علماء أغنياء آثروا العلم على الملذات: دعلج
أحمد الجوهري عبد الجواد






ومن العلماء الأثريَاء: دَعْلَج بن أحمد، المحدّث، الحجّة، الفقيه، الإمام، أبو محمد السجستاني ثم البغدادي، التاجر، ذو الأموال العظيمة[1].
والدَّعْلَج معناه: الشابُّ الحسَن الوجه النّاعم البدن، وله معانٍ[2].

كان مولد "دَعْلَج" سنة (259 هـ) أو قبلها بقليل، وكان تاجرًا يجوب الآفاق، فنفعه الله بجوبه هذا نفعًا عظيمًا؛ إذ سمع ما لا يوصف كثرة من كتب الحديث، بالحرمين، والعراق، وخراسان، والنواحي كافة.

لقد كان دَعْلَج صاحب أموال جزيلة، أنفق أكثرها في العلم وأهله، ومن العجيب أنّ هذه الأموال التي كانت لكثرتها تعبأ في أجولة وتجعل بدرًا لم تصرفه عن العلم والسعي فيه، فيا له من صاحب همةّ! ويا له من مجتهد صبّار!
إننا نتصور ما يكون عليه رجلٌ غنيّ مليّ؛ إنّه يطلب الرّاحة لا ريب! خاصة مع تعب التطواف في البلاد!

لكن "دَعْلَج" يعلّمنا أنّ اللذة والراحة ليست في امتلاك الأموال الطائلة والثروة الواسعة، فما الثروة إلا انطلاقة يجدّد بها المرء العهد مع الهمة، ولئن بذل شيئًا من عمره في طلب المال، فهو باذله أجمعَ فيما هو أفضل وأجمل وألذّ وأكمل، هو باذله في العلم، تطلابًا له واجتهادًا في تحصيله، وقد فعل!

وقد أفاد ذلكم الإمام من هذه الرحلات التجارية الكثير، فتتلمذ لجيل من العمالقة، فيهم عبد الله بن أحمد بن حنبل، والعباس بن الفضل الأسفاطي، وأبو مسلم الكجي، ومحمد بن غالب التمتام.

وفيهم هشام بن علي السيرافي، وبشر بن موسى، ومحمد بن إبراهيم البوشنجي، ومحمد بن عبد الرحمن السامي، وإمام الأئمة ابن خزيمة.

لقد شرع دَعْلَج يطوّف البلاد؛ يلقى علماءها ويسمع منهم، حتى سمع من محمد بن ربح البزاز وغيره ببغداد، ومن عثمان بن سعيد الدارمي وغيره بهراة، ومن علي بن عبد العزيز وغيره بمكة، ومن محمد بن عمرو قشمرد وغيره بنيسابور، ومن عبد العزيز بن معاوية القرشي بالبصرة، ومن محمد بن أيوب البجلي بالرّي، وعدد كثير غير هؤلاء، في غير هذه البلاد[3].

لقد طوّف - إذًا - ببلاد خراسان، وَبالري، وَحلوان، وَبغداد، وَالبصرة، وَالكوفة، وَمكة[4] .. إلخ! فسبحان الله الذي يؤتي العزائم، ويرشدها إلى سواء القصد، ويعين على قصدها!

إنه لتأتيه "الثروة" معها الثقل والوهن والراحة والكسل، فلا يغرّه ذلك بالاكتفاء والقنوع بدعوى التفرّغ لملذات الحياة، أو اقتناص الفرص التي فاتته حياته الماضية، أثناء طلبه الكفاية من أرزاق الدنيا!

