القلب العزيز (4)


د. محمد ويلالي








سلسلة أنواع القلوب (26)




القلب العزيز (4)











الخطبة الأولى



انتهينا من بيان أسباب عزة المسلمين والنهوض بوضعيتهم في القسم الثالث من أقسام "القلب العزيز"، - ضمن "سلسلة أنواع القلوب" في جزئها الخامس والعشرين -، وجعلنا هذه الأسباب مندرجة تحت ثمانية بنود أساس: - طلب العزة من الله وحده لا من غيره - صدق الانتماء لدين الإسلام، وخلوص الثبات عليه - اليقين بأن عزة الظالمين إلى زوال - القيام بالعبادة المطلوبة، بحسب ما تقتضيه الأوامر الربانية، والتوجيهات النبوية - الاجتهاد في الاستقلال عن الأعداء والاستغناء عنهم - السعي لتحقيق وحدة المسلمين وتماسكِ صفوفهم وجمعِ كلمتهم - ترك المعاصي - اليقين بأن الله كتب لهذا الدين العلو والرفعة، وكتب لعباده الصالحين العزة والنصرة.







ونختم الحديث عن صاحب "القلب العزيز"، بما يحقق انتصاره على نفسه، وتجاوزَ شهواته، ومغالبةَ نزغاته ونزواته، مما جعلناه أحد شروط العزة الثمانية السالفة، بل من أولاها وأجدرها، وهو التحرر من المعاصي، والتنزه عن مخالفة الشرع، والاستنكاف عن عصيان السنة النبوية. وقد مضى معنا قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه في بيان أن ترك المعاصي سبيل للعزة، وطريق للنصرة ـ: "ولَذُنوب الجيش عندي أخوف عليهم من عدوهم، فإن الله إنما ينصرنا بطاعتنا له ومعصيتهم له، فإذا استوينا نحن وهم في المعصية، كان لهم الفضل علينا في القوة".







وما أتي المسلمون - اليوم - إلا من هذا الباب: باب الشهوات، الذي حذر منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيما تحذير، فقال: "فَوَاللهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ" متفق عليه.







صاحب القلب العزيز يَعِف نفسه عن أن ينظر إلى ما في أيدي الناس، فهو غني باليسير الذي معه لا يَوْجَل، قنوع بما ساقه الله إليه كَثُر أو قَلَّ، ومتى ما طمع في ما عند الناس، ركب صهوة المعاصي، وامتطى جياد الموبقات والمخازي، لا يتوقف إلا حين يملأ فمَه التراب، فلا عزة له، ولا كرامة عنده، وإن بلغ صيته في الدنيا أطباق السحاب.





لِدُوا للموتِ وابنُوا لِلخرابِ

فكُلّكُمُ يَصِيرُ إلى تَبابِ


لمنْ نبنِي ونحنُ إلى ترابِ

نصِيرُ كمَا خُلِقْنَا منْ ترابِ









فما أصاب المسلمين اليوم من هوان وذلة، إلا بسبب اقتراف الذنوب. قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾. قال الإمام الطبري: "فإنما يصيبكم ذلك عقوبة من الله لكم، بما اجترمتم من الآثام فيما بينكم وبين ربكم".







ليست نكبة المسلمين - اليوم - في فلسطين إلا بسبب الذنوب، ولا نكبتهم في العراق، والشيشان، وكشمير، وأفغانستان، وغيرها إلا بسبب الذنوب. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"لا يصيب عبدا نكبةٌ فما فوقها أو دونها إلا بذنب" صحيح الجامع.







بل حتى النكبات الفردية بين الناس، والخصومات المنتشرة بينهم، بين الأخ وأخيه، بين الأب وابنه، بين الزوج وزوجته، بين الجار وجاره، سببها المعاصي، وسوء العلاقة مع الله تعالى. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ، وَلاَ يَخْذُلُهُ، وَلاَ يَحْقِرُهُ" مسلم. ويقول - صلى الله عليه وسلم -: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا تَوَادَّ اثْنَانِ فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِذَنْبٍ يُحْدِثُهُ أَحَدُهُمَا" صحيح الترغيب.







لقد أنعم الله على المسلمين بنعم جليلة عظيمة، لكنهم ذهلوا عن حسن تصريفها، وسديد استغلالها، لأن المعاصي من عُظام وكبرياء، وركون للدنيا واستخذاء، حجبت عزة القلوب، وأردتها مستسلمة تابعة، وفي ذيل الحضارة قابعة. الخمور في كل مكان، ومرافئ القمار بادية للعِيان، وأماكن اللهو والرقص منتشرة، ويد المخدرات ممدودة بأنواعها التقليدية والمبتكَرة، وأصوات الإنكار والنصح مقموعة منحسرة، ونبغي - مع ذلك - عزة القلوب.







يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا، ثُمَّ لاَ يُغَيِّرُوا، إِلاَّ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ" صحيح سنن أبي داود.







قال العلامة السعدي: "إِنَّ المَعَاصِيَ تُخَرِّبُ الدِّيَارَ العَامِرَةَ، وَتَسلُبُ النِّعَمَ البَاطِنَةَ وَالظَّاهِرَةَ. فَكَم لَهَا مِنَ العُقُوبَاتِ وَالعَوَاقِبِ الوَخِيمَةِ؟ وَكَم لَهَا مِنَ الآثَارِ وَالأَوصَافِ الذَّمِيمَةِ؟ وَكَم أَزَالَت مِن نِعمَةٍ، وَأَحَلَّت مِن مِحْنَةٍ وَنِقمَةٍ"، وهي - لعمري - المذلة بعينها.





