عفيف النفس واللسان، واسع الحلم، جم التواضع، سخيًا على ضيق حاله، حلو المعاشرة والمجالسة، وأوقاته عامرة كلها بالنفع العام والخاص، عازفًا عن المناصب، مجانبًا للسلطة وأربابها، ولقد عرض عليه منصب قاضي العسكر براتب مغر فأعرض لعلمه بتبعات المناصب وضريبتها.



ولقد ظل الإمام القاسمي محافظًا على نفسه وأوقاته طوال حياته، لم يضع منها ساعة في لهو أو بطالة؛ لذلك بارك الله عز وجل في عمره القصير، وأنجز فيه ما لا يفعله إلا مثله من أفذاذ العلماء من سلف هذه الأمة، فلقد كان رحمه الله إمامًا وخطيبًا في دمشق، ومدرسًا يلقي عدة دروس في اليوم الواحد للعامة وطلاب العلم، له مشاركات فعالة في الحياة الاجتماعية بدمشق، ويتصدى للبدع والخرافات، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وهكذا ديدن حياته، حتى صار علامة الشام المقدم بلا منازع.



مصنفاته:

عاش الإمام القاسمي حياة قصيرة من حيث عدد سنواتها، 49 عامًا، ولكنها كانت عريضة طويلة، وغنية بالعلم والعمل النافع والصالح، فلقد كان الإمام حريضًا على وقته أيما حرص، واجتمع عنده من أدوات التصنيف ما أهل لإخراج تلك الحصيلة الرائعة والنافعة من المؤلفات والمصنفات التي أثرت المكتبة الإسلامية في شتى الفنون، وقد بدأ التصنيف وهو في سن المراهقة، وقد ساعدته همته العالية، وحرصه على وقته بكل سبيل، على التأليف والتحقيق والترجيح والمناقشة للأقوال في مؤلفاته؛ فجاءت كاملة في معناها، شاملة في بابها، وكان اهتمامه بالتأليف والتصنيف كبيرًا جدًا؛ لعلمه بأهمية الكتاب في نقل الأفكار، ونشر العلوم، وكان دائمًا يقول: (كتاب يطبع خير من ألف داعية وخطيب، لأن الكتاب يقرؤه الموافق والمخالف)، ولقد ترك ثروة علمية كبيرة، زيادة عن مائة مؤلف ومصنف: بين كبير، ومتوسط، وصغير من أهمها:

1- تفسيره الشهير للقرآن الكريم المسمى (محاسن التأويل) وهو من أجل مصنفاته، وهو من أفضل التفاسير المعاصرة وأنفعها، خاصة في باب الرد على أهل البدع، والفرق والضالة.

2- كتاب دلائل التوحيد، وكان القاسمي سلفيًا في عقيدته كما هو ظاهر من كتبه.

3- إصلاح المساجد من البدع والعوائد.

4- قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث.

5- تعطير المشام في مآثر دمشق الشام.

6- شمس الجمال على منتخب كنز العمال.



وله أيضًا شذرة من السيرة النبوية، ورسالة الاستئناس لتصحيح أنكحة الناس، ميزان الجرح والتعديل، جوامع الآداب في أخلاق الإنجاب، حياة البخاري، وغيرها من الكتب: منها المطبوع، ومنها المخطوط الذي يحتاج لجهد المحققين لإخراجه إلى النور حتى ينتفع به الناس.



ثناء الناس عليه:

ظهر القاسمي في فترة مضطربة من حياة الأمة الإسلامية، كانت تعاني فيها من تسلط خارجي، وضعف داخلي، وقد وقعت معظم بلاد الإسلام - ومنها الشام - فريسة للاحتلال الصليبي؛ فكان من الطبيعي أن يضعف الاهتمام بالعلم والعلماء لانشغال الناس بما وقع ونزل ببلادهم، لذلك كان الثناء على علماء الزمان قليلا ونادرًا، ولكن لا يمنع ذلك من ثناء الناس على الإمام القاسمي، ومن ذلك:

قال عنه أمير البيان شكيب أرسلان: وإني لأوصي جميع الناشئة الإسلامية التي تريد أن تفهم الشرع فهمًا ترتاح إليه ضمائرها، وتنعقد عليه خناصرها، ألاَّ تقدم شيئًا على قراءة تصانيف المرحوم الشيخ جمال القاسمي.



قال عنه الشيخ محمد رشيد رضا: هو علامة الشام، ونادرة الأيام، والمجدد لعلوم الإسلام، محيي السنة بالعلم والعمل، والتعليم والتهذيب والتأليف، وأحد حلقات الاتصال بين هدي السلف، والارتقاء المدني الذي يقتضيه الزمن.



محنته:

دائمًا ما يكون للعصر الذي يحيا فيه الإمام الذي نروى محنته دور كبير في تلك المحنة؛ فلقد ولد القاسمي ونشأ وترعرع في فترة بالغة الاضطراب، في أواخر الحكم العثماني الذي أوشكت شمسه على الغروب، وكانت الأوضاع السياسية شديدة الاضطراب، والأعداء يحيطون بالدولة من كل اتجاه، والاستبداد الداخلي قد كمم الأفواه ووأد الطموحات، والأمة تشهد تراجعًا وتدهورًا كبيرًا في شتى المجالات، ومنها المجال الديني الذي شهد جمودًا، وانشغالا بالقشور والمتون والحواشي، والتفريعات النظرية، والافتراضات الوهمية، وغرق أهل العلم وقتها في أتون التعصب والتقليد والمذهبية المقيتة، حتى صار العلم مرادفًا للتحجر والتجمد والغيبوبة، وبالتالي أثر ذلك على الناس بشدة، فلم تستضئ حياتهم بنور العلم الساطع، والفهم الصحيح المثمر للدين، وصار كل من يحاول كسر ذلك الجمود العلمي، ويحرك ركود الحياة العلمية آنذاك مارقًا مبتدعًا، تجب محاكمته وردعه.