لم يكن "دعلج" بذي الثروة التي تصنع به ثروته هذا، بل إنها تحمله على السمو حملًا، لكأنما اجتمعت ثرواته وأمواله فكانت وقودًا في همته وعزيمته؛ تؤزه إلى ما هو أسمى وأغلى، فلا غرو أن صار "شيخ أهل الحديث في عصره"[5] كما يصفه الحاكم، فيأخذ عنه العلم جيل تدين له كافة الأجيال التي جاءت من بعده؛ إذ حدث عنه الأئمة: الدارقطني، وابن جميع الغساني، وأبو عبد الله الحاكم، وابن رزقويه، وأبو القاسم بن بشران، وعلي بن أحمد البادي، وأبو علي بن شاذان، وأحمد بن أبي عمران الهروي، وأبو إسحاق الإسفراييني، وأبو عمر بْن حيويه، وخلق من العظماء والكبراء سواهم[6].

وهؤلاء أغلب أئمة الشأن، وعلى كتب كثير منهم فيه المعتمد، وما اجتمعوا عليه إلا لأنه صار ثقة ثبتًا.
وكان الدارقطني -الإمام الكبير ذو الشهرة التي طبقت الآفاق- يخدمه، حتى إنه رتب له مسنده، وكان هو المصنف له كتبه، يقول الدارقطني عن ذلك: صنفت لدعلج المسند الكبير، فكان إذا شك في حديث ضرب عليه، ولم أر في مشايخنا أثبت منه[7].

بل يقول الحاكم: سمعت الدراقطني يقول: "ما رأيت في مشايخنا أثبت من دعلج"[8]. ويكفيك فيه شهادة الدارقطني هذه، وقبلها تتلمذه له، وهو من هو!
وقال الخطيب البغدادي: "كان ثقة، ثبتًا"[9].
وقال أبو العلاء: قال عمر البصري: "ما رأيت ببغداد ممن انتخبت عليه أصح كتبًا من دَعْلَج"[10].
♦ ♦ ♦

كان " دَعْلَج" من الأئمة الذين تلقوا الحديث على طريقته الأصيلة؛ صيدلانيًّا طبيبًا؛ لم يكن بالصيدلانيّ يعرف الحديث ويعالج الإسناد وينقل الرواية فحسب كشأن كثير من المحدّثين، بل كان محدّثًا فقيهًا ذا قدرة على الاستنباط وأخذ الأحكام من الحديث، فهو مثال جيد لقوله صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا؛ فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتْ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتْ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ"[11]

وقد ترجمه تلامذته فذكروا أنه ثقة ثبت فقيه، هكذا تعديله عندهم؛ بالفقه والحديث معًا، بل يقدم لقب الفقيه في ترجمته على لقب المحدّث، فهذا أبو عبد الله الحاكم يقول عنه: "دعلج الفقيه شيخ أهل الحديث في عصره"[12].

بل لقد بلغ "دَعْلَج" في الفقه منزلة الفتوى؛ إذ "أول ارتحاله كان إلى نيسابور، فأخذ مصنفات ابن خزيمة، وكان يفتي على مذهبه"[13].
وهو مترجم في طبقات الشافعية؛ ترجمه السبكي ضمن فقهاء المذهب، فقال: "الْفَقِيه الْمعدل"[14].
وترجمه ابن الملقن في "العقد المذهب في طبقات حملة المذهب"[15].


وفي ذلك عبرة أيما عبرة لطالب الحديث، فهو وإن كان محمودًا لا ريب على كثرة مروياته، وسعة اطلاعه على الأسانيد، وامتلاكه إجازات الشيوخ، إلا أن ذلكم المدح يعظم إذا ضمّ إلى الرواية الدراية، وجمع إلى معرفة الحديث وحفظه فهمَه وفقهَه، فنعمّا المحدّث يكون فقيهًا.
♦ ♦ ♦

خلّف دَعْلَج بعده من المصنّفات العلمية ما استفاد منه تلامذته وأفادوا الدنيا من ورائهم، منها مسنده الذي رتبه الدارقطني تحت نظره وبإشراف منه، ومصنّف فيه حديث شعبة، وآخر به حديث مالك، وله أيضًا "مسند المقلّين"[16].
♦ ♦ ♦

كان عمل "دَعْلَج" التجارة، وقد درّت عليه مالًا وفيرًا ورزقًا مديدًا، حتى قيل: لم يكن في الدنيا أيسر منه من التجار، رحمه الله[17].
وقد نفعته التجارة مرات؛ نفعته في التوفّر على العلم؛ حيث رُزق وكُفي.

