صيام ستة أيام من شوال


أ. رشيد حفوظة



1- هل الحديث ثابت؟
أخرج الإمام مسلم عن أبي أيوب الأنصاري: ((مَن صام رمضانَ ثُمَّ أَتبَعَه سِتًّا مِن شوَّالٍ، كان كصيام الدَّهْر))، وفي رواية الطيالسي وعبد الرزَّاق بلفظ: "السَّنة" بدلًا من الدهر.


وقال الدكتور محمد مصلح الزعبي/ جامعة آل البيت في كتابه: "صيام ست من شوال دراسة حديثية فقهية":
(وخلاصة القول: إن حديث أبي أيوب رضي الله عنه حديثٌ صحيح، ويصلح للاحتجاج به، وكذلك حديث ثوبانَ رضي الله عنه، وباقي الأحاديث شواهدُ تتقوَّى بهما، باستثناء حديث ابن عمر فإنه ضعيف جدًّا ومنكر؛ لشدَّة ضعف رُواته، ولمخالفة متنه لباقي الروايات جميعًا).


وقال: أورده الكتاني في كتابه: "نظم المتناثر من الحديث المتواتر"، وذَكَرَ أن السيوطي أورده في كتابه: "الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة" من طريق ثمانية أنفس من الصحابة، هم: أبو أيوب الأنصاري، وجابر بن عبدالله، وثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن عباس، وابن عمر، والبراء بن عازب، وغنام، وعائشة، رضي الله عنهم جميعًا، كلهم بألفاظ متقاربة؛ "نظم المتناثر من الحديث المتواتر" (1/ 146).


2- ما حكم صومها؟
مستحب؛ بدليل الحديث النبويِّ الصحيح؛ ففيه ترغيب في صومها بالإشارة إلى الأجر المضاعف (كان كصيام الدهر)، وذهب الإمام مالك إلى كراهة صيام ستة أيام من شوَّال، وقد اعتذر ابن عبدالبر عن الإمام مالك بقوله: "لم يبلغ مالكًا حديثُ أبي أيوب - على أنه حديث مدني - والإحاطة بعلم الخاصة لا سبيل إليه، والذي كرهه له مالك أمرٌ قد بيَّنه وأوضحه؛ وذلك خشية أن يضاف إلى فرض رمضان، وأن يستبين ذلك إلى العامة، وكان رحمه الله متحفظًا كثير الاحتياط للدين، وأمَّا صيامُ الستةِ الأيام من شوال على طلب الفضل وعلى التأويل الذي جاء به ثوبان رضي الله عنه، فإن مالكًا لا يكره ذلك إن شاء الله؛ لأن الصوم جُنَّة، وفضله معلوم لمن ردَّ طعامَه وشرابه وشهوتَه لله تعالى، وهو عمل بِرٍّ وخير"؛ الاستذكار (4 /143 - 144).


وذهب أبو عبدالله العبدري إلى تأويل آخر لقول مالك، وهو: أن مالكًا إنما كره صومها لسرعة أخذ الناس بقوله، فيظن الجاهل وجوبَها، وزعم العبدري -وهو من فقهاء المالكية - أنَّ مالكًا كان يصومها، وحضَّ مالكٌ الرشيدَ على صيامها؛ "التاج والإكليل" (2 /414).
وقال القرطبي: "وروى مطرف عن مالك أنه كان يصومها في خاصَّة نفْسِه"؛ تفسير القرطبي (2/ 324).


3- لماذا ستة أيام من شوَّال؟
أ- كونه يأتي عقيب رمضان مباشرة، فكون المرءِ قد تعوَّد على الصيام فيه يسهل عليه أن يزيد ستة أيام إلى ثلاثين.


ب-شكرًا لله تعالى على توفيقه لصيام رمضان وقيامه، كما قال تعالى: ﴿ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 185].


ج- ليكون الانتقال من الصيام إلى الفطر بتدرُّج، فلا يحدث انقطاع مفاجئ قد يضر بالبدن، ويفقد معه الصائم الرُّوحانية التي تمتَّع بها في رمضان.


د- وإذا كان الحديث قد نبَّه إلى الأجر المضاعَف، فإنَّ الحديث الآخر ينصُّ على أن النَّفل مكمِّلٌ للفرض، قال صلى الله عليه وسلم: ((فإن انتقَصَ مِن فريضَتِه شيءٌ، قال الرَّبُّ عزَّ وجلَّ: انْظُرُوا هَل لِعَبْدِي مِن تطَوُّعٍ؟ فيكمل بها ما انتقَص مِن الفريضة، ثُمَّ يكون سائرُ عمله على ذلك))؛ أخرجه الترمذي وأبو داود.


