مسرح الطفل: الإطار المرجعي والقيمي تمثلا وإسقاطا


غزلان هاشمي






يُعرف مسرح الطفل بأنه المسرح المقدَّم إلى الطفل بغاية الترفيه أو التوجيه، أو ما كان موضوعه الطفولة، أو ما كتبه أطفال مبدعون، وقبل التعريج على دوره وأهميته وجَب تقديم ملمح عام حول نشأته في العالم.

يعود مسرح الطفل إلى أصول فرعونية مع ظهور مسرح الدُّمى؛ إذ وُجد في مؤلفات أرسطو وهوراس حديث عن الدمى التي تتحرك بشد الخيوط، وأما في أوربا فعُرف مسرح الطفل منذ القرن 18، وأول عرض مسرحي للأطفال قدمته "مدام ستيفان يدي جبلينيس" عام 1784 في باريس، ولو أن البعض يؤرخ للبداية بالقرن 19 مع محاولات الأديب الدانماركي: هانز كريستيان أندرسن (1805-1875)؛ حيث عُدَّ رائدًا لمسرح الطفل، وتُرجمت مسرحياته إلى عدة لغات؛ كمسرحية الحورية الصغيرة، وعقلة الإصبع، والبطة الدميمة، والحذاء الأحمر... والمسرحية الأخيرة تُرجمت إلى العربية، وعُدَّت أول عمل مسرحي يقدَّم في الوطن العربي، وأما في الو .م .أ فأنشئ أول مسرح للأطفال عام 1903، بينما كان الاهتمام كبيرًا بهذا المسرح في الاتحاد السوفياتي؛ إذ أشارت الإحصائيات إلى وجود نحو 47 مسرحًا بشريًّا للأطفال، وأكثر من 111 مسرحًا للعرائس.

افتتح أول مسرح للأطفال بألمانيا عام 1946؛ حيث هدف إلى مسح كل الذكريات المؤلمة العالقة بأذهان الأطفال جراء الحروب، كما هدف إلى إعادة بناء شخصية الطفل، وأسهَم هذا المسرح في تعبئة مشاعر الكُرْهِ والمقاومة ضد الغزو النازي، ومن أهم المسرحيات التي اضطلعت بذلك مسرحية: تيمور ورفاقه، التي تحكي قصة طفل شكَّل عصبة من الأطفال، مهمتهم مساعدة المحاربين، وبسبب تأثير هذه المسرحية التي قُدِّمت في أرجاء البلاد كلها شكلت مجموعات من الأطفال لمساعدة المحاربين، سمِّيت: منظمات تيمور.

كما نضج المسرح المقدَّم للأطفال في مدينة برلين؛ نظرًا لارتكازه على معايير علمية؛ حيث مزجت فيها البهجة أو المتعة بالقِيَم الخلقية، وبث روح البطولة، أما في فرنسا فقُدِّمت عروض مسرحية مختلفة في المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية لمسرحيين كبار، بينما قامت "جيسي جرانتو" بإنشاء مسرح للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين خمسة أعوام إلى عشرة بإيطاليا عام 1959؛ حيث اهتم هذا المسرح بالطفل والأب والأم أيضًا، وقدمت مسرحيات مختلفة؛ كسندريلا، والأميرة النائمة، وأخرى من تأليفها الخاص، ولاقت نجاحًا كبيرًا.

أما في الوطن العربي فحكايات خيال الظل مثَّلت البدايات الأولى لنشأة مسرح الطفل، وكان ذلك على يد "ابن دانيال الموصلي" في القرن السابع الهجري، ثم فن القراقوز؛ حيث كان الهدف منها الإضحاك والمتعة، واستثارة الخيال؛ نظرًا لمزجِها بين الخيال والواقع، لكن مسرح الطفل - كما هو معروف الآن - تأخَّر ظهوره في الوطن العربي.

ويُعَد الشاعر المصري محمد الهراوي (1885 - 1939) رائد التأليف المسرحي للأطفال؛ إذ كتَب خمس مسرحيات نثرية وشعرية للأطفال بلُغةٍ سهلة بسيطة ما بين 1922 - 1939، من بينها: حلم الطفل ليلة العيد، عواطف البنين، الذئب والغنم...، ثم تنامى مع المسرح المدرسي مع الرواد المعلمين؛ كالشاعر محمود غنيم، ومحمد محمود رضوان، ومحمد يوسف المحجوب؛ إذ قدم هؤلاء مسرحيات إسلامية تستقي عناصرها من التاريخ الإسلامي.