ونفعته في التطواف على العلماء والرحلة للرواية عن المسندين، في شتى النواحي، بيسر وسهولة، حتى صار بحرًا في الرواية والدراية.

ونفعته في إعانة غيره من الطلاب، ثم العلماء على مشاق الطريق؛ إذ كانت له صلات وصدقات ووقوف على العلم وأهله.
يقول عنه تلميذه أبو عبد الله الحاكم: "له صدقاتٌ جاريةٌ على أهل الحديث بمكة، وببغداد، وسجستان"[18].

في هذه البلاد وغيرها كان لهذا العالم الغني الميسور أهلَ صلة من العلماء والفقهاء، يمدّهم بما أمده الله به، يعرف لهم به حقهم، ويعينهم به على علمهم ومسئولياتهم، فيؤدي ما عليه لهم من حق ويشركهم في الأجر، ولا عجب فالمؤمنون بعضهم لبعض نصحة، متوادّون، وإن بعدت منازلهم وأبدانهم!

يقول الإمام المحدّث الثقة المسند أبو عمر بن حيويه: أدخلني دعلج بن أحمد داره، وأراني بدرًا من المال معبّأة، فقال لي: خذ منها ما شئت، فشكرته، وقلت: أنا في كفاية وغنى عنها[19].

وله في وصل العلماء بالهبات والعطاءات حيل طريفة وطرق ظريفة، منها ما حكى الدارقطني قال: بلغني أنه كان يبعث بمسنده إلى ابن عقدة؛ لينظر فيه، فيجعل بين كل ورقتين دينارًا"[20].

وإنه إذ يصل العلماء في زمانه ويكفي أهل العلم في أوانه لا يفكّر في صلة تنفق فتنقطع، أو صدقة تعطى فتنتهي، بل يذهب إلى ما هو أبقى من ذلك وأدوم، فأنشأ وقوفًا محبّسة على أَهْل العلم، تدرّ لهم المال فيدوم ما دامت الوقوف قائمة، قال الخطيب: كان دَعْلَج من ذوي اليسار، له وقوف على أهل الحديث[21]، نعم وقوف، على العلماء، وهو في الحياة يرعاها.
وفي هذا عظات للمنفقين.

فيا أيها المنفق! لا تنتظر بصدقتك الجارية حتى تقضي فتدعها في يد غيرك ينفقها عنك بعد رحيلك، أيًّا كان ذلك الغير وشدة ثقتك به، بل احرص أن تعمل ذلك بنفسك وأنت على قيد الحياة، وأن تستمرّ على الوفاء به حتى تأتيك الوفاة، وأوص من يبقون بعدك بالإتمام؛ فإن فعلوا كان خيرًا، وإلا فقد كتب أجرك إلى قيام الساعة، كاملًا؛ فإن "لكل امرئ ما نوى"[22].

ويا أيها المنفق! كن ذكيًّا في اختيار وقفك.
نعم يطلب إلى صاحب الوقف - وفقه الله - أن يكون ذكيًّا غاية في الذكاء، وإلا فليسأل الأذكياء.

إنّ وقفك "أو صدقتك الجارية" هي عمُرُك الحقيقي، وعملُك النافع، وابنُك الخالد، فلا تتخذ قرارَك بشأنه في لحظة ولا ما فوق ذلك، - نعم انوه الآن بإخلاص، واعقد العزم عليه فورًا بصدق- ثم تروّ في التنفيذ والاختيار حتى تقع على النافع فعلًا، الذي يستفيد منه الخلق بحق، لا تجر وراء الذائع الشائع الذي يعمله كل أحد، كن نادرًا، وقدر ما يندر ما تقوم به يعمّ نفعه ويكثر درّه الحسناتِ عليك.

