أم عمارة نسيبة بنت كعب الأنصارية
أ. عمر رضا كحالة






إذا نظرنا إلى نساء صدر الإسلام نجد بعضهن قد تحلين بالعلم والحديث والفقه والأدب، وبعضهن خُضن غمار ساحات الحرب، وبعضهن انصرفن إلى الزهد والصلاح، وبعضهن تعاطين التجارة والصناعة إلى غير ذلك من الأعمال التي تقوم بها الحياة البشرية التي كانت معروفة في ذلك العصر.

وأما الناحية التي خصصناها لهذا المقال فهي ناحية الجهاد والحرب، التي خاضت غمارها بعض نساء صدر الإسلام وأحسن نموذج يمثل لنا تلك الناحية، الصحابية الجليلة والمجاهدة الكبيرة أم عمارة نَسيبة الأنصارية التي جاهدت جنباً لجنب مع المجاهدين الأبطال لإعلاء كلمة لا إله إلا الله وطمس معالم الكفر والإلحاد وقد أبلت بلاء حسناً في أكثر المواقع التي شهدتها وسجلها لها التاريخ بكل فخر وإعجاب.



بعد أن نطقت أم عمارة بالشهادتين ودخلت في دين الله الخالص وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على طاعة الله، شهدت «أحداً» مع زوجها غزينة بن عمرو وابنيها فخرجت في أول النهار تريد أن تسقي الجرحى، فانتهت إلى رسول الله وهو في أصحابه والدولة والريح للمسلمين، فلما انهزم المسلمون انحازت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت تباشر القتال وتذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف، وترمي بالقوس حتى خلصت إليها الجراح، وذلك لما ولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أقبل ابن قميئة[1] وهو يصيح دلوني على محمد فلا نجوت إن نجا، فاعترض له مصعب بن عمير وناس معه، وقد كانت أم عمارة فيهم، فضربه وضربت أم عمارة ضربات، ولكن كان عليه درعان فاتقى بهما ضرباتها.

وقالت أم عمارة: انكشف الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فما بقي إلا نفر ما يتممون عشرة وأنا وابناي وزوجي بين يديه نذب عنه صلى الله عليه وسلم والناس يمرون منهزمين ورآني صلى الله عليه وسلم لا ترس لي معي، فرأى رجلاً مولياً معه ترس فقال لصاحب الترس: ألقي ترسك إلى من يقاتل، فألقى ترسه فأخذته فجعلت أتترس به عن رسول الله، وإنما فعل بنا الأفاعيل أصحاب الخيل، لو كانوا رجالة مثلنا أصبناهم إن شاء الله، فيقبل رجل عليَّ على فرس فضربني وتترست له فلم يصنع سيفه شيئاً، وولى وأضرب عرقوب فرسه فوقع على ظهره، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصيح يا ابن أم عمارة! أمك أمك. قالت فعاونني عليه حتى أوردته شعوب[2].



وظلت أم عمارة تقاتل وتداوي الجرحى وتسقيهم الماء حتى جرح ابنها عبيد بن زيد، وجعل دمه يسيل وهي لاهية عنه بقتال الأعداء حتى ناداها رسول الله صلى الله عليه وسلم أعصب جرحك، فتنبهت إلى ابنها وأقبلت إليه ومعها عصائب في حقوبها قد أعدتها للجراح، فربطت جرحه والنبي صلى الله عليه وسلم واقف ينظر إليها، ثم قالت أم عمارة لابنها: بني انهض فضارب القوم، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ومن يطيق ما تطيق أم عمارة، ثم أقبل الرجل الذي ضرب ابنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا ضارب ابنك، قالت فأعترض له فأضرب ساقه فبركت، قالت أم عمارة فرأيت رسول الله يبتسم حتى رأيت نواجذه، وقال: استقدت يا أم عمارة، ثم أقبلنا نعلّه بالسلاح حتى أتينا على نفسه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي ظفرك وأقرّ عينك من عدوك وأراك ثأرك بعينك[3].



