في الدفاع عن الصحابة رضوان الله عليهم
د. محمد ويلالي







الدفاع عن الصحابة (1)










في الدفاع عن الصحابة رضوان الله عليهم







الخطبة الأولى



كنا تحدثنا عن مخاطر الفتن في حياة المسلمين، وأن العمل على إثارتها، وإشعالِ نارها، أو الانسياقِ وراء أصحابها، هو من أكبر الكوابح التي تحول دون قيام الدول الإسلامية القوية، التي ينعم أفرادها بسلامة إيمانهم، وصحة معتقدهم، وينشأ أبناؤها على حب الله، وحب رسوله، وصحابته، وصالح المؤمنين.







ومن أعظم ما يذكي هذه الفتن بين الناس، الأفكار الهدامة، التي تضرب بكتاب الله، وصحيح سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عرض الحائط، لتقدم عليها الأهواء الذاتية، والحظوظ الشخصية، والله تعالى يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾.







ولقد ارتأيت أن أشرع في سلسلة جديدة، تحت عنوان: "سلسلة الدفاع عن الصحابة"، انطلاقا مما يعرفه صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الأيام - من حملة شرسة غير مسبوقة، يجسدها فكر الروافض المتشيعين، الذين طفت أفكارهم على سطح القضايا السياسية المعاصرة، وبدأت تكتسح الساحة الفكرية، وصارت كتبهم تعرض في المعارض الدولية، ويخصص للتعريف بها حيز ليس باليسير، بل صار لهذا الفكر أتباع في معظم البلاد الإسلامية، ينبتون هنا وهناك، مشوشين على ناشئتنا، وبعض الغمر من مفكرينا، الذين اتسعت بعض المنابر الإعلامية في بلدنا لنشر أقوالهم، والتعريف بمعتقداتهم، مع تنامي قنواتهم الفضائية، التي تهجم على بعضنا في بيته، والتي تحاول جاهدة اصطياد بعض أهل السنة، الذين لم يفطنوا إلى الحبائل المتربصة بهم، والمكائد المحبوكة لإضلالهم بمعتقدات فاسدة، وأقاويل ضالة، قطب رحاها، وعصب حياتها، الاعتقاد بارتداد معظم الصحابة بعد موت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، مما يستوجب - في اعتقادهم - التقرب إلى الله تعالى بسبهم، ولعنهم، والتبرؤ منهم.







واصبر معي أيها المؤمن الصادق، وأيتها المؤمنة الصالحة، وأنت تقف معي على بعض أقاويلهم الجارفة للحق، المضللة للخلق، التي تبدأ من مواقفهم المشككة في كتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، مرورا بتكفير الصحابة ولعنهم، والطعن في أعراضهم، على حساب عصمة أئمتهم وتأليههم.







فهم يرون أن القرآن الذي بين أيدينا، والذي حفظه الله تعالى بقوله: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ"، وبقوله تعالى: ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾، هو قرآن ناقص ومحرف، أخفى منه الصحابة - وبخاصة أبا بكر وعمر رضي الله عنهما - ثلثه أو ثلثيه، مما يتحدث عن طائفتهم، وأئمتهم، وما يتصل بخلافة علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وعصمته، حتى ألف أحدهم كتابا سماه: "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب". أما مصحفهم الصحيح الكامل، فسيظهر في آخر الزمان مع المهدي المنتظر.







أما أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي نؤمن بها، ونحكمها في حياتنا، وعبادتنا، وأحوالنا، فهي غير معترف بها عندهم، ما دام الناقلون لها هم الصحابة، وهم - في نظرهم - مرتدون، لا تقبل رواياتهم، ولا يوثق بنقلهم. يقول أحد مراجعهم: "ما يرويه مثل أبي هريرة، وسمرة بن جندب، وعمرو بن العاص ونظائرِهم، فليس لهم عند الإمامية مقدار بعوضة". فلم يبق لهم بعد هدم القرآن والسنة، إلا القول بعصمة أئمتهم، الذين ينقلون عنهم كل ما هب ودب، وكأنه وحي مقدس.