وكذا كن ذكيًّا في إدارته وحسن نظره وتصريفه.
إنّ "دعلج" هذا الإمام العلَم يعلّمنا كل ذلكم بموقفه ذاك حسنَ النظر، وحسنَ الاختيار، وحسنَ الإدارة؛ فهو يختار أن يضع أموالَه في العلماء، ويجعل من بعضها وقفًا عليهم، ويعمل ذلك أثناء حياته، بنفسه، ليقوم عليه بحسن الإدارة وإصلاح المسيرة ما حيي!
فلله درّه!

وإنها للفتة ينبغي أن ينتبه لها الميسورون من أهل الفهم؛ إننا نتمنّى على أغنياء الأمة أن يتولَّوا رعاية العلماء من الناحية الماديّة؛ لييسروا لهم مهمتهم، ولأن كثيرًا منهم يعاني ظروفًا إن لم تقطعه عن مواصلة المسيرة فهي تبطئ به، لا ريب.

ولا يمكن أن نطلب من العالم تغيير مسار الأمة بإيقاظ غفلَتها، وقيادة صحوتها، وتوجيه مسيرتها وهو يصبح ويمسي يفكّر في تأمين لقمة عيشه، لنفسه ولأولاده!

سيما ونحن في زمان يدبّر فيه ويخطّط لإنهاك طلاب العلم الشرعي مع الدعاة والعلماء ماديًّا، حتى صار جلهم في أدنى مستويات الفقر!

والأصل أن يوجد وقفٌ إسلامي ينفق منه على العلماء - وطيلة حياة الأمة والواقفون يفعلون ذلك مشكورين مأجورين- لكنّ الدولَ نهبت الأوقاف وصادرتها وتركت العلماء كلأ مستباحًا لكل من يملك قُوتَهم؛ ليتحكم بسببه في مواقفهم! لكن هيهات! فهل يهبّ أولو الفضل والسعة لإنقاذ ملح البلد وعماد الأمة وقوامها؟!

إنّ "دعلج" في هذا الموقف يلخّص لنا الدرسَ الأعظم في الحياة، بوجه غاية في الوضوح والظهور، حين يتوجّه بالكفالة والرعاية لعلماء الأمة دون غيرهم؛ ليعرّفنا أنهم العنصر الرئيس في مجال الإصلاح العام، الذي يتبعه كل إصلاح، فبصلاح العالم يصلح العالم.

وإضافة إلى إكرامه العلماء كانت لدعلج أفضال على عامة الناس تظهر خصائله العظيمة وشمائله الكريمة، يكشف عن بعض ذلك ما نقله أبو بكر الخطيب قال: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن عَبْد اللَّهِ الحداد، وَكَانَ من أَهْل الدين وَالقرآن وَالصلاح، عَنْ شيخ سماه، فذهب عني حفظ اسمه، قَالَ: حضرت يوم جمعة مسجد الجامع بمدينة المنصور، فرأيت رجلًا بين يديّ فِي الصفّ حسن الوقار، ظاهر الخشوع، دائم الصلاة، لم يزل يتنفّل مذ دخل المسجد إِلَى قرب قيام الصلاة ثُمَّ جلس، قَالَ: فعلتني هيبته وَدخل قلبي محبته، ثُمَّ أقيمت الصلاة فلم يصلّ مَعَ الناس الجمعة، فكبر علي ذلك من أمره، وَتعجبت من حاله، وَغاظني فعله!

فلما قضيت الصلاة تقدّمت إليه، وَقلت له: أيها الرجل ما رأيت أعجب من أمرك؛ أطلت النافلة وَأحسنتها وَتركت الفريضة وَضيعتها؟!