4- ما معنى كصيام الدهر؟
أي: أجرها كأجر صيام الدهر، والمراد به العام كله كما في رواية الطيالسي وعبد الرزَّاق، بلفظ: "السَّنة" بدلًا من الدَّهر؛ فرمضان 30 يومًا، و6 أيام شوال، فمجموعها 36، وحين تضاعف 10 أضعاف تصير 360؛ أي: سَنة؛ فالحسنةُ بعشر أمثالها.


5- كيف تصام؟
أ- بعد يوم العيد متتابعة.
ب- تصام خلال الشهر دون شرط التتابع، ولا كونها بعيد العيد مباشرة.
ج- توصل بالأيام البيض: 10 إلى 15، أو 13 إلى 18.


د- وقيل: تصام أيام الاثنين والخميس، و لم يَرِدْ نص يخصص كيفيةً منها، وما ورد في أنها تكون متتابعة لا يصح.
ولعلَّ القول الثاني أصح.
وإن كان توخِّي الأيام الفاضلة فيه فضلٌ زائد، كما في القولين الثالث والرابع.
والقول الأول يصلح لمن يحب المبادرة بالطاعات، أو يخشى أن تتعوَّد نفسه على الفطر، فيتكاسل عن صيامها مع إفطار أيام بُعَيْد يوم العيد؛ ليحصل الفرح بالتزاور وبالأكل والشرب مع مجالسة الأهل والمعارف.


6- من لم يقدر على صومها هل يُحرَم من أجرها؟
مَن فاته صيامُها مع حرصه عليها، فهو مأجور بنيَّتِه إن شاء الله؛ فعن أنس بن مالك قال: لمَّا رَجَعْنَا من غزوة تبوك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن بالمدينة أقوامًا، ما سِرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا، إلا كانوا معكم))، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة مقيمون؟ قال: ((نعم، قد حبسهم العذر)))؛ أخرجه البخاري.

وقيل: تُقضى حتى بعد شوال، ولا شك أن أجر الصيام حاصل حتى في غير شوال، ولكن الحديث خص بها شهر شوال؛ فالصحيح أن الفضيلة المذكورة في الحديث لا تحصل إلا بصوم ستة أيام في شوال.


7- ما حكم الجمع بين نية ستة شوال وقضاء رمضان؟
اختلف العلماء في ذلك، وجمهورهم على المنع؛ بناءً على اختلافهم في قاعدة أصولية في التشريك في النية في العبادات.

أ-ولعل القول بالجواز أرفق، خاصة بالمرأة التي تفطر ما معدله 6 أيام من رمضان اضطرارًا بسبب العادة الشهرية؛ فأن تُكلَّف في شوال بقضاء دَيْنها من رمضان (6أيام أو 7)، ثم 6 أخرى، وقبلها قد صامت رمضان، فهذا فيه مشقَّة، خاصة مع شدة الحرارة.


ب-هل يصوم الناس تضامنًا مع المرأة في قضاء دَيْنها؟
ربما؛ فالشارع قد يكون قصد ذلك، ففي الجمع بين القضاء والنفل رفعٌ للحرج عنها، فهي تصوم مع غيرها ستة أيام من شوال، وتقضي دينها باطنًا، والله تعالى يقول: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [الحج:78]، والله أعلم.


ج- والجمع بين نيتين في الصيام ليس ببعيد عما جاء في المدونة: "في صيام قضاء رمضان في عشر ذي الحجة وأيام التشريق، قلت - الإمام سحنون -: ما قول مالك: أيقضي الرجل رمضان في العشر؟ فقال: نعم، قلت: وهو قول مالك؟ قال: نعم"، وقال: "قال ابن وهب عن سفيان الثوري، عن الأسود بن قيس، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب أنه قال: ما أيام أحب إليَّ أن أقضي فيها شهر رمضان من هذه الأيام؛ لعشر ذي الحجة، قال ابن وهب: عن ابن لهيعة وحيوة بن شريح، عن خالد بن أبي عمران أنه سأل القاسم وسالمًا عن رجل عليه يوم من رمضان: أيقضيه في العشر؟ فقال: نعم، ويقضيه يوم عاشوراء".

والله أعلم.