وفي رواية كان يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لمقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من مقام فلان وفلان، وكان يراها يومئذ (يوم أحد) تقاتل أشد القتال وإنها لحاجزة ثوبها على وسطها حتى جرحت ثلاثة عشر جرحاً، وكان يقول: إني لأنظر إلى ابن قميئة وهو يضربها على عاتقها وكان أعظم جراحها، فداوته سنة، ثم نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد فشدت عليها ثيابها فما استطاعت من نـزف الدم، ولقد مكثوا ليلتهم يضمدون الجراح حتى أصبحوا، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحمراء ما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته حتى أرسل إليها عبدالله بن كعب المازني يسأل عنها فرجع إليه يخبره بسلامتها فسر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم[4].

وقيل لأم عمارة: يا أم عمارة هل كن نساء قريش (أي نساء الأعداء) يومئذ يقاتلن مع أزواجهن؟ فقالت: أعوذ بالله لا والله، ما رأيت امرأة منهن رمت بسهم ولا حجر، ولكن رأيت معهن الدفاف والاكبار يضربن ويذكرن القوم قتلى بدر[5].

وأتى عمر بن الخطاب بمروط فكان فيها مرط جيد واسع، فقال لبعضهم: إن هذا المرط لثمن كذا وكذا، فلو أرسلت به إلى زوجة عبدالله بن عمر صفية بنت أبي عبيد، قال أحدهم: ابعث به إلى من هو أحق به منها أم عمارة نسيبة بنت كعب، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم أحد: ما التفت يميناً ولا شمالاً إلا وأنا أراها تقاتل دوني[6].

وقد شهدت أم عمارة بيعة الرضوان، ثم شهدت قتال مسيلمة باليمامة[7] وذلك لما تهيأ بعث خالد إلى اليمامة جاءت إلى أبي بكر فأستأذنته للخروج فقال: قد عرفنا جزاءك في الحرب، فاخرجي على اسم الله وأوصى خالد بن الوليد بها وكان مستوصياً بها، وقد جاهدت باليمامة أجلّ جهاد، وجرحت يومئذ اثنى عشر جرحاً، وقطعت يدها وقتل ولدها[8].



ولما انقطعت الحرب وصارت أم عمارة إلى منـزلها جاءها خالد ابن الوليد إلى منـزلها يطلب من العرب مداواتها بالزيت المغلي، فكان أشد عليها من القطع، وكان خالد كثير التعاهد بها، حسن الصحبة، يعرف حقها، ويحفظ فيها وصية النبي صلى الله عليه وسلم ولما قدمت المدينة وبها الجراحة، رؤي أبو بكر يأتيها يسأل عنها وهو يومئذ خليفة.

وعن أم عمارة أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت ما أرى كل شيء للرجال، وما أرى النساء يذكرن! فنـزلت هذه الآية إن المسلمين والمسلمات الآية[9].

وقد روت أم عمارة عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث وعن عمر[10] وروى عنها ابن سيرين وأخته حفصة، وعلي بن الأرقم، وعبدالله بن عمير، وعباد بن قميم بن زيد، والحارث بن عبدالله بن كعب وعكرمة وليلى مولاة لهم[11].



مجلة التمدن الإسلامي، السنة الثالثة، العدد العاشر، 1356هـ - 1937م






[1] وفي السيرة لابن هشام: قمئة.




[2] طبقات ابن سعد.




[3] طبقات ابن سعد.




[4] طبقات ابن سعد.




[5] شرح ابن أبي حديد.




[6] طبقات ابن سعد.





[7] الاستيعاب لابن عبدالبر.




[8] مناقب النساء الصحابيات لعبدالغني المقدسي خط، وفي الاستيعاب لابن عبدالبر: أحد عشر جرحاً.




[9] الاستيعاب لابن عبدالبر.




[10] تذهيب التهذيب خط للذهبي.




[11] الإصابة لابن حجر.