تفكرت في العشر


الزهراء أشرف





سائق الشاحنة يتوقَّف إذا فرغ وقودُ مركبته، أو إذا أصابته غفوة فأراد الشعور بالرَّاحة قليلًا، أو ربما أثناء شعوره بالإعياء ما قبل الغفوة - فيتَّخذ مسارًا آخر غير وجهته، ويميل قليلًا ويبتعد عن وجهته، ليقابل محطَّة فيعيد ملء المركبة بالوقود، أو يسأل من أين يعود مرَّة أخرى إلى الطَّريق الصحيح، ولكن هناك على الطريق دومًا محطة لإعادة تهيئة الأمور من جديد.

هكذا هي مواسم الطاعات؛ من رمضان الذي هو ﴿ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ﴾ [البقرة: 184]، إلى العشر الأوائل من ذي الحجة التي هي ﴿ أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ ﴾ [الحج: 28] - محطَّة نتوقَّف عندها كلَّ عام ليرى كلٌّ منَّا: أين هو؟ على أي طريق يسير؟ إلى أي مدى طاقته لكي يواصل المسير؟ كيف هي علاقته بالله؟ كيف يبدؤها؟ كيف يقوِّمها؟

يبحث عن سبيل لمغفرة ما اقترف في حقِّ نفسه، يبحث عن يومٍ يدعو اللهَ فيه ويسأله حاجته التي تؤرِّقه، عن علمٍ يريد الزيادة فيه، عن نار يريد النَّجاة منها، عن فردوس يطمع فيه، يسأله الإعانة على تكملة الطريق، يسأله الثَّبات عند اشتداد الفِتن، يخرج من بيته أشعث أغبر ملبِّيًا ومكبِّرًا إلى بيته الحرام والوقوف على عرفات يطلب مغفرة من الله، ويقيم شعيرة ذبح الأضحية، ولن ينال الله منه سوي التقوى.

تفكَّرتُ في معنى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: ((ما من أيَّامٍ العملُ الصَّالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام))، لا شك أن الله عز وجل يحبُّ العملَ الصالح في كلِّ الأوقات، ولكن في هذه الأيام يحبُّه أكثر، أي حب المحبوب، التفضيل للحثِّ على الاستزادة من الأعمال الصَّالحة التي تقرِّب إلى الله.


وقال أيضًا عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ لربكم في أيام دَهركم لنَفَحات؛ ألا فتعرَّضوا لها، لعلَّ أحدكم تصيبه نَفحة منها فلا يَشقى بعدها أبدًا))، أليست هذه فرصة للبدء من جديد؟ أليست هذه نَفحة يجب أن نتعرَّض لها؟

يا من تقرأ في فضل العشر، ها هي العشر أقبلتْ، قم وابدأ في العمل، يا من تتخبَّط في الدَّرب لعلَّه تصيبك نفحة لا تشقى بعدها أبدًا، يا من يُسرق عمرُه منه ولا يشعر، قم بربِّك قاوم وجاهد؛ لعلَّ الطَّريق يبدأ من هنا.