كيف لا وهؤلاء الأئمة - عندهم - معصومون عن الخطأ، ترتفع مقاماتهم حتى تتجاوز مقامات الأنبياء والملائكة، فهم يعلمون علم الحاضر والغائب، لا يخفى عليهم شيء. قال أحد علمائهم، وهو الكُلَيْنِي في كتابه الكافي، الذي يجلونه كما نجل نحن صحيح البخاري أو أكثر: "بَابُ أَنَّ الْأَئِمَّةَ يَعْلَمُونَ عِلْمَ مَا كَانَ، وَمَا يَكُونُ، وَأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِمُ الشَّيْءُ". ويبوب في مكان آخر من الكتاب: "بَابُ أَنَّ الْأَئِمَّةَ يَعْلَمُونَ مَتَى يَمُوتُونَ، وَأَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ إِلَّا بِاخْتِيَارٍ". وينسب لجعفر الصادق القول: "إِنِّي لَأَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ، وَمَا فِي الْأَرْضِ، وَأَعْلَمُ مَا فِي الْجَنَّةِ، وَأَعْلَمُ مَا فِي النَّارِ، وَأَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ". وانتشرت كلمتهم: "إن من ضرورات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه مَلَك مقرب، و لا نبي مرسل". بل يعتبرون أن من أنكر إمامة واحد من أئمتهم، فقد جحد ما أوجبه الله تعالى له من فرض الطاعة، وهو كافر، ضال، مستحق للخلود في النار.







ثم هم يتعبدون الله - في زعمهم - بسب كبار الصحابة، المبشرين بالجنة وغيرهم، ويروون في ذلك عن أئمتهم ما هو واضح البهتان، جلي الزَّيَغَان. من ذلك ما ينسبونه للباقر والصادق: "ثلاثة لا يكلَّمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: من ادعى إمامة ليست له، ومن جحد إمامًا من عند الله، ومن زعم أن أبا بكر وعمر لهما نصيب في الإسلام".







ويقول أحد غُلاتهم: "إننا نتبرأ من الأصنام الأربعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، ومعاوية. ومن النساء الأربع: عائشة، وحفصة، وهند، وأم الحكم"، ويؤولون على ذلك كتاب الله كذبا وافتراء، واتباعا لأهوائهم، وما يمليه عليهم كبراؤهم. ففي قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ ﴾ هما أبو بكر وعمر. وينزلون عليهما قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً ﴾، وقوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ﴾، إلى غير ذلك من الأباطيل التي لا يجرؤ على قولها إلا منافق معلوم النفاق.









مدحوا النبي وخونوا أصحابه

ورموهمُ بالظلم والعدوان









هؤلاء هم الروافض، فُضِّلت عليهم اليهود والنصارى - كما قال شيخ الإسلام - بخصلتين: "سئلت اليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى. وسئلت النصارى: من خير ملتكم؟ قالوا: حواريو عيسى. وسئلت الرافضة: من شر ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -، أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم". ولقد صدق، فقد أساؤوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حيث طعنوا في صحابته. قال الإمام مالك - رحمه الله -: "إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلم يمكنهم ذلك، فقدحوا في أصحابه حتى يقال: رجل سوء، ولو كان رجلًا صالحًا لكان أصحابه صالحين".







الخطبة الثانية



أما أهل السنة والجماعة، فيعتقدون أن الصحابة الكرام أشرف خلق الله تعالى بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خير أمتي قرني" البخاري. ولذلك نهى - صلى الله عليه وسلم - أن يَنتقِص منهم أحد، أو يَنال منهم فقال - صلى الله عليه وسلم -: "احفظوني في أصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" صحيح سنن ابن ماجة. وقال: "لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ" البخاري. وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" ص. الجامع.







وكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: "لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -، فَلَمَقَامُ أَحَدِهِمْ سَاعَةً خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أَحَدِكُمْ عُمْرَهُ" صحيح سنن ابن ماجة.







وقيل لأم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -: "إن أناساً يتناولون أصحاب رسول الله حتى أبا بكر وعمر. فقالت: وما تعجبون من هذا، انقطع عنهم العمل (أي: الصحابة)، فأحب الله أن لا ينقطع عنهم الأجر".







وثبت عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: "إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، وابتعثه برسالته. ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد - صلى الله عليه وسلم -، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه".







وأجمع علماؤنا على ذلك، فقال الإمام مالك - رحمه الله -: "الذي يشتم أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس له نصيب في الإسلام". وسئل - رحمه الله - عن الرافضة، فقال: "لا تكلمهم، ولا تروِ عنهم، فإنهم يكذبون".







وقال الإمام أحمد - رحمه الله -: "إذا رأيت الرجل يذكر أحداً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسوء، فاتهمه على الإسلام".







وقال الإمام أبو زرعة الرازي - رحمه الله -: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعلم أنه زنديق، وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآنَ والسننَ أصحابُ رسول - صلى الله عليه وسلم -، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة".








ويقول الإمام الطحاوي: "ونحب أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان".









انْظُرْ إلى هدْىِ الصَّحَابَةِ وَالذِي

كانُوا عَلَيْهِ في الزَّمَانِ الَخْالِي


دَرَجُوا عَلَى نَهْجٍ الرَّسُولِ وَهَدْيه

وَبِهِ اقْتَدوْا في سَائرِ الأحوالِ


القَانِتِينَ المُخْبِتينَ لِرَبهِمْ

النَّاطِقِينَ بأَصْدَقِ الأقوَالِ