كان العلامة القاسمي معنيًا بأحوال الأمة الإسلامية، يسوءُه ما يراه من تدهورها وتراجعها أمام أعدائها، وبالأخص كانت تسوءه الحالة المزرية التي وصلت إليها الأوضاع الدينية والعلمية ببلاد الإسلام، وذلك الجمود والتحجر الذي أصابها، ومهد السبيل معه لدخول البدع والخرافات والتعصب والتفرق، فبدأ دعوته الشهيرة لنبذ التعصب والتقليد، وتنقية العقيدة من الدخن الذي أصابها، ودعا الناس للعودة إلى منابع الدين الأولى بصفائها ونقائها، كما دعا إلى فتح باب الاجتهاد من جديد بعد أن أغلقه المتفقهة والمتعصبة، وسدنة المذاهب بأقفال كبيرة منذ سنوات بعيدة، ووقفوا على باب التقليد مدافعين ومنافحين بكل ما أوتوا من قوة.



كان القاسمي صاحب عقل نير، وفكر وفهم ناضج، استفاد من قراءته التاريخية لسير المجددين والمجتهدين؛ فعمل على تكوين جبهة متحدة ممن هو على شاكلته من أهل العلم الغيورين المصلحين، فأنشأ جمعية المجتهدين مع زملائه: عبدالرازق البيطار، وسعيد الفرا، ومصطفى الحلاق، وغيرهم، وعقدت الجمعية حلقات بحث دورية لقراءة ومناقشة أهم الكتب، والتباحث في أحوال المسلمين، وسبل النهوض بهم.



أثار تكوين مثل تلك الجمعيات، وما يجري فيها من مناقشة أوضاع المسلمين: كل من السلطة الدينية، والدنيوية: فلقد اعتبر مفتي الشام وقتها أن أمثال تلك الجمعيات والدعوات لفتح باب الاجتهاد من قبيل الابتداع في الدين، والهرطقة والخروج عن الجماعة والمألوف، في حين اعتبر والي الشام عثمان نوري باشا تلك الجمعية ورجالها من المحرضين والساعين لتقويض الدولة العثمانية، ولنا أن نتفهم طبيعية الدوافع الحقيقية للرجلين: فالأول يخاف على منصبه ونفوذه الديني، ومكتسباته التي ينالها باسم الدين، والثاني شأنه شأن كل الطغاة والظلمة الحريصين على تخلف شعوبهم، وركودهم وسباتهم، حتى لا يُطالِبُوا بحق أو عدل، أو يتكلموا عن حلال وحرام، وهكذا.



وفي سنة 1313هـ - 1895م تم تقديم الشيخ القاسمي ورفاقه للمحاكمة بأعجب وأغرب تهمة على مر العصور، ألا وهي تهمة الاجتهاد وابتداع مذهب جديد في الدين أسموه المذهب الجمالي - نسبة لجمال القاسمي - وشكلوا له هيئة قضاء من شيوخ المذاهب من أرباب التقليد، وسدنة الجمود، تحت قيادة مثير المحنة مفتي الشام وقتها - وكان عمر الشيخ القاسمي وقتها ثلاثين سنة - فقام القاسمي للدفاع عن نفسه وإخوانه، وألقى محاضرة رائعة في بيان منهجه ودعوته وآرائه، دحض بها افتراءات المقلدين والمتحجرين، ومن روعة بيانه، وقوة حجته لم يجد: لا الوالي، ولا المفتي، ولا أي أحد ممن تصدي لمحنته سبيلا للنيل منه، وتم الإفراج عنه وعن إخوانه بعد إن كانت أبواب السجن مفتحة لهم، وسياط الجلاد مشرعة لإلهاب ظهورهم، وقد نظم شعرًا رائعًا في تلك المحنة نختار منه بعض الأبيات:

زعم الناس بأني مذهبي يدعى الجمالي

وإليه حينما أفتى الورى أعزو مقالي

لا وعمر الحق إني سلفي الإنتحالِ

مذهبي ما في كتاب الله ربي المتعالِ

ثم ما صح من الأخبار لا قيل وقالِ

أقتفي الحق ولا أرضى بآراء الرجالِ



ولقد أدت تلك المحنة، والتي كادت أن تؤدي بحياة ذلك الإمام العلامة: لرفع قدره ومنزلته بين الناس، وإقبالهم على كتبه ومصنفاته، وحلق دروسه وفتاواه حتى إنه لما زار مصر بعد ذلك بعدة سنوات أطلق عليه الشيخ رشيد رضا لقب علامة الشام، وكان وقتها في السابعة والثلاثين فقط من العمر، فسبحان من بارك في أعمار هؤلاء الأعلام فصاروا مثل نجوم السماء وهم في شرخ الشباب، وكم من محنة جلبت منحة، وكم من بلاء قاد إلى علاء.




المصادر والمراجع:

جل الترجمة مأخوذة من مقدمة كتابه الشهير:

محاسن التأويل.





ترويض المحن - دراسة تحليلية لهم المحن التي مرَّ بها كبار علماء الأمة، دار الصفوة بالقاهرة، 1430هـ، 2009م