وبُذلت جهود كثيرة في هذا الشأن بعد تنامي الإحساس بأهميته، وكانت من بين المحاولات الجادة محاولة الأديب السوري عادل أبو شنب في الستينيات بمسرحية الفصل الجميل، والشاعر السوري سليمان العيسى، وكذا ما قدمه الكاتب المغربي علي الصقلي، والكاتب التونسي مصطفى عزوز في سلسلة المسرح الصغير، وأيضًا مجموعة الشاعر المصري أحمد سويلم للأطفال، والتي راعى فيها التقنيات الدرامية والفنية للمسرح، واستمر التأليف المسرحي، ولكثرة الأسماء نكتفي بهذا الحد.

وأما في الجزائر فبدأ النشاط المسرحي المخصص للأطفال في ثلاثينيات القرن العشرين أثناء الاحتلال الفرنسي؛ إذ ألَّف محمد العيد آل خليفة مسرحية "بلال" عام 1938، كما كتب الأستاذ محمد الصالح رمضان مسرحية "الناشئة المهاجرة"، ومسرحية "الخنساء" ومسرحية "مغامرات كليب"، وألَّف كلٌّ من أحمد رضا حوحو وأحمد بن ذياب بعض المسرحيات ما بين الأربعينيات وبداية الخمسينيات؛ لينشط مسرح الأطفال في السبعينيات والثمانينيات أكثر، ويمكن القول: إن الأزمة أسهمت في نُضجِه أكثر؛ حيث نشط الحديث عن القضايا الاجتماعية والسياسية ...

أهمية مسرح الطفل:
يوافق المسرح طباع الطفل؛ نظرًا لتأسسه على فعاليتين، هما: التقمُّص والاندماج؛ إذ تظهر الفعاليتان جليًّا في اللعب الذي يفترض تقمُّص الأدوار والاندماج مع المتخيل، حتى يغدو كأنه حقيقة واقعية، هذا اللعب قد يختلف في مستوى تركيزه بين شخصي وإسقاطي؛ إذ الشخصي يتم فيه استهلاكُ كل الطاقات الجسدية والفكرية معها واستغلالها من أجل التمثيل، بينما الإسقاطي يعوِّل فيه الطفلُ على العقل أكثر أثناء استخدام العرائس والأدوات، وذلك باستخدام الصوت أو اليد فقط دون استخدام الجسد كله، لتكون الأدوات بديلًا واضحًا عنه يسقط عليها مخيلتَه، فيحركها في ضوء خبراته وتصوراته الآنية؛ مما يساعد على نمو الإدراك الطفولي، ويسهم في إظهار مواهبه، وهذا ما يطرح ضرورة مراعاة التفاوت في السن أثناء التقديم، تقول "ونفيرد وورد": فما يقبله الأطفال في سن الخامسة يبدو تافهًا بالنسبة للأطفال في سن الحادية عشرة، وما يهز مشاعر هؤلاء يثير فزع الأطفال في الخامسة".

إن ما يحدد موضعية متميزة لمسرح الطفل خصوصية الغاية، وكذا الجمهور المستهدف، وما يفترض من هذين الأمرين من آليات الخطاب المخصوص؛ إذ رغم توجيهه إلى الأطفال فإن ذلك لا ينفي التقاط الكبار رسائله، وهذا ما يجعلهم في حكم الجمهور غير المباشر، من هذا المنطلق يعد مسرح الطفل صنفًا دراميًّا تتحدد هويَّتُه من وظائفيته، وهذه الوظائفية تفترض وجود شروط محددة، منها ما تعلق بمراعاة المستوى الإدراكي والنفسي؛ وذلك بمراقبة مستوى اللغة والأداء الصوتي والموسيقي واختيار المفردات المناسبة، وكذا الموضوعات وآليات العرض (الصورة، الضوء، الحركة ...).

إذًا؛ يُعَد مسرح الطفل وسيطًا ثقافيًّا؛ حيث يتم في إنتاجه مراعاة الاعتبارات التربوية والفنية المختلفة، بل والفوارق المتعلقة بالنمو اللغوي والإدراكي والمعرفي والمزاجي المتصل بالخيال والتلقي والقِيَم التي تجب مراعاتها؛ لذلك يمكن القول: إن خصوصية مسرح الطفل تتحدد انطلاقًا من هذه الاعتبارات التربوية المطعمة بالجمالية، من هنا فالكاتب المسرحي يهتم بتحديد الأهداف، كما يركِّز على اختيار الشكل المسرحي الملائم للأداء المسرحي وللموضوع، ويمكن أن نجمِلَ أهميتَه في نقاط، أهمها:
إثراء قاموس الطفل اللغوي.