فَقَالَ: يا هذا! إن لي عذرًا وَبي علة منعتني عَنِ الصلاة، قلت: وَما هي؟ فَقَالَ: أنا رجل علىّ دين، اختفيت فِي منزلي مدة بسببه، ثُمَّ حضرت اليوم الجامع للصلاة، فقبل أن تقام التفت فرأيت صاحبي الَّذِي له الدّين عليّ وَرائي، فمن خوفه أحدثت فِي ثيابي، فهذا خبري، فأسألك بالله إِلا سترت عليّ وَكتمت أمري، قَالَ: فقلت: وَمن الَّذِي له عليك الدين؟ قَالَ: دعلج بْن أَحْمَد.
قَالَ: وَكَانَ إِلَى جانبه صاحب لدعلج قد صلى وَهُوَ لا يعرفه، فسمع هذا القول وَمضى فِي الوقت إِلَى دعلج فذكر له القصة.

فَقَالَ له دعلج: امض إِلَى الرجل وَاحمله إِلَى الحمام وَاطرح عَلَيْهِ خلعة من ثيابي، وَأجلسه فِي منزلي حَتَّى أنصرف من الجامع، ففعل الرجل ذلك، فلما انصرف دعلج إِلَى منزله أمر بالطعام فأحضر فأكل هو وَالرجل، ثُمَّ أخرج حسابه فنظر فيه، وَإذا له عَلَيْهِ خمسة آلاف درهم، فَقَالَ له: انظر لا يَكُون عليك فِي الحساب غلط أَوْ نسي لك نقده، فَقَالَ الرجل: لا، فضرب دعلج على حسابه وَكتب تحته علامة الوفاء، ثُمَّ أحضر الميزان وَوزن خمسة آلاف درهم وَقَالَ له: أما الحساب الأول فقد حللناك مما بيننا وَبينك فيه، وَأسألك أن تقبل هذه الخمسة آلاف درهم، وَتجعلنا فِي حلّ من الرّوعة الَّتِي دخلت قلبك برؤيتك إيانا فِي مسجد الجامع[23].
لله تلك الشمائل والكرم!

ومن ذلك أيضًا أن أصحاب الحاجات والضوائق ومن نزلت به نازلة كانوا يأتونه فيجدون عنده الفرج، ذكر الخطيب البغدادي عن أحمد بن الحسين الواعظ قال:
قال: أودِع أبو عبد الله بن أبي موسى الهاشمي عشرة آلاف دينار ليتيم، فضاقت يده وامتدت إليها، فأنفقها، فلما بلغ الغلام مبلغ الرجال أمر السلطان بفك الحجرة عليه وتسليم ماله إليه، وتقدم إلى ابن أبي موسى يحمل المال؛ ليسلم إلى الغلام.

قال ابن أبي موسى: فلما تقدم إلي بذلك ضاقت علي الأرض بما رحبت وتحيرت في أمري لا أعلم من أي وجه أغرم المال! فبكرت من داري وركبت بغلتي وقصدت الكرخ، لا أعلم أين أتوجه! فانتهت بي البغلة إلى درب السلولي، ووقفت بي على باب مسجد دعلج بن أحمد، فثنيت رجلي ودخلت المسجد فصليت خلفه صلاة الفجر، فلما سلم انفتل إلي ورحب بي وقام وقمت معه ودخل إلى داره، فلما جلسنا جاءته الجارية بمائدة لطيفة وعليها هريسة، فقال: يأكل الشريف، فأكلت وأنا لا أحصل أمري، فلما رأى تقصيري قال: أراك منقبضًا، فما الخبر؟ فقصصت عليه القصة وأنني أنفقت المال، فقال: كل فإن حاجتك تقضى.

ثم أحضر حلواء فأكلنا، فلما رفع الطعام وغسلنا أيدينا قال: يا جارية! افتحي ذلك الباب، فإذا خزانة مملوءة زبلًا[24] مجلدة، فأخرج إليّ بعضها وفتحها، إلى أن أخرج النقد الذي كانت الدنانير منه، واستدعى الغلام والتخت[25] والطيار[26]، فوزن عشرة آلاف دينار، وبدرها، وقال: يأخذ الشريف هذه، فقلت: يثبتها الشيخ علي، فقال: أفعل، وقمت وقد كاد عقلي يطير فرحًا، فركبت بغلتي وتركت الكيس على القربوس[27] وغطيته بطيلساني، وعدت إلى داري وانحدرت إلى دار السلطان بقلب قوي وجنان ثابت، فقلت: ما أظنّ إلا أنه قد استشعر فيّ أني قد أكلت مال اليتيم واستبددت به والمال، فقد أخرجته.