رأيت الذنوب تميت القلوب

وقد يُورِث الذلَّ إدمانُها


وترك الذنوب حياةُ القلوب

وخيرٌ لنفسك عصيانُها









حتى روح الابتكار والتقدم العلمي تقتلها المعاصي، فتستحيل العقول متحجرة متيبسة، والقلوب قاسية متكلسة. فالعلم نور تطفئه المعصية، والابتكار سراج توقده الطاعة، ﴿ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ﴾. فمناددة المبتكرين تكون بالطاعة، ومقارعة المبدعين على بساط من حسن الانقياد وجميل العبادة. وفي الحديث: "فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته" صحيح الجامع. وقال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ﴾. قال القرطبي: "وَعْدٌ من الله تعالى، بأن من اتقاه علمه، أي يجعل في قلبه نورا يفهم به ما يلقى إليه.. ومنه قوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ﴾ [الأنفال: 29].







ولما جلس الإمام الشافعي بين يدي الإمام مالك، أعجبه، لما رأى عليه مخايِل النجابة والذكاء، وقال له: "إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورا، فلا تطفئه بظلمة المعصية".







وجاء الشافعي إلى شيخه وكيع، فسأله عن أحسن دواء للحفظ، فقال: "والله ما رأيت للحفظ مثل ترك المعاصي". فأنشد الشافعي قائلا:





شكوت إلى وكيع سوء حفظي

فأرشدني إلى ترك المعاصي


وأخبرني بأن العلم نور

ونور الله لا يعطى لعاصي









وقَالَ الضحاك بن مزاحم - رحمه الله -:"مَا مِنْ أَحَدٍ تَعَلَّمَ القُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ، إِلَّا بِذَنْبٍ يُحْدِثُهُ؛ وَذَلِكَ بَأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30]. وَنِسْيَانُ القُرْآنِ مِنْ أَعْظَمِ المَصَائِبِ".







قال ابن الجلاد: "نظرت منظرا لا يحل لي، فقال لي أحد الصالحين: أتنظر إلى الحرام؟ والله لتجدن غِبَّهُ ولو بعد حين. قال: فنسيت القرآن بعد أربعين سنة".







وقال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: "إني لأحسب الرجل ينسى العلم كان يعلمه، بالخطيئة يعملها".







الخطبة الثانية



صاحب القلب العزيز لا يرضى أن تحيله المعصية إلى جاهل فارغ الذهن، خامل الفكر، مشلول الإرادة، ضعيف المبادرة، إمعة يعتمد على غيره، يستورد التقنية، ويستورد الأطعمة، يستورد الآلات، ويستورد الأدوية، بعد أن كان رائد الدنيا، ومنار المعمورة. ها هي الأندلس تشهد على حكم المسلمين فيها، كيف كانوا على درجة من العلم والإبداع، فلم يبق فيها أمي واحد، في وقت كان لا يعرف القراءة والكتابة في أوروبا - معرفةً أولية - إلا الطبقةُ العليا من القساوسة - كما قال أحد المستشرقين[1] - . وكان الغربيون في الأندلس عالة على المسلمين في كثير من العلوم، وبخاصة في الطب، حتى عدوا أبا القاسم الزهراوي إمامهم في الجراحة، وبقي كتابه في الطب العام وفي الصيدلة وفي الجراحة[2] يدرّس في الجامعات الأوربية حتى القرن السابع عشر الميلادي.







ولما أُهدي لعبد الرحمن الداخل - أحد حكام الأندلس - جارية جميلة، نظر إليها وقال: "إن هذه لمن القلب والعين بمكان، وإن أنا لهوت عنها بمهمتي فيما أطلبه ظلمتها، وإن لهوت بها عما أطلبه ظلمت مهمتي، فلا حاجة لي بها الآن". وأردوا أن يختبروه، فقدموا إليه الخمر فقال: "إنِّي محتاج إلى ما يزيد في عقلي لا إلى ما ينقصه". بطاعة الله عزوا، وبترك المعاصي سادوا، وبخشية الله حكموا، فلما استحكمت المعاصي في مَن بعدهم، وتمكنت الموبقات من نفوسهم، أردتهم الشهوات، وأهلكتهم الشبهات، وكان ذلك سبب الانتكاس، وبداية الارتكاس. قال أحد الصليبيين يصف ما كان عليه شباب المسلمين هناك: "إنما همة أحدهم كأس يشربها، وقينة يسمعها، ولهو يقطع به أيامه". ووصف ابن العربي المالكي حالهم قائلا: "فغلبت الذنوب، وشقيت بالمعاصي القلوب، وصار كل أحد من الناس ثعلبا يأوي إلى جُحره، وإن رأى المكيدة بجاره، فإنا لله وإنا إليه راجعون" ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾.







لما تركنا الهدى حلت بنا محن ♦♦♦ وهاج للظلم والإفساد طغيانُ








[1] R.dozy.




[2] وهو كتاب: "التصريف لمن عجز عن التأليف في الطب العام وفي الصيدلة وفي الجراحة".