تنمية قدراته ومساعدته على التعبير.

التعبئة بالقِيَم التربوية والأخلاقية، وتعديل سلوكياته بما يوافق قِيَمَ المجتمع.

تعزيز الثقة بالنفس، (بالنسبة للأطفال المشاركين في التمثيل).

تهذيب الذوق الفني والجمالي.

تقديم المعرفة.

التخفيف من تأثير الانطواء وعيوب النُّطق.

التقليل من التوترات النفسية.

تنمية الرُّوح الاجتماعية عند الأطفال.

وانطلاقًا من أهميته يمكن تحديدُ سماتِه، وأهمها:
وضوح الشخصيات بكل سماتها وأدوارها.

مناسبة الحَبْكة لعُمرِ الطفل.

مراعاة الترتيب المنطقي في سَيْر الأحداث.

الاعتماد على عنصر التشويق، خاصة في المقدمة، والانتهاء بنهاية مفرحة تكون الغلبةُ فيها للخير.

سهولة الحوار ووضوحه.

دمجه بالفكاهة..، التأسُّس على القِيَم الأخلاقية والتربوية السائدة في المجتمع.

تجنُّب الأسلوب الوعظي المباشر.

مراعاة البِنْية الاجتماعية بكل حمولاتها ومرجعياتها القِيَمية.

تجنُّب الإطالة المبالغ فيها في مدة المسرحية.

وكمثال على ما قلناه في هذه المداخلة نتذكر مسرحية عز الدين جلاوجي، الموسومة بـ: "سالم والشيطان"؛ حيث الصراعُ بين قُوى الخير وقُوى الشر؛ فسالمٌ الكسولُ بسلوكياته السيئة؛ من تدخين، وعدم احترام للمعلم، وكسل.. يجني في مرحلة الشباب ثمارَ أفعاله، "الشر: (يظهر) يا غبي، أنا شر، وهل تنتظر مني خيرًا؟ ولكني لم أفرض عليك شيئًا؛ فقد كنتُ أزيِّن لك الشر والكسل، وكنت تُطيعني؛ لأنك كسول، فَلُمْ نفسَك ولا تَلُمْني.

سالم: (يجري خلفه) ابتعدْ عني ودَعْني لحالي يا لعين، هدمتَ حياتي، وما زلتَ تتعقَّبُني.. ابتعد ابتعد، (يجري خلفه فيفرُّ الشر)".

بينما مسرحية: "الحافظة السوداء" تعالج موضوعَ الأمانة؛ حيث يعيد سعيدٌ الحافظةَ لصاحبها بعد الاستماع لتوجيهات أبيه، وتشجيعه وتعليمه أن الاعترافَ بالخطأ فضيلة، "الأب: إن كنتَ تعرفه فأرجِعْها له.. وإن لم تكن تعرفُه بحثنا عنه، فالحافظة أمانة عندنا.. والله سيعاقبنا إن لم نرُدَّها إلى أهلها.

سعيد: نعم أعرفه، لكنَّ صديقي سالِمًا أخَذ منها بعض النقود.


الأب: لا تخشَ سأعوض لك ما نقص.. على أن تردَّ الحافظة لصاحبها وتعتذرَ له".


إن المرجعيات تتحدد بشكل واضح في مسرح عز الدين جلاوجي، فبين القيميات الدِّينية والاجتماعية يتموضع الحوارُ، هادفًا إلى تربية النَّشءِ وتهذيبه، بينما نجد الأمرَ مختلفًا في المسرح الغربي، مثلاً فقصة سندريلا التي مُثِّلت على خشبة المسرح تقدِّم تصورًا ورؤية مغايرة عن المجتمع الغربي وقِيَمه، بما يناقض قِيَمنا؛ كالحفلات الراقصة المختلطة، وتأسُّس العلاقة الأسرية على عنصر الانتقاء الكاشف لا المحتشم، كما أن الأزياءَ في حد ذاتها تقدِّمُ رسالة سلبية إذا ما تم استعارة هذه النماذج وتقديمها إلى أطفالنا، فنحن لا نستطيع تخيُّل سندريلا أو الأميرة النائمة أو غيرها من الشخصيات النسائية بزيٍّ إسلامي؛ مما يؤثر في مسألة التلقي والقابلية والإقناع.