فأحضر قاضي القضاة والشهود والنقباء وولاة العهود، وأحضر الغلام وفكّ حجره وسلّم المال إليه، وعظّم الشكر لي والثناء عليّ.
فلما عدت إلى منزلي استدعاني أحد الأمراء من أولاد الخليفة -وكان عظيم الحال- فقال: قد رغبت في معاملتك وتضمينك أملاكي ببادوريا[28] ونهر الملك[29]، فضمنت ذلك بما تقرر بيني وبينه من المال، وجاءت السنة ووفّيته، وحصل في يدي من الربح ما له قدر كثير.

وكان ضماني لهذه الضياع ثلاث سنين، فلما مضت حسبت حسابي وقد تحصل في يدي ثلاثون ألف دينار، فعزلت عوَض العشرة آلاف التي أخذتها من دعلج وحملتها إليه وصليت معه الغداة، فلما انفتل من صلاته ورآني نهض معي إلى داره، وقدم المائدة والهريسة، فأكلت بجأش ثابت وقلب طيب، فلما قضينا الأكل قال لي: خبرك وحالك! فقلت: بفضل الله وبفضلك[30]، قد أفدت بما فعلته معي ثلاثين ألف دينار، وهذه منها عشرة آلاف دينار عوض الدنانير التي أخذتها منك، فقال: يا سبحان الله! والله ما خرجت الدنانير عن يدي ونويت آخذ عوضها.

فقلت له: أيها الشيخ! إيش هذا المال حتى يهب لي عشرة آلاف دينار، فقال: نشأت وحفظت القرآن وسمعت الحديث، وكنت أتبزّز[31]، فوافاني رجل من تجّار البحر، فقال لي: أنت دعلج بن أحمد؟ فقلت: نعم، فقال: قد رغبت في تسليم مالي إليك؛ لتتجر به، فما سهل الله من فائدة كانت بيننا وما كان من جائحة كانت في أصل مالي، وسلم إلي بارنامجات بألف ألف درهم، وقال لي: ابسط يدك ولا تعلم موضعًا ينفق فيه هذا المتاع إلا حملته إليه واستبنت فيه الكفاءة، ولم يزل يتردد إليّ سنة بعد سنة؛ يحمل إلي مثل هذا، والبضاعة تنمي.

فلما كان في آخر سنة اجتمعنا فيها قال لي: أنا كثير الأسفار في البحر فإن قضى الله علي بما قضاه على خلقه فهذا المال لك، على أن تصدق منه وتبني المساجد وتفعل الخير، فأنا أفعل مثل هذا، وقد ثمّر الله المال في يدي، فأسألك أن تطوي هذا الحديث أيام حياتي[32].

ليس هذا - الجود على أهل العلم وذوي الضائقات- عمل دعلج فحسب، فقد جاء في كتاب بغية الطلب فى تاريخ حلب، أنه دخل الشام، ومرّ بالثغور الشاميّة، ووقف بطرسوس دارًا على المجاهدين في سبيل الله تعالى، ووقف عليها وقفًا، وكان كثير المعروف والصدقات[33].

لقد استفاد "دعلج" من ماله -إذن- وأفاد غيره، على خير ما يكون!
وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قوله: "نعم المال الصالح للعبد الصالح"[34].
لقد أكرمه الله بالمال فعرف كيف يكرم به نفسه في الدنيا والآخرة ويسوق الكرامة إلى غيره.

ويظهر أنّ "دعلج" لم يخلّف وارثًا؛ إذ وقفت في سير أعلام النبلاء على قول أبي ذر الهروي: سمعت أن معزّ الدولة أول ما أخذ من المواريث مالَ دعلج، خلّف ثلاثمائة ألف دينار[35]، إن لم يكن ذلك غصبًا، فإن معز الدولة هذا كان شيعيًّا بويهيًّا وهو أوّل من تسلّط على الخلافة في بغداد بعد ضعف شأنها في أواخر عهد الدولة العباسية سنة (334هـ).

ثم وقفت على قول أبي عبد الله الحاكم: "كان السلطان لا يتعرض لتركة، ثم لم يصبر عن أموال دعلج"[36]!
ولكن لئن كان ذلك الظالم قد اعتدى على أمواله واغتصبها، إلا أنه ترك أوقافه[37]، فلم يغصبها كما غصب ما خلفه من أموال، فبقيت صدقة جارية عليه بالخير إلى ما شاء الله.
♦ ♦ ♦

وكان "دعلج" قد اختار أوّلًا الإقامة في مكة المكرّمة؛ رغبة في جوار البيت، وخدمة زائريه، ومحبة في نفعهم بما يستطيع، فاشترى بمكة دارَ العباسية بثلاثين ألف دينار[38]، وجاور بها مدة، لكنّ حادثة وقعت له وقتئذٍ جعلته يحجم عن إتمام قصده، ويقصّ أبو العلاء الواسطي أن دعلجًا سئل عن مفارقته مكة، فقال: خرجت ليلة من المسجد، فتقدم ثلاثة من الأعراب، فقالوا: أخٌ لك من خراسان قتل أخانا، فنحن نقتلك به! فقلت: اتقوا الله، فإن خراسان ليست بمدينة واحدة، ولم أزل بهم إلى أن اجتمع الناس وخلّوا عني[39].

وتحوّل بعدها إلى بغداد، فأقام بها، وطاب له المقام هناك، حتى كان يقول: ليس في الدنيا مثل داري، وذلك لأنه ليس في الدنيا مثل بغداد، ولا ببغداد مثل محلة القطيعة، ولا في القطيعة مثل درب أبي خلف، وليس في الدرب مثل داري[40].

وفي عام (351 هـ) توفي دعلج بن أحمد بن دعلج المعدَّل، هذا العلم الكبير[41] الذي ملأ زمانه علمًا وفقهًا، وملأه كذلك جودًا وسخاء وكرمًا، وهو ابن اربع أو خمس وتسعين سنة، وشاء الله أن يكون العام الذي شهد موته هو نفس العام الذي شهد موت شيخ القرّاء والمفسرين أبو بكر النقاش ببغداد، ومحدّث الكوفة أبو جعفر بن دحيم، ومسند بغداد ميمون بن إسحاق صاحب العطاردي.
رحم الله الجميع وألحقنا بهم على خير.

وإنّ في حياة "دعلج"، هذا التاجر العالِم، والثريّ المحدّث، والمليّ الفقيه لعبرًا لأولي الأبصار؛ في همته وترحاله، وفي بره وإفضاله!

ومن هذه العبَر: استغلال الممكن من الأسباب، فهذا -دعلج- رجل وظّف إمكانياته في تحقيق هدفه، فنعمّا ما فعل؛ إذ استوضح الهدف، وسدّد إليه القصد والعزم، واستغلّ كل إمكاناته للوصول إليه!

وأوّل خطوات تحقيق هدفك - يا طالب العلم - أن تحدّد هدفك، وأن يكون على أساس نقاط قوتك، ثم تضعه على رأس أولوياتك واهتماماتك، وتصوّب إليه كل عزمك وتسعى إليه بكلّ همتك، لا تدّخر في سبيل ذلك أي شئ قد يساعدك على تحقيق هذا الهدف! وضَعْ نصب عينيك أن هدفك عظيم، ومن ثمّ فالتضحيات أيضًا لأجله -بالتحلي أو التخلّي- يجب أن تكون عظيمة، فإنه:
عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ
وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ
وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها
وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ

واحذر وقد سعيت إلى هدف غالٍ ألا تنسيك مغانم الطريق أو مغارمه هدفك الذي تسعى فيه!
واستعن بالله -أخي- ولا تعجز!


[1] سير أعلام النبلاء (16/ 30)، الذهبي، ت الأرناءوط وآخرين، ط الرسالة.

[2] تاج العروس (5/ 569)، الزَّبيدي، ط دار الهداية.

[3] تاريخ الإسلام (8/ 30)، الذهبي، ت بشار، ط دار الغرب الإسلامي.

[4] تاريخ بغداد (8/ 387)، الخطيب البغدادي، ت بشار، ط دار الغرب الإسلامي.

[5] تاريخ دمشق (17/ 279).

[6] تاريخ الإسلام، (8/ 30).

[7] تاريخ بغداد (8 / 387 - 388).

[8] نفسه (8 / 388).

[9] نفسه.

[10]نفسه.

[11] رواه البخاري (79)، ومسلم (2282).

[12] سير أعلام النبلاء (16/ 31).

[13] نفسه (16/ 31).

[14] طبقات الشافعية الكبرى (3/ 291)، للسبكي، ط هجر.

[15] العقد المذهب في طبقات حملة المذهب (ص236)، لابن الملقن، ط دار الكتب العلمية.

[16] الرسالة المستطرفة (73).

[17] سير أعلام النبلاء (16/ 34).

[18] نفسه (16/ 31).

[19] تاريخ الإسلام (8/ 31).

[20] سير أعلام النبلاء (16/ 32).

[21] نفسه (16/ 31).

[22] متفق عليه؛ رواه البخاري (1)، ومسلم (1907).

[23] تاريخ بغداد (9/ 366).

[24] الزبل جمع زبيل كأمير: القفة أو الجراب أو الوعاء (القاموس).

[25] التخت: الكرسي أو المقعد.

[26] الطيار: ميزان الدراهم.

[27] القربوس: حنو السرج، قال الأزهري: وللسرج قربوسان (انظر اللسان).

[28] بادوريا: ناحية من كورة الاستان بالجانب الغربي من بغداد (ياقوت).

[29] نهر الملك: كورة واسعة ببغداد بعد نهر عيسى يقال إنه يشتمل على ثلاث مئة وستين قرية (ياقوت).

[30] هذا القول لا يجوز، والصواب أن يقول: بفضل الله ثم بفضلك؛ لما ثبت في المسند والسنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان" [رواه أحمد (23313)، وأبو داوود (4980) وصححه الألباني فيه]، فنهى مطلقًا عن واو التشريك.

[31] البزاز: مَنْ يَتَّجِرُ في الثِّيابِ.

[32] تاريخ بغداد (9/ 366).

[33] بغية الطلب فى تاريخ حلب (7/ 3531)، لابن العديم، مكتبة الثقافة الدينية.

[34] رواه أحمد (4/197)، وغيره، وصححه الألباني.

[35] سير أعلام النبلاء (16/ 34).

[36] نفسه.

[37] نفسه.

[38] سير أعلام النبلاء ط الرسالة (16/ 34).

[39] المنتظم (7/ 10)ابن الجوزي، دار صادر.

[40] تاريخ بغداد (8 / 389).

[41] للنظر في سيرة "دعلج" والاستزادة من أخباره، راجع: "تاريخ بغداد" (8/ 387 - 392)، و"سير أعلام النبلاء" (16/ 30)، و"تاريخ الإسلام" الطبقة (54)، و"المنتظم" (7 / 10 - 14)، و"وفيات الأعيان" (2 / 271 - 272)، و"تذكرة الحفاظ" (3 / 881 - 882)، و"العبر" (2/291)، و"طبقات الشافعية" للسبكي (3 / 291 - 293)، والبداية والنهاية (11 / 241 - 242)، و"النجوم الزاهرة" (3 / 333)، و"طبقات الحفاظ" (360)، و"شذرات الذهب" (3 / 8)، و"الرسالة المستطرفة" (73)، و"النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد" (1/ 315)، وغيرها.